عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿الَّذين يلمزون المطَّوعين من المؤمنين في الصدقات﴾، قال: تَصَدَّق عبد الرحمن بن عوفٍ بشَطْرِ مالِه ثمانية آلاف دينار، فتصدَّق بأربعةِ آلاف، فقال أناسٌ من المنافقين: إنّ عبد الرحمن لَعَظيمُ الرِّياء. فقال الله عز وجل: ﴿الَّذين يلمزون المطَّوعين من المُؤمنين في الصَّدقات﴾. وكان لِرجل مِن الأنصار صاعانِ من تمر، فجاء بأحدِهما، فقال ناسٌ مِن المنافقين: إن كان الله عن صاعِ هذا لَغَنيٌّ. وكان المنافقون يَطْعُنون عليهم ويَسْخَرون منهم، فقال اللهُ عز وجل: ﴿والذين لا يجدُون إلا جُهْدهم فيسخرُون منهم﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ قال: البحيرةُ: الناقةُ، كان الرجلُ إذا ولَدت خمسةَ أبطُنٍ، فيَعمِدُ إلى الخامسة، فما لم يكن سَقْبًا فيُبَتِّكُ آذانَها، ولا يَجُزُّ لها وبَرًا، ولا يذوقُ لها لبنًا، فتلك البحيرة. ﴿ولا سائبة﴾: كان الرجلُ يُسيِّبُ مِن مالِه ما شاء. ﴿ولا وصيلة﴾: فهي الشاةُ إذا ولَدت سبعًا عمَد إلى السابع؛ فإن كان ذكرًا ذُبح، وإن كانت أنثى تُرِكت، وإن كان في بطنِها اثنان ذكرٌ وأنثى فولَدتهما قالوا: وصَلت أخاها. فيُتركان جميعًا لا يُذبَحان، فتلك الوصيلة. ﴿ولا حام﴾: كان الرجلُ يكونُ له الفحلُ، فإذا ألقَح عشرًا قيل: حامٍ، فاتركوه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ يعني: المخلصين بالتوحيد والمخلصات، ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يعني: المصدقين بالتوحيد والمصدقات، ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ يعني: المطيعين والمطيعات، ﴿والصّادِقِينَ﴾ في إيمانهم، ﴿والصّادِقاتِ﴾ في إيمانهن، ﴿والصّابِرِينَ﴾ على أمر الله عز وجل، ﴿والصّابِراتِ﴾ عليه، ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ يعني: المتواضعين والمتواضعات، قال مقاتل: مَن لا يعرف في الصلاة مَن عن يمينه ومَن عن يساره مِن الخشوع لله عز وجل فهو منهم، ﴿والمُتَصَدِّقِينَ﴾ بالمال، ﴿والمُتَصَدِّقاتِ﴾ به، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ من صام شهر رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر؛ فهو من الصائمين؛ فهو من أهل هذه الآية، ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ عن الفواحش، ﴿والحافِظاتِ﴾ من الفواحش
عن أنس: أنّ أوْس بن الصّامت ظاهَر مِن امرأته خَوْلَة بنت ثَعْلَبة، فشَكتْ ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقالت: ظاهَر مِنِّي زوجي حين كَبِر سِنّي، ودقَّ عظمي. فأنزل اللهُ آية الظِّهار، فقال رسول الله ﷺ لأَوْس: «أعْتِق رقبة». قال: مالي بذلك يدان. قال: «فصُم شهرين متتابعين». قال: إني إذا أخطأني أنْ آكل في اليوم ثلاث مرات كلَّ بصري. قال: «فأَطْعِم ستين مسكينًا». قال: ما أجد، إلا أن تُعِينني. فدعا رسولُ الله ﷺ خمسة عشر صاعًا، حتى جَمع اللهُ له أهلَه
عن فاطمة بنت عُتبة: أنّ أخاها أبا حُذيفة أتى بها وبهند بنت عُتبة رسولَ الله ﷺ تبايعه، فقالت: أخذ علينا، فشَرط علينا، فقلتُ له: يا ابن عم، وهل عَلِمتَ في قومك مِن هذه الهَنات شيئًا؟! قال أبو حذيفة: إيهًا، فبايِعيه، فإنّ بهذا يُبايِع وهكذا يَشترِط. فقالت هند: لا أبايعكَ على السّرقة، فإني أسرق من مال زوجي، فكفَّ النبيُّ ﷺ يده، وكفّتْ يدها، حتى أرسل إلى أبي سُفيان، فتحلّل لها منه، فقال أبو سُفيان: أما الرَّطب فنعم، وأما اليابس فلا ولا نعمة. قالت: فبايعناه
قال سعيد بن المسيّب: بلغني: أنّ أُميّة بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس. وكان نسطاس عبدًا لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوارٍ ومواشٍ، وكان مشركًا، وحمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون له ماله، فأبى، فأَبغضه أبو بكر، فلما قال له أُميّة: أتبيعه بغلامك نسطاس؟ اغتنم أبو بكر وباعه، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك لبلال إلا ليد كانت لبلال عنده. فأنزل الله سبحانه: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾
عن يزيد بن زيد رجل من همدان -من طريق أبي إسحاق-: أنّ امرأة أبي لهب كانت تُلقي في طريق النبيِّ ﷺ الشّوك؛ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ وامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾، فلما نزلت بلغ امرأةَ أبي لهب: إنّ النبيَّ يَهْجُوكِ. قالت: علامَ يَهْجُوني؟! هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطبًا، في جِيدي حبلٌ مِن مَسَد؟! فمكثتْ، ثم أتتْه، فقالت: إنّ ربّك قلاك ووَدَّعك. فأنزل الله: ﴿والضُّحى﴾ إلى ﴿وما قَلى﴾ [الضحى:١-٣]
نقل ابنُ عطية (٣/٥٤١) في معنى: ﴿أنزلنا﴾ احتمالين: الأول: «أن يريد التدَرُّج». ووجَّهه بقوله: ""أي: لما أنزلنا المطر فكان عنه جميع ما يُلْبس قال عن اللباس: ﴿أنزلنا﴾. وهذا نحو قول الشاعر يصف مطرًا:أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابه أسْنِمةُ الآبالِ في ربابِهِأي: بالمال«، والثاني:»أن يريد: خلقنا«. ثم علَّق عليه بقوله:»فجاءت العبارة بـ﴿أنْزَلْنا﴾ كقوله تعالى: ﴿وأَنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ﴾ [الحديد:٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر:٦]، وأيضًا فخلْق الله عز وجل وأفعاله إنما هي من علوٍّ في القدر والمنزلة""
علَّق ابنُ جرير (١٨/٣٤٠) على هذا القول بقوله: ""وتأول هذا التأويل الذي ذكرناه عن قتادة في ذلك أيضًا بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة، واستشهد لصحة تأويله ذلك كذلك بقول الشاعر:سألتاني الطلاق أن رأتاني قلَّ مالي، قد جئتماني بنكرِويكأن من يكن له نَشَبٌ يُحَـ ـبُّ ومَن يفتقر يعش عيشَ ضرِّ"". ورجَّح (١٨/٣٤١) مستندًا إلى اللغة ورسم المصحف هذا القول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكرنا عن قتادة، مِن أن معناه: ألم تر، ألم تعلم. للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب؛ وأن ﴿ويكأن﴾ في خط المصحف حرف واحد»
قال ابنُ جرير (٦/٤٥٧-٤٥٩ بتصرف): «وقد ذُكِرَ أنّ هذه الآية نزلت على النبي ﷺ تبيينًا مِن الله الواجبَ مِن الحكم في ميراث مَن مات وخلّف ورَثَةً على ما بيَّن؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون مِن ميراث الميت لأحد مِن ورثته بعده مِمَّن كان لا يُلاقي العدوَّ، ولا يُقاتِل في الحروب مِن صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلة دون الذرية. فأخبر الله -جل ثناؤه- أن ما خلفه الميت بين مَن سَمّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارِثٌ غيرُهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال آخرون: بل نزل ذلك مِن أجل أنّ المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله -تبارك وتعالى- ذلك بهذه الآية»