سورة الحشر — الآية ٨

عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئتُه، فدخلتُ عليه، فإذا هو جالسٌ على سرير، ليس بينه وبين رَمْل السرير فراش، مُتّكِئ على وسادة مِن أدَم، فقال: يا مالك، إنه قدم علينا أهلُ أبيات من قومك، وإني قد أمرتُ فيهم بِرَضْخ، فخُذه، فاقسِمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنهم قومي، وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم، فمُرْ به غيري. فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يَرْفَأ غلامه، فقال: هذا عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف. فأذِن لهم، فدَخلوا، ثم جاءه يَرْفَأ، فقال: هذا عليٌّ، وعباس. قال: ائذن لهما. فدخلا. فقال عباس: ألا تعدِيني على هذا؟ فقال القوم: يا أمير المؤمنين، اقضِ بين هذين، وأَرِح كلَّ واحد منهما مِن صاحبه؛ فإنّ في ذلك راحةً لك ولهما. فجلس عمر، ثم قال: اتَّئِدُوا. وحَسر عن ذراعيه، ثم قال: أنشُدُكم بالله -أيها الرّهط-، هل سمعتم رسول الله ﷺ قال: «إنّا لا نُورَث، ما تَركنا صدقة، إنّ الأنبياء لا تُورَث»؟ فقال القوم: نعم، قد سمعنا ذاك. ثم أقبل على علي، وعباس، فقال: أنشُدُكما بالله، هل سمعتما رسول الله ﷺ قال ذاك؟ قالا: نعم. فقال عمر: ألا أُحدّثكم عن هذا الأمر، إنّ الله خصّ نبيّه مِن هذا الفيء بشيء، لم يُعطه غيره -يريد: أموال بني النَّضِير، كانت نَفلًا لرسول الله ﷺ ليس لأحد فيها حقٌّ معه-، فواللهِ، ما احتواها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد قَسّمها فيكم حتى أمسك منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُدخل منه قُنْيَة أهله لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، حتى تَوفّى الله نبيّه ﷺ، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله ﷺ، أعمل بما كان يعمل، وأسير بسِيرته في حياته. فكان يُدخل من هذا المال قُنية أهل رسول الله ﷺ لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، كما كان يصنع رسول الله ﷺ، فَوَلِيها أبو بكر حياته حتى تُوفّي، فلمّا تُوفّي أبو بكر قلتُ: أنا وليّ رسول الله ﷺ، ووليّ أبي بكر، أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال. فقبضتُها، فلما أقبلتما عليّ، وأدبرتما، وبدا لي أنْ أدفعها إليكما، أخذتُ عليكما عهد الله وميثاقه لتَعمَلان فيها بما كان رسول الله ﷺ يعمَل به فيها، وأبو بكر، وأنا، حتى دفعتُها إليكما، أنشُدُكم بالله -أيّها الرّهط- هل دفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: اللهم، نعم. ثم أقبلَ عليهما، فقال: أنشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: فقضاءً غير ذلك تلتمسان مِنِّي؟! فلا، واللهِ، لا أقضي فيها قضاء حتى تقوم الساعة غير ذلك، فإن كنتما عَجَزتما عنها، فأدِّياها إلَيّ. ثم قال عمر: إنّ الله قال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت لرسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ إلى آخر الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ثم -واللهِ- ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى ﴿المُفْلِحُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾، فقَسَمها هذا القَسْم على هؤلاء الذين ذَكر. قال عمر: لَئِن بَقيتُ لَيَأتينّ الرُّوَيْعيَّ بصنعاء حقُّه ودمُه في وجهه

سورة التوبة — الآية ٧٢

عن كعب الأحبار -من طريق بشر بن كعب- قال: إنّ في الجنةِ ياقوتةً ليس فيها صَدْعٌ ولا وصْلٌ، وفيها سبعون ألفَ دارٍ، في كلِّ دارٍ سبعون ألفًا مِن الحورِ العين، لا يدخُلُها إلا نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو إمامٌ عادلٌ، أو محَكَّمٌ في نفسِه. قيل لكعب: وما المحُكَّمُ في نفسِه؟ قال: الرجلُ يأخُذُه العدُوُّ، فيُحكِّمونه بين أن يكفُرَ أو يَلزمَ الإسلامَ فيُقتلَ، فيختارُ أن يَلزمَ الإسلامَ

سورة التوبة — الآية ٧٢

قال مقاتل، ومحمد بن السائب الكلبي: ﴿عدن﴾: أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التَّسنيم، والجنان حولها، مُحْدِقة بها، وهي مُغَطّاة مِن حين خلقها الله تعالى حتى ينزِلَها أهلُها: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، ومَن شاء الله، وفيها قصور الدُّرِّ واليواقيت والذهب، فتَهُبُّ ريحٌ طَيِّبة مِن تحت العرش، فتدخل عليهم كثبان المِسك الأَذْفَر الأبيض

سورة الحديد — الآية ١٩

قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا ﴿بِاللَّهِ﴾ بتوحيد الله تعالى ﴿ورُسُلِهِ﴾ كلّهم، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ بالله وبالرسل، ولم يشُكُّوا فيهم ساعة، ثم استأنف فقال: ﴿والشُّهَداءُ﴾ يعني: مَن استُشهد منهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ يعني: جزاؤهم وفضلهم، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يعني: بالقرآن ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يعني: ما عظم من النار

سورة الحديد — الآية ١٦

عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: ملَّ أصحابُ النبيِّ ﷺ ملَّة، فقالوا: حدِّثنا، يا رسول الله. فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف:٣]. ثم ملّوا ملَّةً، فقالوا: حدِّثنا، يا رسول الله. فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر:٢٣]. ثم ملُّوا مَلَّةً، فقالوا: حدِّثنا، يا رسول الله. فأنزل الله: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية

سورة الأنفال — الآية ٧٥

عن الزبير بن العوام -من طريق عُرْوَة- قال: أنزل الله فينا خاصَّةً؛ معشرَ قريشٍ والأنصار: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، وذلك أنّا معشرَ قريشٍ لَمّا قَدِمنا المدينةَ قَدِمنا ولا أموالَ لنا، فوَجَدْنا الأنصارَ نِعمَ الإخوان، فواخَيْناهم ووارَثْناهم، فآخى أبو بكر خارجةَ بن زيد، وآخى عمرُ فلانًا، وآخى عثمان بن عفان رجلًا من بني زُرَيق بن سعد الزُّرَقي. قال الزبير: وواخَيْتُ أنا كعب بن مالك، ووارَثونا ووارَثْناهم، فلما كان يومُ أحدٍ قيل لي: قد قُتِل أخوك كعبُ بن مالك. فجِئتُه، فانتَقَلْتُه، فوجَدتُ السلاحَ قد ثَقَله فيما نرى، فوالله يا بُنَيَّ لو مات يومئذٍ عن الدنيا ما ورِثه غيري، حتى أنزَل الله هذه الآية فينا معشرَ قريشٍ والأنصارِ خاصة، فرجَعنا إلى مواريثِنا

سورة هود — الآية ١١٤

عن أبي اليَسَرِ، قال: أتَتْني امرأةٌ تَبْتاعُ تمرًا، فقلتُ: إنّ في البيت تمرًا أطيبَ مِنه. فدَخَلَتْ معي البيتَ، فأَهْوَيْتُ إليها، فقَبَّلْتُها، فأتيتُ أبا بكر، فذكرتُ ذلك له، فقال: استُرْ على نفسِك، وتُبْ. فأتيتُ عمرَ، فذكرتُ ذلك له، فقال: استُرْ على نفسِك، وتُبْ، ولا تُخْبِر أحدًا. فلم أصْبِر، فأتيتُ رسول الله ﷺ، فذكرتُ ذلك له، فقال: «أخَلَّفت غازيًا في سبيل الله في أهلِه بمِثْلِ هذا؟!». حتى تَمَنّى أنّه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظنَّ أنّه مِن أهل النار، وأطرقَ رسولُ الله ﷺ طويلًا، حتى أوحى الله إليه: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ إلى قوله: ﴿للذاكرين﴾. قال أبو اليسر: فأتيتُه، فقَرَأها عَلَيَّ، فقال أصحابُه: يا رسول الله، ألهذا خاصَّة أم للناس عامَّة؟ قال: «بل للناس عامَّة»

سورة الكهف — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: فقال النبي ﷺ لليهود: «أدعوكم إلى الله عز وجل، وأُنذِركم بأسه، فإن تتوبوا يُكَفِّر عنكم سيئاتكم، ويُؤْتِكم أجوركم مرتين». فقال كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وحُيَيُّ بن أخطب، وفنحاص اليهودي من أهل قينقاع: أليس عُزَيْرٌ ولد الله، فأدعوه ولدًا لله؟ فقال النبي ﷺ: «أعوذ بالله أن أدعو لله تبارك وتعالى ولدًا، ولكن عزير عبد الله داخر». يعني: صاغرًا. قالوا: فإنّا نجده في كتابنا، وحَدَّثَتْنا به آباؤنا. فاعتزلهم النبيُّ ﷺ حزينًا، فقال أبو بكر، وعمر، وعثمان بن مظعون، وزيد بن حارثة للنبي ﷺ: لا يحزنك قولهم وكفرهم، إن الله معنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ أجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا (٣) ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا (٤)﴾

سورة الروم — الآية ١

عن محمد بن شهاب الزهري -من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي- قال: بلغنا: أنّ المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة؛ يقولون: الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرسُ، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبونا بالكتاب الذي أُنزل على نبيكم، فسنغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ. فأنزل الله: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: إنه لَمّا نزلت هاتان الآيتان ناحب أبو بكر بعض المشركين -قبل أن يُحرَّم القمار- على شيء إن لم تغلب الرومُ فارسَ في سبع سنين. فقال رسول الله ﷺ: «لِمَ فعلت؟ فكل ما دون العشر بضع». فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب

سورة الأحزاب — الآية ٦

عن الزبير بن العوام -من طريق عروة- قال: أنزل الله عز وجل فينا خاصَّةً معشرَ قريش والأنصار: ﴿وأُولُو الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنّا معشر قريش لَمّا قدِمنا المدينةَ قدِمنا ولا أموالَ لنا، فوجدنا الأنصار نِعْم الإخوان، فواخيناهم، ووارثناهم، فآخى أبو بكر خارجةَ بن زيد، وآخى عمر فلانًا، وآخى عثمان بن عفان رجلًا مِن بني زُرَيق سعد الزُّرَقي، ويقول بعض الناس غيره. قال الزبير: وواخيتُ أنا كعبَ بن مالك، وأورثونا وأورثناهم، فلما كان يوم أحد قيل لي: قد قُتِل أخوك كعب بن مالك. فجئته، فانتَقَلْتُهُ، فوجدتُ السلاح قد ثَقله فيما يُرى، فواللهِ، يا بُني، لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآيةَ فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا