اختُلِف فيمن يستحق اسم الوليّ على ثلاثة أقوال: أولها: أنَّ الولِيَّ: مَن يُذْكَرُ الله لرؤيته، لما عليه مِن سيما الخير والإخبات. وثانيها: أنّ الأولياء قوم تحابُّوا في الله واجتمعوا في ذاتِه لم تجمعهم قرابة ولا مال يَتَعاطَوْنَه. وثالثها: أنّ الوليَّ هو المؤمن التقيّ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢/٢١٢-٢١٣) إلى ما ذهب إليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ استنادًا إلى السياق، فقال: «الصوابُ مِن القول في ذلك أن يُقال: الولي -أعني: ولي الله- هو مَن كان بالصِّفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾». وكذلك قال ابنُ تيمية (٣/٤٨٦-٤٨٧). وقال ابنُ القيم (٢/٤٠-٤١): «أولياء الرحمن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم المذكورون في أول سورة البقرة إلى قوله: ﴿هم المفلحون﴾ [البقرة:١-٥]، وفي وسطها في قوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة:١٧٧]، وفي أول الأنفال إلى قوله: ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال:١-٤]، وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون:١-١١]، وفي آخر سورة الفرقان، وفي قوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب:٣٥]، وفي قوله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، وفي قوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور:٥٢]، وفي قوله: ﴿إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ إلى قوله: ﴿في جنات مكرمون﴾ [المعارج:٢٢-٣٥]، وفي قوله: ﴿التائبون العابدون الحامدون﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٢]. فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم، المحكمون لرسوله في الحرم والحِلِّ، الذين يخالفون غيره لسُنَّته ولا يخالفون سُنَّته لغيرها، فلا يبتدعون ولا يدعون إلى بِدْعَة، ولا يَتَحَيَّزون إلى فئةٍ غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا ولعبًا، فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم، الداعون إليه، المحاربون لِمَن خرج عنه»
قال قتادة بن دعامة: يعني: ما عدَّ لهم مِن النِّعَم في هذه السورة، يُقِرُّون أنّها من الله، ثم إذا قيل لهم: تصدَّقوا، وامْتَثِلوا أمر الله فيها. ينكرونها، فيقولون: ورثناها من آبائنا
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق المعتمر، عن أبيه-: إنّ القرآن نزل جميعًا، فوُضِع بمواقع النجوم، فجعل جبريل يأتي بالسورة، وإنّما نزل جميعًا في ليلة القَدْر
قال مقاتل بن سليمان: ثم رجع إلى قَسمه الذي كان أقسم في أول السورة، فقال: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ إنّ عذاب ربك لشديد؛ إذا غَضِب بَطَش، وإذا بَطَش أهْلَكَ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ يعني: صَدَّقوا النبيَّ ﷺ، ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يعني: أعانوه على أمره، ﴿ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ يعني: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، فمَن فعل هذا فـ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾. فقال موسى عند ذلك: اللَّهُمَّ، اجعلني مِن أُمَّة محمد ﷺ
عن ابن عباس -من طريق الضحاك- عن النبي - ﷺ -، قال: «إنّ الله أنزَلَ عَلَيَّ سورة لم يُنزِلها على أحد من الأنبياء والرسل من قبلي». قال النبي - ﷺ -: «قال الله تعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي؛ فاتحة الكتاب، جعلت نصفها لي ونصفها لهم، وآية بيني وبينهم، فإذا قال العبد: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال الله:عبدي دعاني باسمين رقيقين، أحدهما أرق من الآخر، فالرحيم أرق من الرحمن، وكلاهما رقيقان...»
عن عمر بن الخطاب، قال: خَرجتُ أتعرّض لرسول الله ﷺ قبل أنْ أُسلِم، فوجَدتُه قد سبقني إلى المسجد، فقمتُ خَلفه، فاستفتحَ سورة الحاقة، فجَعلتُ أعجب من تأليف القرآن، فقلتُ: هذا -واللهِ- شاعر كما قالتْ قريش. فقرأ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١]. قلتُ: كاهن. قال: ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ﴾ إلى آخر السورة [الحاقة:٤٢-٥٢]، فوقع الإسلام في قلبي كلّ موقع
رجَّح ابنُ كثير (١٣/٤٤٤ بتصرف) -مستندًا للسياق- أنّ أثر خَوْلَة بنت ثَعْلَبة «هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر -الوارد في الآثار المتعلقة بالآيات- فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أُمِر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق، أو الصيام، أو الإطعام. وظاهر السياق أنّ قصة سلمة كانت بعد قصة أوْس بن الصّامت وزوجته خُوَيلَة بنت ثَعْلَبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل»
عن أبي أمامة -من طريق سليم بن عامر- أنّه قال: أيها الناس، إنّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسناتِ والسيئاتِ، وتُوشِكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو القبر؛ بيت الوحدة، وبيت الظُّلمة، وبيت الضِّيق، إلا ما وسَّع الله، ثم تنتقلون إلى مواطن يوم القيامة، وإنكم لفي بعض المواطن حين يغشى الناسَ أمرٌ مِن أمر الله، فتبيض وجوه، وتسود وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فيغشى ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطى شيئًا، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه: ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾ إلى قوله: ﴿فما له من نور﴾، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير
عن مسروق بن الأجدع -من طريق الشعبي- أنّه سُئِل عن الآية التي في سورة النساء ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾: صيام الشهرين عن الرقبة وحدها، أو عن الدية والرقبة؟ قال: من لم يجد فهو عن الدية والرقبة