عن أنس، قال: كنتُ عند النبيِّ ﷺ، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إنِّي أصبتُ حدًّا، فأقِمْهُ عَلَيَّ. فلم يسأله عنه، وحضرت الصلاة، فصلّى مع النبيِّ ﷺ، فلمّا قضى الصلاةَ قام إليه رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أصبت حدًّا، فأقِم فِيَّ كتابَ الله. قال: «أليس قد صليتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإنّ الله قد غفر لك ذنبك» أو قال: «حدّك»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ يقول: وهكذا ابتلينا فقراء المسلمين من العرب والموالي بالعرب من المشركين: أبي جهل، والوليد، وعتبة، وأمية، وسهيل بن عمرو، ونحوهم؛ ﴿ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم﴾ يعني: أنعم الله عليهم بالإسلام ﴿من بيننا﴾؟! يقول الله: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ يعني: بالموحدين منكم من غيره. وفيهم نزلت في الفرقان [٢٠]: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة... ﴾
قال أبو هريرة، وعبد الله بن عباس: إذا مات الناسُ كلُّهم في النفخة الأولى أُمْطِر عليهم أربعين عامًا، يُسْقى الرجالُ من ماء تحت العرش يُدْعى: ماء الحيوان، فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم، وكما ينبت الزرعُ من الماء، حتى إذا استكملت أجسادهم نُفِخ فيهم الروح، ثم يُلْقى عليهم نومة، فينامون في قبورهم، فإذا نُفِخ في الصور الثانية عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم، كما يجد النائمُ إذا استيقظَ من نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾، فيناديهم المنادي: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢]
قال يحيى بن سلّام: ﴿أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ كقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَواتِ والأَرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] لئلا تزولا، ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ يعني: النفخة الآخرة، وفيها تقديم: إذا دعاكم دعوة إذا أنتم من الأرض تخرجون، كقوله: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ﴾ أي: من القبور ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يخرجون، وهو نفخة صاحب الصور في الصور، وهو: ﴿فَإنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ * فَإذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣-١٤] إذا هم على الأرض، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق:٤١]
قال يحيى بن سلّام: قالت الملائكة: ﴿سُبْحانَكَ﴾ يُنَزِّهون اللهَ عما قال المشركون، ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ أي: إنّا لم نكن نواليهم على عبادتهم إيّانا، ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أي: الشياطين مِن الجن هي التي دعتهم إلى عبادتنا، ولم ندعهم إلى عبادتنا، فهم بطاعتهم الشياطين عابدون لهم، كقوله: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس:٦٠]، وكقوله: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧]، ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ يعني: المشركين ﴿بِهِمْ﴾ بالشياطين، ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ جماعتهم ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدِّقون بما وسوس إليهم مِن عبادة مَن عبدوا فعبدوهم
وسُراقة بن جُعْشُم، دخل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: خرج رسولُ الله ﷺ والقومُ جلوسٌ على بابه، فأخذ حَفْنَةً مِن البطحاء، فجعل يَذُرُّها على رءوسهم، ويتلو: ﴿يس، والقرآن الحكيم﴾ الآيات. ومضى، فقال لهم قائلٌ: ما تَنتَظِرون؟ قالوا: محمدًا. قال: قد -واللهِ- مرَّ بكم. قالوا: واللهِ، ما أبصَرْناه. وقاموا يَنفُضون الترابَ عن رءوسهم، وخرج رسولُ الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور، فدخلاه، وضرَبَتِ العنكبوتُ على بابه بعِشاشٍ بعضُها على بعض، وطلَبَته قريشٌ أشدَّ الطلبِ حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم: إنّ عليه لَعنكبوتًا قبلَ ميلاد محمدٍ. فانصرفوا
عن كعب الأحبار -من طريق عبد الله بن عبد الرحمن- أنه ذُكِر له حبيبُ بن زيد بن عاصم، أخو بني مازن بن النجار، الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ، فجعل يقول: أتشهد أنّ محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول له: لا أسمع. فيقول مسيلمة: أتسمع هذا، ولا تسمع هذا؟ فيقول: نعم. فجعل يقطِّعه عضوًا عضوًا، كلما سأله لم يَزِده على ذلك حتى مات في يديه. قال كعب -حين قيل له: اسمه: حبيب-: وكان -واللهِ- صاحب يس اسمه: حبيب
عن أبي العالية الرياحي -من طريق حماد بن سلمة، عن داود- قال: نزلت سورة النجم بمكة، فقالت قريش: يا محمد، إنّه يُجالِسُك الفقراء والمساكين، ويأتيك الناس من أقطار الأرض، فإن ذكرت آلهتنا بخير جالسناك. فقرأ رسولُ الله ﷺ سورة النجم، فلمّا أتى على هذه الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه: «وهي الغَرانيق العُلى؛ شفاعتهن تُرْتَجى». فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون، إلا أبا أُحَيْحَة سعيد بن العاص، فإنّه أخذ كَفًّا مِن تراب، فسجد عليها، وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير. فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة أنّ قريشًا قد أسلمت، فأرادوا أن يُقبِلوا، واشتدَّ على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه؛ فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآية
ذكر ابنُ كثير (١٢/١٦٦-١٦٧) أن من قالوا بهذا القول احتجوا لقولهم بقول الشاعر:يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْح شاجِر فَهَلا تَلا حم قَبْل التَّقَدُّمثم ساق حديث المهلّب بن أبي صُفرة -الوارد في الآثار المتعلقة بالآية-، ثم علَّق بقوله: «وهذا إسناد صحيح». وذكر ابن جرير (٢٠/٢٧٥-٢٧٦) هذا البيت تحت قول مَن قال: إن ﴿حم﴾ اسم. ثم قال: «وحُدِّثت عن معمر بن المثنى، أنه قال: قال يونس -يعني: الجرمي-: ومَن قال هذا القول فهو منكر عليه؛ لأنّ السورة ﴿حم﴾ ساكنة الحروف، فخَرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سُميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب. والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بينا ذلك، في قوله: ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في ﴿حم﴾ وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني: حروف التهجي قولًا واحدًا»
عن عبد الرحمن بن عوف: أنّه صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا مِن أصحاب النبي ﷺ، فأكلوا وشرِبوا حتى ثَمِلُوا، فقدَّموا علِيًّا يُصَلِّي بهم المغرب. فذكره بنحو ما تقدم، وزاد فيه: أنّه قرأ جميع السورة