سورة الأنفال — الآية ٣٥

عن عبد الله بن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿إلّا مُكَآءً وتَصْدِيَةً﴾. قال: المُكّاء: القُنبَرَةُ، والتَّصديةُ: صوتُ العصافير، وهو التصفيق، وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة، كان يُصَلِّي قائمًا بين الحِجْر والرُّكْن اليَمانِيّ، فَيَجيءُ رجلان من بني سَهْم، يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ويصيح أحدهما كما يصيح المُكّاء، والآخرُ يُصَفِّق بيديه تصديةَ العصافير؛ ليُفسِدَ عليه صلاتَه. قال: وهل تعرِفُ العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمِعتَ حسان بن ثابت يقول: نقومُ إلى الصلاةِ إذا دُعينا وهمُّكمُ التَّصَدِّي والمُكاءُ وقال آخرُ مِن الشُّعراء في التصدية: حتى تنبَّهنا سُحَيــ ـرًا قبلَ تَصْدَيةِ العَصافِرْ

سورة إبراهيم — الآية ٣٧

عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ربَّنا إني أسكنتُ من ذريَّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم﴾: وإنّه بيتٌ طهَّره الله مِن السوء، وجعله قبلةً، وجعله حَرمَه، اختاره نبيُّ الله إبراهيم لولده. وقد ذُكر لنا: أنّ عمر بن الخطاب قال في خطبته: إنّ هذا البيتَ أوَّل مَن ولِيه ناسٌ مِن طَسْمٍ، فعَصَوْا فيه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، واستحلُّوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم ولِيَه ناسٌ مِن جُرهُم، فعصَوا فيه، واستخفُّوا بحقِّه، واستحلُّوا حرمته، فأهلكهم الله، ثم وليتموه معاشر قريشٍ، فلا تعصُوا، ولا تستخفُّوا بحقِّه، ولا تستحلوا حرمتَه، وصلاةٌ فيه أحبُّ إليَّ من مائة صلاةٍ بغيره، والمعاصي فيه على قدر ذلك

سورة الجن — الآية ١

عن عبد الملك، قال:لم تُحرس الجنُّ في الفَتْرة بين عيسى ومحمد ﷺ، فلمّا بَعثَ الله محمدًا ﷺ حُرست السماء الدنيا، ورُميت الجنّ بالشّهاب، فاجتمعتْ إلى إبليس، فقال: لقد حَدث في الأرض حَدثٌ، فَتَعرَّفوا، فأَخبِرونا ما هذا الحَدث. فبَعثَ هؤلاء النّفر إلى تِهامة وإلى جانب اليمن، وهم أشراف الجنّ وسادتهم، فوجدوا النبيَّ ﷺ يُصلّي صلاة الغَداة بنَخلة، فسَمعوه يتلو القرآن، ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ﴾ يعني بذلك: أنه فَرغ من صلاة الصبح، ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] مؤمنين، لم يَشعر بهم حتى نزل: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجنّ﴾... يقال: سبعة من أهل نَصِيبين

اختُلف في معنى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ على قولين: الأول: وحَّد الله. الثاني: نقله ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٢١) عن آخرين أنّ المعنى: «وذكر الله، ودعاه، ورغب إليه». ثم جمع بين القولين فقال: «أن يقال: وذكر الله فوحَّده، ودعاه ورغب إليه؛ لأنّ كل ذلك مَن ذكر الله، ولم يَخْصُص الله تعالى من ذِكْره نوعًا دون نوعٍ». واختُلف في معنى: ﴿فَصَلّى﴾ على قولين: الأول: فصَلّى الصلوات الخمس. الثاني: أنها صلاة العيد يوم الفطر. وونقل ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٢١) عن آخرين أنّ «الصلاة هاهنا: الدعاء». ثم رجَّح «أن يقال: عُنِيَ بقوله: ﴿فَصَلّى﴾: الصلوات، وذكر الله فيها بالتحميد والتمجيد والدعاء». مستندًا لقول ابن عباس

اختُلف في قوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ على أقوال: الأول: يؤخِّرونها عن وقتها، فلا يُصلُّونها إلا بعد خروج وقتها. الثاني: يتركونها فلا يُصلُّونها. الثالث: يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويلهون. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٦٣) -مستندًا إلى السنة- القول الثالث بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: ﴿ساهون﴾ لاهون يتغافلون عنها». ثم بيّن أنّ هذا القول يَعمُّ القولين الآخرين، فقال: «وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحّ بذلك قول مَن قال: عني بذلك: ترْك وقتها. وقول مَن قال: عني به: ترْكها. لما ذكرتُ من أنّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت». واستدل ابنُ جرير لهذا بالأثرين الواردين عن رسول الله ﷺ عن أبي برزة وسعد بن أبي وقاص في تفسير الآية، ثم علّق قائلًا: «وكلا المعنيين اللذين ذكرتُ في الخبرين اللذين روينا عن رسول الله ﷺ محتمل عن معنى السهو عن الصلاة». وبنحوه ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٦٨-٤٦٩)، فقال: «اللفظ يشمل هذا كلّه، ولكلّ من اتصف بشيء مِن ذلك قسطٌ من هذه الآية، ومَن اتصف بجميع ذلك فقد تمّ نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي». ورجّح ابنُ تيمية (٧‏/‏١٩١-١٩٢) -مستندًا إلى السنة- أنّ الآية تعمّ القولين الأول والثالث، فقال: «وكلا المعنيين حقّ، والآية تتناول هذا وهذا، كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»». ووافقه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٧٠بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب». وانتقد القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسياق، فقال: «وليس السهو عنها ترْكها، وإلا لم يكونوا مُصلِّين، وأيضًا فإنه وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترْك لما كان هناك رياء»

سورة النساء — الآية ٩٨

عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: مكث النبي ﷺ أربعين صباحًا يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، وكان يقول في قنوته: «اللَّهُمَّ، أنجِ الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، والعاصي بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا»

سورة ص — الآية ١٨

عن عبد الله بن عباس، قال: كنت أمُرُّ بهذه الآية: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾، فما أدري ما هي، حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب: أنّ النبي ﷺ دخل عليها يومَ الفتح، فدعا بوضوء، فتوضأ، ثم صلّى الضحى، ثم قال: «يا أم هانئ، هذه صلاة الإشراق»

سورة الجمعة — الآية ٩

عن خَرَشَة بن الحُرّ، قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحًا مكتوبًا فيه: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فقال: مَن أملى عليك هذا؟ قلتُ: أُبيّ بن كعب، قال: إنّ أبيًّا أقرؤنا للمنسوخ، اقرأها: (فامْضُواْ إلى ذِكْرِ اللهِ)

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٤٤٨): «والصلاة والزكاة هنا المفروضتان، ومَن قال: إنّ القيام بالليل غير واجب قال: معنى الآية: خُذوا من هذا الثِّقل بما تيسّر وحافِظوا على فرائضكم. ومَن قال: إنّ شيئًا من القيام واجب قال: قرنه الله بالفرائض لأنه فرض»

سورة البقرة — الآية ٢١٩

عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ قال: الميسرُ: القِمار. كان الرجلُ في الجاهلية يُخاطِرُ عن أهلِه ومالِه، فأيُّهما قَمَرَ صاحبَه ذهَب بأهله وماله. وفي قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير﴾ يعني: ما يَنقُصُ مِن الدِّين عند شُرْبِها، ﴿ومنافع للناس﴾ يقول: فيما يُصِيبون مِن لذَّتِها وفرحِها إذا شرِبوها، ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ يقول: ما يَذْهَبُ مِن الدين والإثمُ فيه أكبرُ مما يُصِيبُون مِن لذَّتها وفرَحِها إذا شرِبوها؛ فأنزَل الله بعد ذلك: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية [النساء:٤٣]. فكانوا لا يَشْرَبونها عند الصلاة، فإذا صلَّوُا العشاءَ شرِبوها، فما يأتي الظهرُ حتى يَذْهَبَ عنهم السُّكْرُ، ثم إنّ ناسًا مِن المسلمين شرِبوها، فقاتَل بعضُهم بعضًا، وتكَلَّموا بما لا يَرْضى اللهُ مِن القول؛ فأنزَل الله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب﴾ الآية [المائدة:٩٠]. فحرَّم الخمرَ، ونهى عنها