قال مقاتل بن سليمان: سورة هود مكية كلها، غير هذه الآيات الثلاث، فإنّهن نَزَلْنَ بالمدينة: فالأولى قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [١٢]، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [١٧] نزلت في ابن سلام وأصحابه، وقوله: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [١١٤] نزلت في رهبان النصارى. والله أعلم. وهي مائة وثلاث وعشرون آية
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن نجي- قال: ما مِن رجل مِن قريش إلا نَزَل فيه طائِفةٌ مِن القرآن. فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾؟ رسول الله ﷺ على بيِّنة من ربِّه، وأنا شاهد منه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ مِن العذاب، ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بأنّ العذاب نازل بنا؛ لقوله في هذه الآية الأولى: ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم﴾، وذلك أنّ الله أمر نوحًا أن يُنذرهم العذاب في سورة نوح، فكذَّبوه، فقالوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بأنّ العذاب نازِل بنا
عن عبد الله بن عباس -من طريق شهر بن حوشب- قال: أُنزِلت سورة الأنعام جميعًا بمكة، معها مَوكِبٌ مِن الملائكة يُشَيِّعونها، قد طَبَّقوا ما بينَ السماء والأرض، لهم زَجَلٌ بالتسبيح، حتى كادتِ الأرضُ أن تَرتَجَّ مِن زَجَلِهم بالتسبيح ارتجاجًا، فلمّا سمع النبي ﷺ زَجَلَهم بالتسبيحِ رَهِب من ذاك فخرَّ ساجدًا، حتى أُنزِلت عليه
عن زيد بن ثابت، قال: لَمّا نسخنا المصحف في المصاحف فقَدتُ آيةً مِن سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فألحقتها في سورتها في المصحف
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية: هم أهل النِّفاق ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾، فعرّفه الله إياهم في سورة براءة، فقال: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ماتَ أبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]، وقال: قل لهم: لن تنفروا معي أبدًا، ولن تقاتلوا معي عدوًا
عن عَلقمة، قال: أتينا سلمان الفارسي، فخرج علينا مِن كنيفٍ له، فقلنا له: لو توضأتَ، يا أبا عبد الله، ثم قرأتَ علينا سورة كذا وكذا. قال: إنما قال الله: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾، وهو الذِّكر الذي في السماء لا يمسّه إلا الملائكة. ثم قرأ علينا مِن القرآن ما شئنا
ذكر ابن عطية (٥/٥٠٤ ط: دار الكتب العلمية) في قوله: ﴿إنا أنزلناه﴾ عدة أقوال، وعلّق عليها، الأول: ذكره عن الشعبي وغيره أنّ المعنى: «إنّا ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك ليلة القدر». ثم علّق قائلًا: «وقد رُوي أنّ نزول المَلك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل، وقد رُوي أنّ نزول المَلك كان في الرابع عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول مَن يقول: إن ليلة القدر تستدير الشهر كلّه، ولا تختص بالعشر الأواخر. وهو قول ضعيف، حديث النبي ﷺ يردّه في قوله: «فالتمِسُوها في العشر الأواخر من رمضان»». الثاني: ذكره عن جماعة من المتأولين لم يُسمّهم أنّ المعنى: «إنّا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها». وعلّق قائلًا: «ولما كانت السورة من القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيمًا وتحسينًا، فقوله تعالى: ﴿في ليلة﴾ هو على نحو قول عمر بن الخطاب: لقد خشيتْ أن ينزل فِيّ قرآن ليلة نزول سورة الفتح. ونحو قول عائشة في حديث الإفك: لأنا أحقَر في نفسي من أن ينزل فِيّ قرآن»
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾، قال: أقبلت أعرابُ هُذَيْلٍ وأصابهم الجوع، واستعانوا بتمر المدينة، وأظهروا الإسلام، ودخلوا، فقال عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود له: أشعرت أنّه قدم مِنّا ألفُ أهلِ بيتٍ أسلموا جميعًا؟ فقال عبد الله: واللهِ، لَوَدِدتُ أنّه لم يبق منهم. فكانوا يفخرون على المؤمنين، ويقولون: نحن أسلمنا طائعين بغير قتال، وأنتم قاتلتم، فنحنُ خيرٌ منكم. فآذَوُا المؤمنين؛ فأنزل الله فيهم يخبرهم بأمرهم، فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يقول: جميعًا، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يقول: مِن كل بطن منهم طائفة، فأتوا محمدًا ﷺ، فسمعوا كلامه، ثم رجعوا، فأخبروهم الخبر، فجئتم على بصيرة، ولكن إنما جئتم من أجل الطعام
ذكر ابنُ جرير (١٣/٥٣٥-٥٣٧) اختلاف أهل العربية في معنى قوله تعالى: ﴿أفلمْ ييأس﴾، وأنّ فرقة منهم قالت: ﴿ييأس﴾ بمعنى: يعلم. وأن الفرقة الأخرى ذكرت أنّ اليأس على وجهه. ثم ذكر أنّ أهل التأويل من السلف على القول الأول. ورجّحه (١٣/٥٣٨) مستندًا إلى الإجماع واللغة، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل: إنّ تأويل ذلك: أفلم يتبين ويعلم. لإجماع أهل التأويل على ذلك، والأبيات التي أنشدناها فيه». وقد فسره بمعنى اليأس أبو العالية، فذكر أنّ المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدًا. وذكر ابنُ عطية (٥/٢٠٦) أنّ اليأس: «يحتمل أن يكون في هذه الآية على بابه، وذلك أنه لما أبعد إيمانهم في قوله: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ الآية على التأويلين في المحذوف المقدَّر، قال في هذه الآية: أفلم ييئس المؤمنون مِن إيمان هؤلاء الكفرة علمًا منهم أن لو شاء الله لهدى الناس جميعًا»