اختُلف في معنى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ على أقوال: الأول: حضَّ الله نبيَّه على الصلاة المكتوبة، وعلى الحفاظ عليها في أوقاتها بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾. الثاني: عُنِيَ بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ المكتوبة، وبقوله: ﴿وانْحَرْ﴾ أن يرفع يديه إلى النَّحر عند افتتاح الصلاة والدخول فيها. الثالث: ضع يدك اليمين على الشمال، ثم ضعهما على صدرك في الصلاة. الرابع: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ المكتوبة، ﴿وانْحَر﴾ نَحْر البدن. الخامس: صلِّ يوم النَّحر صلاة العيد، وانحر نُسكك. السادس: قيل ذلك للنبي لأنّ قومًا كانوا يُصلُّون لغير الله، ويَنحَرون لغيره، فقيل له: اجعل صلاتك ونَحْرك لله، إذ كان من يكفر بالله يجعله لغيره. السابع: أُنزِلَتْ هذه الآية يوم الحُدَيْبِية، حين حُصِر النبي وأصحابه وصُدُّوا عن البيت، فأمره الله أن يُصلّي، ويَنحَر البُدْن، ويَنصَرِف، ففعَل. الثامن: استقبل القِبلة بنَحْرك. التاسع: فصلِّ وادعُ ربَّكَ وسَلْهُ. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٧٠٠) القول الثالث بقوله: «فالنَّحر -على هذا- ليس بمصدر نَحَرَ، بل هو الصدر». وعلَّق عليه ابنُ كثير (١٤/٤٨١) بقوله: «يُروى هذا عن علي، ولا يصح». وعلَّق ابنُ عطية على القول السابع بقوله: «وعلى هذا تكون الآية من المدني». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٦٩٦) -مستندًا إلى السياق والدلالة العقلية- القول السادس وهو قول محمد بن كعب القُرَظيّ، فذكر أنّ الصواب: «فاجعل صلاتك كلَّها لربِّك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نَحْرُك، اجْعَلْه له دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كُفْءَ له، وخصَّك به، من إعطائه إيّاك الكوثر». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر نبيّه بما أكرمه به مِن عطيَّتِه وكرامتِه وإنعامه عليه بالكوثر، ثم أتبع ذلك قولَه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر﴾، فكان معلومًا بذلك أنه خصَّه بالصلاة له، والنَّحر على الشكر له، على ما أعْلَمه من النعمة التي أنعمها عليه، بإعطائه إيّاه الكوثر، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعضٍ، وبعض النحر دون بعضٍ وجْهٌ، إذ كان حثًّا على الشكر على النعم». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٤٨٢) على ترجيح ابن جرير بقوله: «وهذا الذي قاله في غاية الحُسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القُرَظيّ، وعطاء». وذكر ابنُ عطية (٨/٦٩٩) أنّ النَّحر: «نَحْر الهدي والنُّسك في الضحايا في قول جمهور الناس». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه تعالى قال: ليكن شغلك هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد». ورجَّح ابنُ كثير (١٤/٤٨٢) «أنّ المراد بالنَّحر: ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله يُصلِّي العيد، ثم يَنحَر نُسكه، ويقول: «مَن صَلّى صلاتنا، ونَسك نُسكنا، فقد أصاب النُّسك، ومَن نَسك قبل الصلاة فلا نُسك له». فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفتُ أنّ اليوم يوم يُشتهى فيه اللحم. قال: «شاتك شاة لحم». قال: فإنّ عندي عَناقًا هي أحبّ إليّ من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك»». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٤٨٢) على القول الثاني والثالث والثامن قائلًا: «وكلّ هذه الأقوال غريبة جدًّا»
عن ميمون بن مِهران: أنّ رجلًا سأل أبا ذر: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سَنام العمل، والصدقة شيء عجيب. فقال: يا أبا ذر، لقد تركت شيئًا هو أوثق عملي في نفسي، لا أراك ذكرته. قال: ما هو؟ قال: الصيام. فقال: قربة، وليس هنا. وتلا هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾.
عن قتادة بن دعامة -من طرق- في قوله: ﴿وإذا خَلا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، قال: نهى بعضهم بعضًا أن يُحَدِّثوا بما فتح الله عليهم وبيَّن لهم في كتابه من أمر محمد عليه الصلاة والسلام، ونعته، ونبوته، وقالوا: إنكم إذا فعلتم ذلك احتجُّوا عليكم بذلك عند ربكم، أفلا تعقلون!
عن سِماك بن حرب، قال: سمعتُ مصعب بن سعد يُحَدِّث عن سعد [بن أبى وقاص]، قال: نزلت فِيَّ أربعُ آيات، صنع رجلٌ من الأنصار، فأكلنا وشرِبنا حتى سكِرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجلٌ لَحْيَ بعير، فغَرَزَ به أنفَ سعد، فكان سعدٌ مغروزَ الأنف، وذلك قبل أن يُحَرَّم الخمر؛ فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾
عن ابن جُرَيْج، عن عكرمة مولى ابن عباس، في الآية، قال: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع عليٌّ لهم طعامًا وشرابًا، فأكلوا وشربوا. قال ابنُ جَرَيْج: وقال غيرُ عكرمة: صلّى بهم المغرب علِيٌّ، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ حتى خاتمتها، فقال: ليس لي دين، وليس لكم دين. فنزلت: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾
عن أبي هريرة -من طريق أبي نَضْرَة- أنّ رجلًا قرأ هذه السورة، حتى أتى على هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. قال أبو هريرة: هذه في القرآن كله؛ ما أوْعَدَ اللهُ أهلَ الصلاة في عملٍ عملوه من العذاب فقد أتى عليه هذا كله، وقول رجل [لمملوكه]: لأفعلنَّ بك كذا وكذا إن شاء الله
عن جابر بن عبد الله: أنّ نبي الله ﷺ كان مُحاصِرًا بني مُحارِب بِنَخْل، ثم نُودي في الناس: أنّ الصلاة جامعة. فجعلهم رسول الله ﷺ طائفتين؛ طائفة مُقْبِلة على العدو يتحدَّثون، وصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، فانصرفوا، فكانوا مكان إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعتين، فكان للنبي ﷺ أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان
قال مقاتل بن سليمان: ثم رخص لهم في وضع السلاح عند المطر أو المرض، فقال: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾ من عدوكم عند وضع السلاح، ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ يعني: الهوان. وكان تقصير الصلاة بعُسْفان بين مكة والمدينة، والنبي ﷺ بإزاء الذين خافوه، وهم غطفان
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿ويكون الدين لله﴾، يقول: حَتّى لا يُعبدَ إلا الله، وذلك لا إله إلا الله؛ عليه قاتَل النبيُّ ﷺ، وإليه دعا، فقال النبي ﷺ: «إنِّي أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصَمُوا دماءَهم وأموالَهم إلا بِحَقِّها، وحسابُهم على الله»
عن واثلة بن الأسْقَع، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أصبتُ حدًّا؛ فأقِمْه عَلَيَّ. فأعرض عنه، ثم أُقِيمت الصلاة، فلمّا سَلَّم قال: يا رسول الله، إنِّي أصبتُ حدًّا، فأَقِمْهُ عَلَيَّ. فقال رسول الله ﷺ: «هل توضَّأتَ حين أقبلتَ؟». قال: نعم. قال: «وصلَّيْتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فاذهب؛ فإنّ الله قد غفر لك»