عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: لَمّا أتى جبريلُ عليه السلام يوسفَ عليه السلام بالبُشْرى وهو في السِّجْن قال: هل تعرفُني، أيُّها الصِّدِّيق؟ قال: أرى صورةً طاهرةً، وريحًا طَيِّبةً لا تُشْبِه أرواحَ الخاطئين. قال: فإنِّي رسولُ رب العالمين، وأنا الروح الأمين. قال: فما الذي أدخلك إلى مدخل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، وأمين رب العالمين؟ قال: ألم تعلم -يا يوسف- أنّ الله يُطَهِّر البيوت بطُهْر النَّبِيِّين؟ وأنّ الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرضين؟ وأنّ الله قد طَهَّر بك السِّجْنَ وما حوله، يا طَهِرَ الطاهرين وابن المُطَهَّرين؟ إنّما يُتَطَهَّرُ بفَضْل طُهْرِك وطُهْرِ آبائك الصالحين المخلصين. قال: كيف تُسَمِّيني بأسماء الصِّدِّيقين، وتَعُدُّني مِن المُخْلِصين، وقد دخلتُ مَدْخَل المُذْنِبين، وسُمِّيتُ بالضالين المفسدين؟ قال: لم يفتن قلبَك الحزن، ولم يُدَنِّس حريتَك الرِّقُ، ولم تُطِع سيِّدتك في معصيةِ ربك، فلذلك سماك اللهُ بأسماء الصِّدِّيقين، وعَدَّك مع المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين. قال: هل لكَ عِلْمُ بيعقوب؟ قال: نعم، وهَبَ اللهُ له الصبرَ الجميل، وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم. قال: فما قَدْرُ حُزْنِه؟ قال: قدر سبعين ثكلى. قال: فماذا له مِن الأجر؟ قال: قدر مائة شهيد
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فلمّا أجمعوا أمرَهم على ذلك أتَوا أباهم، فقالوا: ﴿يا أبانا ما لك لا تَأمَنّا على يوسف﴾. قال: لن أُرْسِلَه معكم؛ إني ﴿أخاف أن يأكُلَه الذئب وأنتم عنه غافلون*قالوا لئن أكله الذئب ونحن عُصْبَةٌ إنا إذا لخاسرون﴾. فأَرسَلَه معهم، فأخرَجوه وبه عليه كرامة، فلمّا بَرَزوا به إلى البَرِّيَّةِ أظهَروا له العداوة، فجعَل يضرِبُه أحدُهم، فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتُلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنَع بابنِك بنو الإماء. فلمّا كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتُموني موثِقًا ألّا تقتلوه؟! فانطلقوا به إلى الجُبِّ لِيَطرَحوه فيه، فجعلوا يُدْلُونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا علىَّ قميصي أتوارى به في الجُبِّ. فقالوا له: ادْعُ الأحدَ عشرَ كوكبًا والشمس والقمر يُؤْنِسوك. قال: فإنِّي لم أر شيئًا. فدَلَّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألْقَوْه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماءٌ، فسقط فيه، فلم يَضُرَّه، ثم أوى إلى صخرة في البئر، فقام عليها، فجعل يبكي، فناداه إخوته، فظنَّ أنها رِقَّةٌ أدْرَكَتْهم، فأجابهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمَنَعَهُم، وقال: قد أعْطيتُموني مَوثِقًا ألّا تقتلوه. فكان يهوذا يأتيه بالطعام
فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت:١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى عليه السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولق
عن حميد بن هلال، قال: كان يونسُ يدعو قومَه، فيأبون عليه، فإذا خلا عنهم دعا الله لهم بالخير، وقد بعثوا عليه عينًا، فلمّا أعيوه دعا الله عليهم، فأتاهم عينهم، فقال: ما كنتم صانعين فاصنعوا؛ فقد أتاكم العذاب؛ فقد دعا عليكم. فانطلق ولا يشك أنه سيأتيهم العذاب، فخرجوا قد ولَّهُوا البهائم عن أولادها، فخرجوا تائبين يعجُّون، فرحمهم الله، وجاء يونس ينظر بأي شيء أهلكها، فإذا الأرض مسودة منهم، يدبون، وذلك حين ذهب مغاضبًا، فركب مع قوم في سفينة، فجعلت السفينة لا تنفذ ولا ترجع، فقال بعضهم لبعض: ما ذا إلا لذنب بعضكم؟ فاقترعوا أيكم نلقيه في الماء ونخلي وجهنا. فاقترعوا، فبقي سهم يونس في الشمال، فقالوا: لا نفتدي مِن شيء أصابنا الليلة بنبي الله. فأعادوا القرع، فبقى سهم يونس في الشمال، فقالوا: لا نفتدي من شيء أصابنا الليلة بنبي الله. فقال يونس: ما يراد غيري، فانبذوني ولا تنكسوني على رأسي، ولكن صبوني على رجلي صبًّا. ففعلوا، وجاء الحوت شاحِبًا فاه، فالتقمه، فاتبعه حوت أكبر مِن ذلك الحوت ليلتقمهما، فسبقه، فكان يونس في بطن الحوت حتى رقَّ العظم، وذهب اللحم والبشر والشعر، وكان سقيمًا فدعا بما دعا به، فنبذ بالعراء وهو سقيم، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان فيها غذاؤه حتى اشتدَّ العظم، ونبت اللحم والشعر والبشر، فعاد كما كان، فبعث الله عليها، فيبست، فبكى عليها، فأوحى الله إليه: يا يونس، أتبكي على شجرة جعل الله لك فيها غذاء، ولا تبكي على قومك أن يهلكوا؟!
اختُلِف في معنى الأواه على أقوال: الأول: الدَّعّاء. الثاني: الرحيم. الثالث: الموقن. الرابع: المؤمن، بلغة الحبشة. الخامس: المُسَبِّح. السادس: الذي يكثر تلاوة القرآن. السابع: المُتَأَوِّه. الثامن: الفقيه. التاسع: المُتَضَرِّع الخاشع. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٤٤) مستندًا إلى السياق القول الأول الذي قاله ابن مسعود، وعبيد بن عمير «لأنّ الله ذكر ذلك، ووصف به إبراهيمَ خليلَه ﷺ بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه﴾، وتَرَك الدعاء والاستغفار له. ثم قال: إنّ إبراهيم لدعّاء لربه، شاكٍ له، حليمٌ عمَّن سبَّه وناله بالمكروه». ثم بَيَّن أنّ أصل الدعاء مِن التأوُّه، وهو التضرُّع والمسألة بالحزن والإشفاق. وبيّن (١٢/٤٦) اندراج أقوال المفسرين تحت هذا المعنى وتقارب بعضها من بعض، فقال: «ولأنّ معنى ذلك: توجَّع، وتحزّن، وتضرع. اختلف أهل التأويل فيه الاختلافَ الذي ذكرتُ. فقال مَن قال معناه: الرحمة مِن إبراهيم على وجه الرِّقة على أبيه، والرحمة له، ولغيره من الناس. وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحة يقينه، وحسن معرفته بعظمة الله، وتواضعه له. وقال آخرون: كان لصحة إيمانه بربِّه. وقال آخرون: كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل الله أحد الذي أنزله عليه. وقال آخرون: كان ذلك منه عند ذكر رَبِّه. وكلُّ ذلك عائد إلى ما قلتُ، وتقارب معنى بعض ذلك من بعض؛ لأن الحزين المتضرِّع إلى ربه، الخاشع له بقلبه، ينوبه ذلك عند مسألته ربَّه، ودعائه إياه في حاجاته، وتعتوره هذه الخلال التي وجَّه المفسرون إليها تأويل قول الله: ﴿إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ﴾»
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾: أنّ رجلين نصرانيين من أهل دارين -أحدهما تميمي، والآخر يماني- صاحبهما مولًى لقريش في تجارة، فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبَزٍّ ورِقَّة، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الدارِيَّيْنِ، فمات وقبض الدارِيّان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القومُ قِلَّة المال، فقالوا للداريين: إنّ صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتمانا. فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي - ﷺ - فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا قليلًا من الدنيا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، فلما حلفا خُلِّي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذ الدارِيّان، فقالا: اشتريناه منه في حياته. وكذبا، فكُلِّفا البينة، فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿فإن عثر﴾. يقول: فإن اطَّلع ﴿على أنهما استحقا إثما﴾ يعني: الداريين، إن كتما حقًّا ﴿فآخران﴾ من أولياء الميت ن ﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمانبالله﴾ فيحلفان بالله: إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحقٌّ، ﴿وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين﴾ هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا﴾ يعني: هَلّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِمّا سألوا، يعني: في بني إسرائيل، ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نُصَدِّقك حتى تُخرج لنا نهرًا، فقد أعْيَينا مِن مَيْحِ الدِّلاء مِن زمزم ومِن رءوس الجبال، وإن أبيتَ هذا فلْتَكُن لك خاصَّة ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِسَفًا﴾ حين قال: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ:٩] يعني: قِطَعًا، ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا، فننظر إليه، ﴿والمَلائِكَةِ قَبِيلًا أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ يعني: من الذهب ﴿أوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ يعني: أو تضع سُلَّمًا فتصعد إلى السماء، ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]، يقول: ولسنا نُصَدِّقُك حتى تأتي بأربعةِ أمْلاكٍ يشهدون أنّ هذا الكتاب مِن رَبِّ العِزَّة. وهذا قولُ عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فأنزل الله في قوله: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا فننظر إليه: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ إذ قالوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:١٠٨]. وأنزل الله فيها: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] لقوله: ﴿كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾. وأنزل الله: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩]؛ لِأَنِّي إذا أرسلتُ إلى قومِ آيةٍ ثُمَّ كذَّبوا لم أُناظِرْهم بالعذاب، وإن شئتَ -يا محمد- أعطيتُ قومَك ما سألوا، ثم لم أُناظِرهم بالعذاب. قال: «يا ربِّ، لا». رِقَّةً لقومه: ﴿لَعَلَهُم يَتَّقُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ وهو قوله: ﴿إنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود:٣٣]، ﴿فانْتَظِرُواْ﴾ بي الموت، ﴿إنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بكم العذابَ؛ القتل ببَدْر
عن مجاهد بن جبر، قال: كان أصحاب الكهف أبناءَ عظماء أهلِ مدينتهم وأهل شرفهم، خرجوا، فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أشبههم: إني لأجد في نفسي شيئًا ما أظن أحدًا يجده. قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. فقاموا جميعًا، فقالوا: ﴿ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا﴾. وكان مع ذلك من حديثهم وأمرهم ما قد ذكر الله في القرآن، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبّار يقال له: دقيوس، فلبثوا في الكهف ما شاء الله رقودًا، ثم بعثهم الله، فبعثوا أحدهم ليبتاع لهم طعامًا، فلما خرج إذا هم بحظيرة على باب الكهف، فقال: ما كانت هذه هاهنا عشية أمس. فسمع كلامًا من كلام المسلمين بذكر الله، وكان الناس قد أسلموا بعدهم، وملك عليهم رجل صالح، فظن أنه أخطأ الطريق، فجعل ينظر إلى مدينته التي خرج منها وإلى مدينتين وجاهها، أسماؤهن: أفسوس، وأيدبوس، وشاموس. فيقول: ما أخطأت الطريق، هذه أفسوس، وأيديوس، وشاموس. فعمد إلى مدينته التي خرج منها، ثم عمد حتى جاء السوق، فوضع ورقة في يد رجل، فنظر، فإذا ورق ليست بورق الناس، فانطلق به إلى الملك وهو خائف، فسأله، وقال: لعل هذا مِن الفتية الذين خرجوا على عهد دقيوس، فإني قد كنت أدعو الله أن يرينيهم وأن يعلمني مكانهم. ودعا مشيخة أهل القرية، وكان رجل منهم قد كان عنده أسماؤهم وأنسابهم، فسألهم، فأخبروه، فسأل الفتى، فقال: صدق. وانطلق الملك وأهل المدينة معه لأن يدلهم على أصحابه، حتى إذا دنوا من الكهف سمع الفتية حسَّ الناس، فقالوا: أُتيتم، ظُهِرَ على صاحبكم. فاعتنق بعضهم بعضًا، وجعل يُوصِي بعضُهم بعضًا بدينهم، فلما دنا الفتى منهم أرسلوه، فلما قدم إلى أصحابه ماتوا عند ذلك ميتة الحق، فلما نظر إليهم الملك شقَّ عليه؛ إذ لم يقدر عليهم أحياء، وقال: لأدفنهم إذ فاتوني في صندوق من ذهب. فأتاه آتٍ منهم في المنام، فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل، ودعنا في كهفنا، فمِن التراب خُلِقنا، وإليه نعود. فتركهم في كهفهم، وبنى على كهفهم مسجدًا
اختلف في قراءة قوله: ﴿سحران﴾؛ فقرأ قوم: ﴿ساحِرانِ﴾، واختلفوا في المعنيِّ به على أقوال: أحدها: موسى ومحمد. والثاني: موسى وهارون. والثالث: محمد وعيسى. وقرأ آخرون: ‹سِحْرانِ› واختلفوا في المعني على أقوال: أحدها: التوراة والفرقان. والثاني: الإنجيل والقرآن. والثالث: التّوراة والإنجيل. ورجَّح ابنُ جرير (١٨/٢٦٩-٢٧٠) القراءة الثانية والمعنى الثالث فيها مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءةُ مَن قرأه: ﴿قالوا سحران تظاهرا﴾ بمعنى: كتاب موسى وهو التوراة، وكتاب عيسى وهو الإنجيل. وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب؛ لأنّ الكلام مِن قَبْلِه جرى بذِكر الكتاب، وهو قوله: ﴿وقالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى﴾ والذي يليه مِن بعده ذكر الكتاب، وهو قوله: ﴿فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه﴾ فالذي بينهما بأن يكون مِن ذكره أولى وأشبه بأن يكون مِن ذِكْرِ غيره». ورجَّح ابنُ كثير (١٠/٤٦٩) أنّ الظاهر على قراءة: ﴿سحران﴾: التوراة والقرآن، مستندًا إلى السياق، والنظائر، فقال: «والظاهر على قراءة: ﴿سحران﴾ أنهم يعنون: التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه﴾، وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس﴾ إلى أن قال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ [الأنعام:٩١-٩٢]». وذكر عدة آيات تؤيد ما قال، وكذا قول ورقة للنبي: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. وساق ابنُ عطية (٦/٥٩٧) الأقوال، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد بـ﴿ما أُوتِيَ مُوسى﴾ أمْر محمد -عليهما الصلاة والسلام- الذي في التوراة، كأنه يقول: وما يطلبون بأن يأتي بمثل ما أوتي موسى وهم قد كفروا -في التكذيب بك- بما أوتيه موسى عليه السلام من الإخبار بك، وقالوا: إنا بكل كافرون». ثم قال: «وقوله تعالى: ﴿إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ يؤيد هذا التأويل». ويلاحظ أنّ ابن عطية ذكر قولًا رابعًا في قراءة ﴿ساحِرانِ﴾، وهو أن المراد: موسى وعيسى. ونسبه للحسن. ولعله فهم هذا من العطف الذي في قول الحسن، ولم يذكر أحدٌ غيرُه هذا القول؛ لأن البقية حملوا العطف على أن المراد به أحد النبيين مع محمد؛ فإما موسى ومحمد، أو عيسى ومحمد، لا كما فهم ابن عطية
عن علي، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ ذات يوم بغَلَس، وكان يغلِّس ويُسفر، ويقول: «ما بين هذين وقت؛ لكيلا يختلف المؤمنون». فصلّى بنا ذات يوم بغَلَس، فلمّا قضى الصلاةَ التفتَ إلينا، كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم مَن رأى الليلة شيئًا؟». قلنا: لا، يا رسول الله. قال: «لكني رأيت ملَكين أتياني الليلة، فأخذا بضَبْعَيّ، فانطَلَقا بي إلى السماء الدنيا، فمررتُ بمَلك وأمامه آدميٌّ، وبيده صخرة، فيضرب بهامة الآدميّ، فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بمَلك وأمامه آدميّ، وبيد المَلك كَلُّوب من حديد، فيضعه في شِدْقه الأيمن، فيشقّه حتى ينتهي إلى أُذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمَور المِرجل، على فِيه قوم عراة، على حافّة النهر ملائكة بأيديهم مِدْرتان، كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة، فيقع في فِيه، ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكتُ على أنفي من نَتْن ما أجد من ريحهم، قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بتَلٍّ أسود عليه قوم مُخبَّلون، تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخْرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنار مُطبَقة، مُوكَّل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتّبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعِدتُ ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوته حمراء، قلتُ: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنهر عليه جِسران من ذهب وفِضّة، على حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها، من دُرّة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تَطَّرد، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلتُ، فضربتُ بيدي إلى إناء منها، فغرفتُ ثم شربتُ، فإذا أحلى من عسل، وأشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزُّبْد. فقالا لي: أمّا صاحب الصخرة التي رأيتَ يَضرِب بها هامة الآدميّ فيقع دماغه جانبًا وتقع الصخرة في جانب، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلّون الصلاة لغير مواقيتها، يُضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا صاحب الكَلُّوب الذي رأيتَ مَلكًا مُوكَّلًا بيده كَلُّوب من حديد يشقّ شِدْقه الأيمن حتى ينتهي إلى أُذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يُعذَّبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا ملائكة بأيديهم مِدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة فتقع في فِيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر، فأولئك أكَلَة الرِّبا، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار، وأَمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكتَ على أنفك من نَتْن ما وجدتَ من ريحهم، فأولئك الزُّناة، وذلك نَتْن فروجهم، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا التلّ الأسود الذي رأيتَ عليه قومًا مُخبَّلين تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط؛ الفاعل والمفعول به، فهم يُعذَّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا النار المُطبقة التي رأيت مَلكًا مُوكَّلًا بها كلما خرج منها شيء اتّبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تُفرِّق بين أهل الجنة وأهل النار. وأَمّا الروضة التي رأيتها، فتلك جنة المأوى. وأَمّا الشيخ الذي رأيتَ ومَن حوله من الولدان، فهو إبراهيم وهم بنوه. وأَمّا الشجرة التي رأيتَ فطلعتَ إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل علِّيين من النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا. وأَمّا النهر، فهو نهرك الذي أعطاك الله؛ الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي: يا محمد، يا محمد، سل تُعطه. فارتعدتْ فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أنْ أجيب شيئًا، فأخذ أحد المَلكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني، ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تُعطه. قال: قلت: اللهم، إني أسألك أن تُثْبِت شفاعتي، وأنْ تُلْحق بي أهل بيتي، وأنْ ألقاك ولا ذنب لي». قال: «ثم ولي بي». ونزلت عليه هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: «فكما أُعطيتُ هذه كذلك أعطانيها -إن شاء الله تعالى-»