سورة فصلت — الآية ٥

عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عمر- في قوله: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ﴾ الآية، قال: أقبلتْ قريشُ إلى النبي ﷺ، فقال لهم: «ما يمنعكم من الإسلام؛ فتسُودوا العرب؟». فقالوا: يا محمد، ما نفقه ما تقول، ولا نسمعه، وإنّ على قلوبنا لغُلْفًا. وأخذ أبو جهل ثوبًا، فمدّه فيما بينه وبين النبي ﷺ، فقال: يا محمد، ﴿قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفِي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾. فقال لهم النبيُّ ﷺ: «أدعوكم إلى خَصلتين: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله». فلما سمعوا شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، وقالوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص:٥]. وقال بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهَذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص:٦-٨]. فهبط جبريل، فقال: يا محمد، إنّ الله يقرئك السلام، ويقول: أليس يزعم هؤلاء أن على قلوبهم أكِنّة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقْر، فليس يسمعون قولك؟! كيف ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، لو كان كما زعموا لم ينفروا، ولكنهم كاذبون، يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهية له. فلما كان من الغَد أقبل منهم سبعون رجلًا إلى النَّبِيّ ﷺ، فقالوا: يا محمد، اعْرض علينا الإسلام. فلما عرض عليهم الإسلام أسلموا عن آخرهم، فتبسم النبيُّ ﷺ، فقال: «الحمد الله، بالأمس تزعمون أنّ على قلوبكم غُلفًا، وقلوبكم في أكِنّة مما ندعوكم إليه، وفي آذانكم وقْرًا، وأصبحتم اليوم مسلمين». فقالوا: يا رسول الله، كذبنا -واللهِ- بالأمس، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدًا، ولكن الله الصادق، والعباد الكاذبون عليه، وهو الغني، ونحن الفقراء إليه

سورة الفرقان — الآية ٣٢

عن سعيد بن جبير: قلتُ لابن عباس: أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر:١]، و﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان:٣]، وعن ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقر:١٨٥] أكله أم بعضه؟ فقال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملةً واحدة مِن السماء السابعة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، فجُعِل عند مواقع النجوم: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ إلى قوله: ﴿المطهرون﴾ [الواقعة:٧٥-٧٩] الملائكة، وينزل به جبريلُ عليه السلام كلَّما أُتِيَ بمَثَل يلتمس عيْبَه نزل به كتابُ الله ناطقٌ، فقالت اليهود: يا أبا القاسم، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما أُنزِلَت التوراة على موسى. فأنزل الله: ﴿كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾. وقرأ: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء:١٠٦]

انتَقَد ابنُ جرير (١‏/‏٤٠١) قولَ مجاهد وابنَ جريج، مُسْتَنِدًا إلى دلالة القرآن، والدلالة العقليّة، فقال: «أمّا ما قاله مجاهد وابن جريج فلا وجه له؛ لأن القوم كانوا على عهد رسول الله أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان، وأهل كفر، وأهل نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المُحال أن يَدَّعِي الكفار أن لهم شهداء من المؤمنين، فأمّا أهل النفاق والكفر فلا شَكَّ أنهم لو دُعُوا إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق لسارعوا إليه مع كفرهم، فمن أيِّ الفريقين كانت تكون شهداؤهم لو ادَّعَوْا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال الله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]». وانتَقَد قولَ مجاهد أيضًا ابنُ عطية (١‏/‏١٤٧)، ولم يذكر لذلك مُسْتَنَدًا

سورة المائدة — الآية ٣٦

عن يزيد الفقير، قال: جلستُ إلى جابر بن عبد الله وهو يُحَدِّث، فحدَّث أنّ أناسًا يخرجون من النار. قال: وأنا يومئذ أُنكِر ذلك، فغضبت، وقلتُ: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أنّ الله يُخْرِج ناسًا من النار، والله يقول: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾! فانتهرني أصحابُه، وكان أحلمَهم، فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة﴾ حتى بلغ: ﴿ولهم عذاب مقيم﴾، أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قد جمعتُه. قال: أليس الله يقول: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء:٧٩]؟! فهو ذلك المقام، فإنّ الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعُدْ بعد ذلك إلى أن أُكَذِّب به

قال ابنُ كثير (٨‏/‏٤٣٠): «وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتَّفقت عليه مِن مسرى رسول الله ﷺ مِن مكة إلى بيت المقدس، وأنّه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه؛ فإنّ الخطأ جائز على مَن عدا الأنبياء عليهم السلام، ومَن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنّه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدًّا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر»

قال ابن عطية (٨‏/‏٣٣٦-٣٣٧): «لا خلاف بين العلماء أنّ السموات سبع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سبع سموات طباقًا﴾ [الملك:٣]، وقد فسّر رسول الله ﷺ أمرهن في حديث الإسراء، وقال ﷺ لسعد رضي الله عنهما: «حكَمتَ بحكم المَلك من فوق سبع أرقعة». ونطقت بذلك الشريعة في غير ما موضع. وأما»الأرض«فالجمهور على أنها سبع أرضين، وهو ظاهر هذه الآية، وأن المماثلة إنما هي في العدد، ويُستدل بقول رسول الله ﷺ: «مَن غصب شبرًا من أرض طُوّقه من سبع أرضين». إلى غير هذا مما وردت به روايات، ورُوي عن قوم من العلماء أنهم قالوا: الأرض واحدة، وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جِرمها، وفي أن فيها عالمًا يعبُد كما في كل سماء عالم يعبُد». وقال ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٤): «ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النّجعة، وأغرق في النزع، وخالف القرآن والحديث بلا مستند»

سورة الدخان — الآية ١٠

عن عاصم، قال: شهدتُ جنازة فيها زيد بن علي، فأنشأ يحدّث يومئذ، فقال: إنّ الدُّخان يجيء قبل يوم القيامة، فيأخذ بأنفِ المؤمن الزّكام، ويأخذ بمسامع الكافر. قال: قلتُ: رحمك الله، إنّ صاحبنا عبد الله قد قال غيرَ هذا، قال: إنّ الدُّخان قد مضى. وقرأ هذه الآية: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾. قال: أصاب الناس جَهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دُخانًا، فذلك قوله: ﴿فارْتَقِبْ﴾، وكذا قرأ عبد الله إلى قوله: ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، قال: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان:١٥]. قلت لزيد: فعادوا، فأعاد الله عليهم بدرًا، فذلك قوله: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء:٨]، فذلك يوم بدر. قال: فقَبل، واللهِ. قال عاصم: فقام رجلٌ يَردّ عليه، فقال زيد: أما إنّ رسول الله ﷺ قد قال: «إنكم سيجيئكم رواة، فما وافق القرآن فخذوا به، وما كان غير ذلك فدعوه»

سورة البقرة — الآية ١٩٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى:٤١]، وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦]، قال: هذا ونحوُه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، فليس لهم سلطانٌ يَقْهَرُ المشركين، فكان المشركون يَتَعاطَونهم بالشَّتْمِ والأذى، فأمر اللهُ المسلمين مَن يَتَجازى منهم أن يَتَجازى بمثل ما أُوتِي إليه، أو يصبر، أو يعفو، فلَمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأَعَزَّ اللهُ سلطانَه؛ أمَرَ اللهُ المسلمين أن يَنتَهُوا في مظالِمِهم إلى سلطانهم، ولا يَعْدُو بعضُهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ [الإسراء:٣٣]. يقول: ينصره السلطانُ حتى يُنْصِفَه من ظالمه، ومَن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاصٍ مُسْرف، قد عَمِل بِحَمِيِّة الجاهلية، ولم يَرْضَ بحكم الله تعالى

سورة الحج — الآية ٥٢

عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس -من طريق ابن جُرَيْج، عن أبي معشر- قالا: جلس رسول الله - ﷺ - في نادٍ مِن أندية قريش كثيرٍ أهلُه، فتمنّى يومئذ أن لا يأتيه مِن الله شيء فيَتَفَرَّقون عنه، فأنزل الله عليه: ﴿والنجم اذا هوى﴾. فقرأها رسول الله - ﷺ - حتى بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]. ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى. فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورضوا بما تكلم به، فلمّا أمسىأتاه جبريل، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله - ﷺ -: «افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يقل!!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ إلى قوله: ﴿نصيرا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مغمومًا مهمومًا مِن شأن الكلمتين حتى نزلت: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية. فسر عنه، وطابت نفسه

سورة الأحقاف — الآية ٩

عن الحسن البصري -من طريق أبي بكر الهُذلي- في قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله؛ قد عَلِم أنّه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ في الدنيا؛ أُخرَج كما أُخرِجت الأنبياء مِن قبلي، أم أُقتَل كما قُتلَت الأنبياء من قبلي، ﴿ولا بِكُمْ﴾ أُمّتي المكذّبة، أم أُمّتي المصدّقة، أم أُمّتي المرميّة بالحجارة من السماء قذْفًا، أم مخسوف بها خسْفًا. ثم أوحي إليه: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، يقول: أحطتُ لك بالعرب ألا يقتلوك. فعرف أنه لا يُقتَل، ثم أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، يقول: أشْهَدَ لك على نفسه أنه سيُظهِر دينك على الأديان. ثم قال له في أمته: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. فأخبر الله ما يَصْنع به، وما يَصْنع بأُمّته