عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق أصبغ بن الفرج- أنّه قرأ: ﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾ قال: هي كلها محكمة. يعني: سورة هود، ﴿ثم فصلت﴾قال: ثُمَّ ذكر محمدًا - ﷺ -، فحَكَم فيها بينه وبين مَن خالفه. وقرأ: ﴿مثل الفريقين﴾ الآية كلها [هود: ٢٤]. ثم ذكر قوم نوح، ثم قوم هود، فكان هذا تفصيل ذلك، وكان أوله مُحْكَمًا، قال: وكان أبي يقول ذلك. يعني: زيد بن أسلم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ يعني: مُتَعَظِّمًا عن التوحيد، فهم الأتباع، اتَّبَعُوا قولَ الكُبَراء في تكذيب هود، ﴿عَنِيدٍ﴾ يعني: مُعْرِضًا عن الحق، وكان هذا القولُ مِن الكبراء للسفلة فى سورة المؤمنين [٣٣-٣٤]: ﴿ما هَذا﴾ يعني: هودًا ﴿إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ من الشراب. وقال للأتباع: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إنَّكُمْ إذًا لَخاسِرُونَ﴾ يعني: لَعَجَزَة، فهذا قولُ الكبراء للسَّفِلة. فاتَّبعوهم على قولهم
عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ على هذه الأعواد -أو على هذا المنبر-: «مَن لم يشكر القليلَ لم يشكر الكثير، ومَن لم يشكر الناسَ لم يشكر الله، والتحدُّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال: فقال أبو أمامة الباهلي: عليكم بالسواد الأعظم. قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فقال أبو أمامة: هذه الآيةُ في سورة النور: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني، عن عكرمة- قوله عز وجل: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين﴾ [التوبة:٤٤]، وقال: ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾ [التوبة:٤٥]، فنسختها الآية التي في سورة النور، فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي عن أبي صالح، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة، ومن طريق سليمان التيمي عمَّن حدثه عن ابن عباس- أنّ رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم وهو بمكة، فأتى على هذه الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. فألقى الشيطان على لسانه: إنّهُنَّ الغرانيق العُلى. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ثم نعت المؤمنين، فقال: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ﴾ يوم الخندق أبا سفيان وأصحابه، وأصابهم الجهد، وشدة القتال؛ ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ في البقرة [٢١٤] حين قال: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وقالوا: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ما قال في سورة البقرة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالُوا﴾ لموسى: ﴿يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ﴾ يقول: سل ﴿لَنا رَبَّكَ﴾. فلم يفعل، وقال: تسمّوني ساحرًا! وقال في سورة الأعراف [١٣٤]: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أن يكشف عنا العذاب ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ يعني: مؤمنين لك. وكان الله تعالى عهد إلى موسى عليه السلام لئن آمنوا كشف عنهم، فذلك قوله: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ إنْ آمنّا كشف عنا العذاب، فلما دعا موسى ربَّه كشف عنهم، فلم يؤمنوا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما أصابَ﴾ ابنُ آدم ﴿مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني: ومَن يُصدِّق بالله في المُصيبة، ويَعلَم أنّ المُصيبة من الله، ويُسلّم لأمر الله؛ يَهْده الله تعالى للاسترجاع، فذلك قوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للاسترجاع. يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وفي سورة البقرة [١٥٧] يقول: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ للاسترجاع. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من هذا ﴿عَلِيمٌ﴾
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾، قال: هي رخصة من الله؛ كان قد أنزل في سورة آل عمران [١٠٢]: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾، وحقّ تُقاته أن يطاع فلا يُعصى، ثم خَفّف عن عباده، فأنزل الرخصة، قال: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ قال: والسمع والطاعة فيما استطعتَ، يا ابن آدم، عليها بايع النبيُّ ﷺ أصحابَه على السمع والطاعة فيما استطاعوا
انتَقَدَ ابنُ جرير (٤/١٣) قولَ السُّدِّيِّ مُستندًا إلى عدم وجود دليل يشهد لقوله، فقال: «وأمّا الذي ذكرنا عن السدي من أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول كفارات الأيمان؛ فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، والخبرُ عَمّا كان لا تُدْرَكُ صِحَّتُه إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مثلها وخلافها على أحد. وغير محال أن تكون هذه الآية نزلت بعد بيان كفارات الأيمان في سورة المائدة»