عن عمر بن الخطاب -من طريق شُريح بن عُبيد- قال: خَرجتُ أتعرّض رسول الله ﷺ قبل أنْ أُسلم، فوجَدتُه قد سبقني إلى المسجد، فقمتُ خَلفه، فاستفتحَ سورة الحاقة، فجَعلتُ أعجب مِن تأليف القرآن، قال: فقلتُ: هذا -واللهِ- شاعرٌ كما قالتْ قريش. قال: فقرأ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾. قال: قلتُ: كاهن. قال: ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكُمْ مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ إلى آخر السورة. قال: فوقع الإسلام في قلبي كلّ موقع
قال محمد بن السائب الكلبي في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾: نزلت في وحشيِّ بن حرب وأصحابه، وذلك أنّه لَمّا قتل حمزةَ كان قد جُعِل له على قتله أن يُعْتَق، فلم يُوفَ له بذلك، فلمّا قدِم مكة نَدِم على صنيعه هو وأصحابُه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنّا قد ندِمنا على الذي صنعنا، وإنّه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ الآيات [الفرقان:٦٨]، وقد دعونا مع الله إلهًا آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتَّبعناك. فنزلت: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا﴾ الآيتين [الفرقان:٧٠-٧١]. فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا قرأوا كتبوا إليه: إنّ هذا شرط شديدٌ، نخاف أن لا نعمل عملًا صالحًا. فنزل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فبعث بها إليهم، فبعثوا إليه: إنّا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة. فنزلت: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣]. فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبي ﷺ، فقَبِل منهم، ثم قال لوَحْشِيٍّ: أخبِرْني كيف قتلتَ حمزةَ؟ فلمّا أخبره قال: «ويْحَكَ، غيِّبْ وجهَك عَنِّي». فلَحِق وحْشِيٌّ بالشام، فكان بها إلى أن مات
أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى الرشد الذي ذكره الله في هذا الموضع على أربعة أقوال: أولها: أنّه العقل، والصلاح في الدين. وهذا قول السديّ، وقتادة. وثانيها: أنّه الصلاح في الدين، والإصلاح للمال. وهذا قول ابن عباس، والحسن. وثالثها: أنّه العقل خاصَّة. وهذا قول مجاهد، والشعبيّ. ورابعها: أنّه الصلاح، والعلم بما يُصْلِحه. وهذا قول ابن جُريج. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٤٠٧-٤٠٨) أنّ معنى الرشد هنا: العقل، وإصلاح المال، استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «في إجماعهم على أنّه غيرُ جائزٍ حيازةُ ما في يده في حال صِحَّة عقلِه وإصلاحِ ما في يده؛ الدليلُ الواضحُ على أنّه غيرُ جائز منْعُ يدِه مِمّا هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك كان في يد غيره، لا فرْق بينهما. ومَن فرَّق بين ذلك عُكِس عليه القولُ في ذلك، وسُئِل الفرقَ بينهما مِن أصل أو نظير، فلن يقول في أحدهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثله. فإذ كان ما وصفنا من الجميع إجماعًا فبيِّنٌ أنّ الرشد الذي به يستحق اليتيم -إذا بلغ فأُونِسَ منه- دَفْعَ ماله إليه؛ هو ما قلنا من صِحَّة عقله، وإصلاح ماله». وأضاف ابنُ عطية (٢/٤٧٢) مُبَيِّنًا ذلك مِن جهة اللغة: «البلوغ لم تَسُقْهُ الآيةُ سياق الشرط، ولكنه حالةُ الغالب على بني آدم أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ، وفصاحة الكلام تدلُّ على ذلك؛ لأنّ التوقيف بالبلوغ جاء بـ﴿إذا﴾، والمشروط جاء بـ»إن«التي هي قاعدة حروف الشرط، و»إذا«ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها»
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد-: قال: سورةُ إبراهيم نزَلت بمكَّة، سوى آيتين منها نزلتا بالمدينة، وهما: ﴿ألم تر إلى الَّذين بدَّلوا نِعْمَتَ الله كُفرًا﴾ الآيتين [إبراهيم:٢٨-٢٩]، نزلتا في قتلى بدرٍ مِن المشركين
عن أُبيّ بن كعب -من طريق أنس بن مالك- قال: كُنّا نرى هذا مِن القرآن: لو أنّ لابن آدم واديَيْن مِن مال لتمنّى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على مَن تاب. حتى نزلت هذه السورة: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخرها
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، قال: ذُكر لنا: أنّ ابن عباس قال: هذه السورة عَلَمٌ وحَدٌّ حدّه الله لنبيّه، ونعى له نفسه، أي: إنك لن تعيش بعدها إلا قليلًا. قال قتادة: والله ما عاش بعد ذلك إلا قليلًا؛ سنتين ثم تُوفي
عن كعب الأحبار -من طريق عمرو بن غيلان- قال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أسّس السموات السبع والأرضين السبع على هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، وإن الله لم يكافئه أحد من خَلْقه
ذكر ابنُ عطية (٥/٣١) أنّ قوله: ﴿ذلك﴾ يحتمل احتمالات: الأول: أن يكون إشارة إلى الصلوات، ووصفها بـ﴿ذِكْرى﴾، أي: هي سبب ذِكْرٍ، وموضع ذكرى. الثاني: أن يكون إشارة إلى الإخبار بأنّ الحسنات يذهبن السيئات، فتكون هذه الذكرى تحض على الحسنات. الثالث: أن تكون الإشارة إلى جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي في هذه السورة
رجّح ابنُ عطية (٣/١٥٨) مستندًا إلى دلالة التاريخ أنّ السورة مكية، ثم قال: «وإنما نَزَلَتْ حين قالت قريش بمكة: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وفي السيرة أنّ ابن مسعود جهر بقراءتها في المسجد، حتى قامت إليه أندية قريش، فضربوه، وذلك قبل الهجرة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يعني: يهود المدينة، ﴿كَمْ آتَيْناهُمْ مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ يعني: كم أعطيناهم من آية بينة، يعني: حين فرق بهم البحر، وأَهْلَك عدوَّهم، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، والغمام، والحجر، فكَفَرُوا برَبِّ هذه النِّعَم حين كفروا بمحمد ﷺ، فذلك قوله سبحانه: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾