عن علي بن أبي طالب -من طريق عاصم بن ضَمْرَة- أنّه ذَكَر الجنة، فقال: يدخلون، فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، قال: فيغتسلون من إحداهما، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث أشعارُهم، ولا تَغْبَرُّ أبشارهم. ويشربون من الأخرى، فيخرج كلُّ قذًى وقَذَر -أو: شيء في بطونهم-. قال: ثُمَّ يفتح لهم باب الجنة، فيُقال لهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر:٧٣]. قال: فتستقبلهم الولدان، فيَحُفُّونَ بهم كما تَحُفُّ الوِلدان بالحميم إذا جاء مِن غَيْبَتِه، ثم يأتون فيُبَشِّرون أزواجهم، فيُسَمُّونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيقُلْن: أنت رأيتَه؟ قال: فيَسْتَخِفَّهُنَّ الفرحُ. قال: فيجِئْنَ، حتى يَقِفْنَ على أُسْكُفَّةِ الباب. قال: فيجيئون، فيدخلون، فإذا أُسُّ بيوتهم بجَندلِ اللُّؤْلُؤ، وإذا صُرُوحٌ صُفْرٌ وخُضْرٌ وحُمْرٌ ومِن كل لون، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فلولا أنّ الله قدَّرها لهم لالتُمِعتْ أبصارهم مما يرون فيها، فيُعانِقون الأزواج، ويقعدون على السُّرُر، ويقولون: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ إلى آخر الآية
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: كان أوَّل ما دخل على يوسف مِن البلاء -فيما بلغني- أنّ عمته وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها مِنطَقةُ إسحاق، فكانوا يتوارثونها بالكِبَر، وكان يعقوبُ حين وُلِد له يوسف قد حَضَنَتْهُ عمَّتُه، فكان معها وإليها، فلم يُحِبَّ أحدٌ شيئًا مِن الأشياء كحُبِّها إيّاه، حتى إذا تَرَعْرَعَ وقعت نفسُ يعقوب عليه، فأتاها، فقال: يا أُخيَّةُ، سلِّمي إلَيَّ يوسف، فواللهِ، ما أقدر على أن يغيب عَنِّي ساعة. قالت: فواللهِ، ما أنا بتاركته، فدعه عندي أيّامًا أنظر إليه، لعلَّ ذلك يُسَلِّيني عنه. فلمّا خرج يعقوب مِن عندها عَمَدت إلى مِنطَقةِ إسحاق فحَزَمَتْها على يوسف مِن تحت ثيابه، ثم قالت: فقدتُ مِنطَقةَ إسحاق، فانظروا مَن أخذها، ومَن أصابَها. فالتُمِسَت، ثم قالت: اكشفُوا أهلَ البيت. فكشفُوهم، فوجَدُوها مع يوسف، فقالت: واللهِ، إنّه لي لَسَلَمٌ، أصنع فيه ما شِئْتُ. فأتاها يعقوبُ، فأخبرته الخبر، فقال لها: أنتِ وذاك، إن كان فَعَلَ ذلك فهو سَلَمٌ لك، ما أستطيع غير ذلك. فأمْسَكَتْه، فما قَدَرَ عليه حتى ماتت، فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنَع بأخيه ما صنَع: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾
قال مقاتل بن سليمان: سورة الأنعام مكية كلها، إلا هذه الآيات. نزلت بالمدينة، ونزلت ليلًا، وهي خمس وستون ومائة آية كوفي. والآيات المدنية هي: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [١٥١] وهي الآيات المحكمات، وقوله: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية [٩١]، وقوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ نزلت في مسيلمة، ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقوله: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [٩٣]، وقوله: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [١١٤]، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [٢٠]، هذه الآيات مدنيات، وسائرها مكي. نزل بها جبريل عليه السلام، ومعه سبعون ألف ملك، طبَّقوا ما بين السماء والأرض، لهم زَجَل بالتسبيح والتمجيد والتحميد، حتى كادت الأرض أن تَرْتَجَّ، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم وبحمده». وخرَّ النبي ساجدًا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب
عن علي بن أبي طالب – من طريق عُمارة بن عمرو السَّلُولي، وأبي عبد الرحمن السُّلَمِي- قال: لَمّا تَعَجَّل موسى إلى ربِّه عَمَدَ السامريُّ فجمع ما قدر عليه مِن حلي بني إسرائيل، فضربه عجلًا، ثم ألقى القبضة في جوفه، فإذا هو عِجْلٌ جسد له خوار، فقال لهم السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾. فقال لهم هارون: ﴿يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا﴾. فلمّا أن رجع موسى أخذ برأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: ما خطبك؟ فقال: قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وكذلك سولت لي نفسي. فَعَمَد موسى إلى العِجْل، فوَضَع عليه المبارِد، فبَرَدَه وهو على شطر نهر، فما شرب أحدٌ مِن ذلك الماء مِمَّن كان يعبد ذلك العجل إلا اصْفَرَّ وجهُه مثل الذهب، فقالوا: يا موسى، ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضُكم بعضًا. فأخذوا السكاكين، فجعل الرجلُ يقتل أخاه وأباه وابنه، ولا يبالي مَن قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مُرْهم فليرفعوا أيديهم؛ فقد غفرتُ لِمَن قُتِل، وتُبْتُ على مَن بقي
اختُلِف في تفسير البِرِّ الذي عناه الله بقوله: ﴿أن تبروا﴾؛ فقال قوم: هو فعل الخير كله. وقال آخرون: هو البِرُّ بذي رحمه. ورجَّحَ ابنُ جرير القولَ الأول لدلالة العموم، فقال (٤/١٢): «وذلك أنّ أفعال الخير كلَّها من البر، ولم يخصص الله في قوله: ﴿أن تبروا﴾ معنًى دون معنًى من معاني البر؛ فهو على عمومه». ثُمَّ ذَكَرَ اندراج القولِ الثاني في الأول، فقال: «والبِرُّ بذوي القرابة أحد معاني البِرِّ». وبيَّن ابنُ عطية (١/٥٤٨) أن المهدوي قدَّر الآية: بكراهة أن تبروا، وذكر أن قومًا قالوا: المعنى: ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح. وبيَّن أنه على هذا القول لا يحتاج إلى تقدير «لا» بعد ﴿أن﴾، ثم ذكر أن هذا التأويل له معنيان: الأول: أن يكون في الذي يريد الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثًا ليكمل غرضه. الثاني: أن يكون على ما رُوي عن عائشة أنها قالت: «نزلت في تكثير اليمين بالله نهيًا أن يحلف الرجل به برًّا فكيف فاجرًا»، فالمعنى: إذا أردتم لأنفسكم البر. ونقل عن الزجاج وغيره أنهم قالوا: معنى الآية: أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتلَّ بالله تعالى، فقال: عليّ يمين. وهو لم يحلف
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿هذا عطاؤنا﴾ على أقوال: الأول: أنّه المُلك الذي أعطاه الله. الثاني: ذلك تسخيره له الشياطين. الثالث: أنه ما أوتي من القوة على الجماع. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/١٠٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك مِن أنه عُنِي بالعطاء: ما أعطاه مِن المُلك -تعالى ذِكْرُه-، وذلك أنه -جلَّ ثناؤه- ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان -صلوات الله وسلامه عليه- إيّاه مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له -عزَّ ذِكْرُه-: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك». ووافقه ابنُ عطية (٧/٣٥٠) مستندًا إلى السياق بقوله: «وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك، وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة، ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصحُّ الأقوال وأجمعها لتفسير الآية»
ذكر ابنُ عطية (٧/٣٦٢) اختلاف الناس في تفسير قوله: ﴿إذ يختصمون﴾ على قولين: الأول: أن اختصامهم في أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض. الثاني: قال ابن عطية: «وقالت فرقة: بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلف الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء، وورد في هذا حديث فسره ابن فورك لأنه يتضمن أن النبي ﷺ قال له ربه عز وجل في نومه: فيم يختصمون؟ فقلت: لا أدري. فقال: في الكفارات، وهي إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الخطى إلى الجماعات... الحديث بطوله». وعلّق ابنُ عطية (٧/٣٦٢) على القول الأول بقوله: «ويدل على ذلك ما يلي من الآيات». وزاد ابنُ عطية (٧/٣٦٣) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقالت فرقة: المراد بقوله: ﴿بالملإ الأعلى﴾: الملائكة. وقوله: ﴿إذ يختصمون﴾ مقطوع منه، معناه: إذ تختصم العرب الكافرة في الملإ، فيقول بعضها: هي بنات الله. ويقول بعضها: هي آلهة تعبد. وغير ذلك من أقوالهم. وقالت فرقة: أراد بـ﴿الملأ الأعلى﴾: قريشًا». وانتقد الثاني بقوله: «وهذا قول ضعيف لا يتقوى من جهة»
اختُلف في قوله: ﴿وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون﴾ على أقوال: الأول: إلا ليُقِرّوا ويُذعنوا بالعبودية طوعًا أو كرهًا. الثاني: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي. الثالث: إلا ليعرفوني. الرابع: الآية خاصة في أهل الإيمان، والمعنى: وما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلا لعبادتي. وقد ذكر ابنُ عطية (٨/٨٢) القول الأول، وعلّق عليه، فقال: «قال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليُقِرّوا لي بالعبودية، فعبّر عن ذلك بقوله: ﴿ليعبدون﴾ إذ العبادة هي مضمون الأمر». وعلّق على القول الرابع بقوله: «ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ أنه قرأ: (وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي)». وعلّق ابنُ تيمية (٦/١١٦) على القولين الأول والثالث، فقال: «فعلى هذه الأقوال أن جميع الإنس والجن عبدوه وعرفوه ووحّدوه وأقرُّوا له بالعبودية طوعًا وكرهًا». ولم يذكر ابنُ جرير غير القولين الأولين، ثم رجّح (٢١/٥٥٥) القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا. فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه مَن كفر به في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه». وأورد ابنُ تيمية (٦/١١٧) توجيه ابن جرير لترجيحه، ونسَبه للثعلبي، ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، وظاهر القرآن، والسياق، فقال: «وهذا المعنى -وإن كان في نفسه صحيحًا، وقد نازعت القدرية في بعضه- فليس هو المراد بالآية، فإن جميع المخلوقات -حتى البهائم والجمادات- بهذه المنزلة. وأيضًا فالعبادة المذكورة في عامة المواضع في القرآن لا يراد بها هذا المعنى. وأيضًا فإن قوله: ﴿ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ دليل على أنه خلقهم ليعبدوه، لا ليرزقوا ويُطعموا، بل هو المُطعم الرازق، وإطعامه لهم ورزقه إياهم هو من جملة تدبيرهم وتصريفهم، الذي قد جعله أهل هذا القول عبادةً له، فتكون العبادة التي خُلقوا لها كونهم مرزوقين مُدبَّرين، وهذا باطل. وأيضًا فقوله: ﴿ليعبدون﴾ يقتضي فعلًا يفعلونه هم، وكونه يربّيهم ويخلقهم ليس فيه إلا فِعله فقط، ليس في ذلك فعل لهم». وانتقد كذلك القول الرابع، فقال: «ويلي هذا القول في الضعف قول مَن يقول: إن الآية خاصة فإنه هذه أقوال ضعيفة». وذكر ابنُ عطية في الآية احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية أن يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا مُعدّين ليعبدون». وعلّق عليه بقوله: «وكأن الآية تعديد نعمة، أي: خلقت لهم حواس وعقولًا وأجسامًا منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرْث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يُحارب به أصلًا، فالمعنى: أن الإعداد في خلْق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي ﷺ: «اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له». وقوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة»»
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: إنّ داود قد قسَّم الدهر ثلاثة أيام؛ يومًا يقضي فيه بين الناس، ويومًا يخلو فيه لعبادة ربه، ويومًا يخلو فيه بنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب أنّه كان يجد فيه فضلَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فلمّا وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب، قال: يا رب، أرى أنّ الخير كلَّه قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطِني مثلَ ما أعطيتَهم، وافعل بي مثلَ ما فعلتَ بهم. فأوحى الله إليه: إنّ آباءك ابتُلوا ببلايا لم تُبتلى بها؛ ابتُلي إبراهيم بذبْح ابنه، وابتُلي إسحاق بذهاب بصره، وابتُلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تُبتلى بشيء مِن ذلك. قال: يا ربِّ، ابْتلني بمثل ما ابْتليتَهم به، وأعطِني مثل ما أعطيتَهم. فأوحى الله إليه: إنك مُبتلًى، فاحتَرِس. فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي، فمد يده ليأخذه، فتنحّى، فتبعه، فتباعد، حتى وقع في كُوَّة، فذهب ليأخذه فطار مِن الكُوَّة، فنظر أين يقع؛ فيَبعث في أثره، فأبصر امرأةً تغتسل على سطح لها، فرأى امرأةً مِن أجمل الناس خَلْقًا، فحانت منها التفاتةٌ، فأبصرتْه، فألقتْ شعرها، فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأُخبِر أنّ لها زوجًا، وأنّ زوجها غائب بمسْلَحَة كذا وكذا. فبعث إلى صاحب المسْلَحة يأمره: أن يبعث أُهْريّا إلى عدو كذا وكذا. فبعثه، ففُتح له، وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أنِ ابعثه إلى عدو كذا وكذا. أشد منه بأسًا، فبعثه، ففتح له أيضًا، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. أشد منه بأسًا، فبعثه، فقُتل في المرة الثالثة، وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيرًا حتى بعث الله ملَكين في صورة إنسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسوَّرا عليه المحراب، فما شعر وهو يصلي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما، فقالا: ﴿لا تَخَفْ﴾ إنما نحن ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تَحِف، ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ إلى عدل القضاء. فقال: قُصّا عَلَيَّ قصتكما. فقال أحدهما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾، فهو يريد أن يأخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة. فقال للآخر: ماتقول؟ فقال: إنّ لي تسعًا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه فأُكمل بها نعاجي مائة. قال: وهو كارِهٌ؟! قال: وهو كارِه. قال: إذًا، لا ندعك وذاك. قال: ما أنتَ على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبتَ ترومُ ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا. يعني: طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة. قال: يا داود، أنت أحقُّ أن يُضرَب منك هذا وهذا؛ حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأُهْريّا إلا امرأة واحدة، فلم تزل تُعرِّضه للقتل حتى قتلته وتزوَّجتَ امرأته. فنظر فلم يرَ شيئًا، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتُلي به، فخرَّ ساجدًا، فبكى، فمكث يبكي ساجدًا أربعين يومًا، لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجدًا يبكي، ثم يدعو، حتى نبت العشب مِن دموع عينيه، فأوحى الله إليه بعد أربعين يومًا: يا داود، ارفع رأسك، قد غفرتُ لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرتَ لي، وأنت حَكَمٌ عدل لا تحيف في القضاء؟ إذا جاء أُهريّا يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تشْخُب أوداجُه دمًا في قِبل عرشك، يقول: يا رب، سلْ هذا فيمَ قتلني؟ فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوتُ أُهريّا، فأستوهبك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: ربِّ، الآن علمتُ أنك غفرتَ لي. فما استطاع أن يملأ عينيه مِن السماء حياءً مِن ربه، حتى قُبض ﷺ
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾، قال: وضع الله البيتَ مَعَ آدم حين أهْبَطَ اللهُ آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تَهابُه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحَزِن آدم؛ إذ فقد أصواتَ الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم، إنِّي قد أهبطتُ لك بيتًا يُطاف به كما يُطاف حول عرشي، ويُصَلّى عنده كما يُصَلّى عند عرشي، فاخرج إليه. فخرج إليه آدم، ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مَفازَة، فلم تزل تلك المَفاوِزُ بعدُ على ذلك، وأتى آدم البيت فطاف به، ومَن بعده من الأنبياء، قال معمر: وأخبرني أبان: أنّ البيت أُهْبِط ياقوتة واحدة، أو دُرَّة واحدة، قال معمر: وبلغني: أنّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فُقِدَ، وبَقِيَ أساسُه، فبَوَّأَه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك، فذلك قول الله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾، قال معمر: قال ابن جُرَيْج: قال ناس: أرسل الله سبحانه سحابة فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تأخذ قدْر هذه السحابة. فجعل ينظر إليها، ويخط قدْرها، قال الرأس: قد فَعَلْتَ؟ قال: نعم. ثم ارْتَفَعَتْ، فحفر، فأَبْرَزَ عن أساسٍ ثابت في الأرض، قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: أقبل الملَك والصُّرَدُ والسَّكِينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السَّكِينة: يا إبراهيم، رَبِّضْ عَلَيَّ البيتَ. قال: فلذلك لا يطوف البيتَ أعرابيٌّ ولا مَلِكٌ من هذه الملوك إلا رأيت عليه السكينة والوقار، قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان الله استودع الركن أبا قُبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس، فقال: يا إبراهيم، هذا الركن فِيَّ، فَخُذْهُ. فاحتَفَر عنه، فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال: قد فعلتُ، يا ربِّ، فأَرِنا مناسكنا، أبرِزْها لنا، وعَلِّمْناها. فبعث الله جبريل، فحَجَّ به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفتُ. وكان أتاها قبل ذلك مرة، قال: فلذلك سُمِّيَت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان، فقال: احْصِبْ. فحَصَبَه بسبع حَصَيات، ثم اليوم الثاني والثالث، فَسَدَّ ما بين الجبلين -يعني: إبليس-، فلذلك كان رميُ الجمار، قال: اعْلُ على ثَبِير. فعَلاه، فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله، يا عباد الله، أطيعوا الله. فسَمِع دَعْوَتَه مَن بين الأبحر السبع مِمَّن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله: لبيك اللهم لبيك. ولم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها