عن ابن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قول الله تعالى: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه﴾. قال: الدرجات هي السبع التي ذكرها في سورة براءة: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿أحسن ما كانوا يعملون﴾. قال: هذه السبع درجات. قال: كان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مجملة، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها، ولم يكن له منها إلا النفقة. فقرأ: ﴿لا يصيبهم ظمأ ولا نصب﴾. وقال: ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ: ﴿ولا ينفقون نفقة﴾. قال: وهذه نفقة القاعد
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوّام بن حَوْشَب، عن شيخ من بني أسد-: أنّه قرأ سورة النور، ففسَّرها، فلمّا أتى على هذه الآية: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾ قال: هذه في عائشةَ وأزواجِ النبيِّ ﷺ، ولم يجعل لِمَن فعل ذلك توبةً، وجعل لِمَن رمى امرأةً مِن المؤمنات مِن غير أزواج النبي ﷺ التوبة. ثم قرأ: ﴿إن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ إلى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾. فجعل لِمَن قذف امرأةً مِن المؤمنين التوبة، ولم يجعل لِمَن قذف امرأةً مِن أزواج النبي ﷺ توبة. ثم تلا هذه الآية: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾. فهَمَّ بعضُ القوم أن يقومَ إلى ابن عباس فيُقَبِّل رأسه؛ لِحُسْن ما فَسَّر
علَّق ابنُ جرير (٤/٣٨) على هذا القول الذي قال به إبراهيم من طريق منصور، وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعطاء من طريق عبد الملك، بقوله: «والواجب على هذا التأويل: أن يكون قوله -تعالى ذكره-: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ في الآخرة بما شاء من العقوبات، وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو... وإذ كان ذلك تأويل الآية عندهم فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم واحفظوا أيمانكم»
رجَّح ابنُ جرير (٨/٢٤٤) قول مجاهد والسدي أن معنى: عزَّرتموهم: نصرتموهم. مستندًا إلى دلالة القرآن، وقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: نصرتموهم. وذلك أنّ الله -جلَّ ثناؤه- قال في سورة الفتح: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾. فالتوقير: هو التعظيم. وإذا كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذَكَرْنا مِن الأقوال التي حكيناها عمَّن حكَيْنا عنه. وإذا فَسَد أن يكون معناه: التعظيم، وكان النصر قد يكون باليد واللسان؛ فأما باليد فالذَّبُّ بها عنه بالسيف وغيره، وأما باللسان فَحُسْن الثناء، والذَّبُّ عن العِرْض؛ صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولًا مما حكينا عنه»
انتقد ابنُ تيمية (٦/٤٣٩) القول بنزول الآية في علي وفاطمة وابنيهما مستندًا لأحوال النزول، والنظائر، والواقع، فقال: «أمّا نزول: ﴿هل أتى﴾ في عليٍّ فمما اتفق أهل العلم بالحديث على أنه كذبٌ موضوع، وإنما يذكره من المفسرين مَن جرتْ عادته بذكر أشياء من الموضوعات، والدليل الظاهر على أنه كذبٌ: أنّ سورة ﴿هل أتى﴾ مكّيّة باتفاق الناس، نزلت قبل الهجرة، وقبل أن يتزوج عليٌّ بفاطمة، ويُولد الحسن والحُسين، ... ولم يَنزل قطّ قرآنٌ في إنفاق علي بخصوصه؛ لأنه لم يكن له مال، بل كان قبل الهجرة في عيال النبي ﷺ، وبعد الهجرة كان أحيانًا يُؤجّر نفسه كلّ دلو بتمرة، ولما تزوّج بفاطمة لم يكن له مهر إلا دِرعه، وإنما أنفق على العُرس ما حصل له من غزوة بدر»
اختُلف فيمن عَنى الله بالآية؛ فقيل: كعب بن الأشرف. وقيل: جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب. وقيل: حيي بن أخطب وحده. ورَجّح ابنُ جرير (٧/١٤٧) أنّه لجماعة من اليهود، دون قطع بقول من تلك الأقوال، فقال: «وأولى الأقوال بالصحة في ذلك قول من قال: إنّ ذلك خبرٌ من الله -جل ثناؤه- عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود، وجائز أن يكون كانت الجماعة الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد، أو يكون حُيَيًّا وآخر معه، إمّا كعبًا وإما غيره». ووافقه ابنُ عطية (٢/٥٧٩) في ذلك مستندًا إلى إجماع أهل التأويل، وقصة الآية، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ الآية ظاهرُها يَعُمُّ اليهودَ والنصارى، ولكن أجمع المتأولون على أنّ المراد بها طائفةٌ من اليهود، والقصص يبين ذلك». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٨١) قولَ مَن جعل الآية في جماعة، ومَن خَصَّها بحيي أو كعب، ثم قال مُوَجِّهًا: «فمَن قال: كانوا جماعة فذلك مستقيم لفظًا ومعنًى. ومَن قال: هو كعب أو حيي، فعَبَّر عنه بلفظ الجمع لأنّه كان متبوعًا، وكان قولُه مقترنًا بقول جماعة»
عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد
اختُلِف في معنى: «السبع» في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها السبع الطُّوَل. الثاني: أنها آيات فاتحة الكتاب. الثالث: أن السبع المثاني: معاني القرآن. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٣١٦) القول الأول بقوله: «و﴿المَثانَي﴾ على قول هؤلاء: القرآن كله، كما قال تعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر:٢٣]، وسُمِّي بذلك لأنّ القصص والأخبار تُثَنّى فيه وتُرَدَّد». ووجَّه القول الثاني بقوله: «و﴿المَثانَي﴾ على قول هؤلاء يحتمل أن تكون: القرآن، فـ﴿مِن﴾ للتبعيض، وقالت فرقة: بل أراد الحمد نفسها، كما قال: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ﴾ [الحج:٣٠] فـ﴿مِن﴾ لبيان الجنس، وسميت بذلك لأنها تُثَنّى في كل ركعة. وقيل: سميت بذلك لأنها يُثْنى بها على الله -تبارك وتعالى- جوَّزه الزجاج». ثم انتقد ما جوّزه الزجاج قائلًا: «وفي هذا القول من جهة التَّصرُّف نظر». ورجَّح ابنُ جرير (١٤/١٢١) مستندًا إلى السنة القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لصِحَّة الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ». وذكر حديثي أبي هريرة، وأبي سعيد بن المعلى الوارِدَين أوّل الآثار في تفسير الآية، ومِن ثمَّ رجَّح (١٤/١٢٥) أنّ المراد بـ﴿المثاني﴾: القرآن كله، مستندًا إلى السياق، واللغة، والنظائر، فقال: «فإذ كان الصحيح مِن التأويل في ذلك ما قلنا للذي به استَشْهَدنا؛ فالواجب أن تكون المثاني مرادًا بها القرآن كلُّه، فيكون معنى الكلام: ولقد آتيناك سبعَ آياتٍ، مما يَثْنِي بعضُ آيِهِ بعضًا». ثم بيَّن أنه إذا «كان ذلك كذلك كانت المثاني: جمع مَثْناة، وتكون آيُ القرآن موصوفةً بذلك؛ لأن بعضها يَثْنِي بعضًا، وبعضها يتلو بعضًا بفصولٍ تفصل بينها، فيُعْرَف انقضاء الآية وابتداء التي تليها، كما وصفها به -تعالى ذِكْرُه- فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣]». ، ثم ذكر أنه «قد يجوز أن يكون معناها كما قال ابن عباس والضحاك ومَن قال ذلك أنّ القرآن إنما قيل له: مثاني؛ لأنّ القصص والأخبار كُرِّرَت فيه مرةً بعد أخرى». وذكر ابنُ كثير (٨/٢٧٦) حديث النبي ﷺ: «أمُّ القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم». ثم أشار إلى إمكان الجمع بين القولين الأول، والثاني، فقال: «فهذا نصٌّ في أنّ الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها مِن السبع الطول بذلك، لِما فيها مِن هذه الصِّفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نزلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر:٢٣]، فهو مثاني مِن وجْه ومتشابه مِن وجْه، وهو القرآن العظيم أيضًا، كما أنّه -عليه الصلاة والسلام- لَمّا سُئِل عن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فأشار إلى مسجده. والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإنّ ذِكْر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة»
عن عبدالرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي، عن سعيد بن جبير، أخبره قال: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ أم القرآن؛ وقرأتها على سعيد كما قرأتها عليك: ثم قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ الآية السابعة، قال عبد الله بن عباس: قد أخرجها الله لكم، فما أخرجها لأحد قبلكم. قال عبد الرزاق: قرأها علينا عبد الملك ابن جريج ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ آية، ﴿الرحمن الرحيم﴾ آية، ﴿مالك يوم الدين﴾ آية، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ آية، ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ آية، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إلى آخرها. (ز) تفسير السورة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث، وعيينة بن حصن الفزاري. ذلك أنّه لَمّا فرض الله عز وجل لأُمِّ كُجَّة وبناتها الميراثَ انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي ﷺ، فقالوا للنبي ﷺ: إنّ المرأة لا تركب فرسًا ولا تجاهد، وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء! فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ يعني: يسألونك عن النساء، يعني: سويدًا وصاحبيه، ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ يعني: ما بيَّن من القسمة في أول هذه السورة. قال: ويفتيكم ﴿في يتامى النساء﴾، يعني: بنات أم كُجَّة