عن يحيى بن سلّام -من طريق أحمد بن موسى- في قوله ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾، قال: بلغني: أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة سنة قبل أن يُفصل بينهم. قال يحيى: وحدثني خداش، عن عوف الكوفي، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما طول يوم القيامة إلا كرجل دخل في صلاة مكتوبة، فأتمّها، وأحسنها، وأجملها»
عن سعيد بن جبير، قال: لَمّا نزَلت في البقرة [٢١٩]: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ شَرِبها قومٌ لقوله: ﴿ومنافع للناس﴾، وتركها قوم لقوله: ﴿إثم كبير﴾، منهم عثمان بن مظعون، حتى نزَلتِ الآية التي في النساء [٤٣]: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. فترَكها قومٌ، وشَرِبها قومٌ، يترُكونها بالنهار حين الصلاة، ويَشربونَها بالليل، حتى نزَلتِ الآية التي في المائدة: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. قال عمر: أقُرِنتِ بالميسِر والأنصاب والأزلام؟! بُعدًا لكِ وسُحقًا. فترَكها الناس، ووقَع في صدور أُناسٍ مِن الناس منها، فجعَل قومٌ يُمرُّ بالراوية من الخمر فتُخرَقُ، فيمُرُّ بها أصحابُها فيقولون: قد كنا نُكرِمُك عن هذا المصرع. وقالوا: ما حُرِّم علينا شيءٌ أشدُّ من الخمر. حتى جعَل الرجلُ يَلقى صاحبَه فيقول: إنّ في نفسي شيئًا. فيقولُ له صاحبُه: لعلك تذكُرُ الخمر؟ فيقول: نعم. فيقول: إنّ في نفسي مثلَ ما في نفسِك. حتى ذكَر ذلك قومٌ، واجتَمعوا فيه، فقالوا: كيف نتكلمُ ورسول الله ﷺ شاهدٌ؟ وخافوا أن يَنزِل فيهم، فأتَوْا رسول الله ﷺ وقد أعدُّوا له حُجَّةً، فقالوا: أرأيتَ حمزةَ بن عبد المطلب، ومصعبَ بن عمير، وعبدَ الله بن جحش، أليسوا في الجنة؟ قال: «بلى». قالوا: أليسوا قد مَضَوا وهم يشربون الخمر؟ فحُرِّم علينا شيءٌ دخَلوا الجنة وهم يشربونه؟ فقال: «قد سمِع الله ما قلتُم، فإن شاء أجابَكم». فأنزل الله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. قالوا: انتَهينا. ونزَل في الذين ذكَروا حمزة وأصحابَه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية
عن صُرَدِ بن أبي المُنازِل، قال: سمعتُ حبيب بن أبي فَضالة المكي قال: لَمّا بني هذا المسجدُ -مسجد الجامع- قال: وعمران بن حصين جالِسٌ، فذكروا عنده الشفاعة، فقال رجلٌ من القوم: يا أبا نُجَيْد، لَتُحَدِّثونا بأحاديث ما نجد لها أصلًا في القرآن؟ فغضِب عمران بن حصين، وقال لرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثًا، وصلاة العشاء أربعًا، وصلاة الغداة ركعتين، والأولى أربعًا، والعصر أربعًا؟ قال: لا، قال: فعَمَّن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم أخذتموه عنّا، وأخذناه عن رسول الله ﷺ؟ أوَجدتم في كل أربعين درهمًا درهم؟ وفي كل كذا وكذا شاة؟ وفي كل كذا وكذا بعير كذا؟ أوجدتم في القرآن؟ قال: لا. قال: فعمَّن أخذتم هذا؟ أخذناه عن رسول الله ﷺ، وأخذتُموه عَنّا، قال: فهل وجدتم في القرآن ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩] وجدتم هذا: طوفوا سبعًا؟ واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ عمَّن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله ﷺ؟ أوجدتم في القرآن: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغار في الإسلام؟ قال: لا. قال: إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا جَلَب، ولا جَنَب، ولا شِغار في الإسلام». أسمعتم الله يقول لأقوام في كتابه: ﴿ما سلككم في سقر، قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين﴾ حتى بلغ ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٢-٤٨]؟ قال: حبيب: أنا سمعت يقول: الشفاعة
اختُلف في معنى ﴿قانتين﴾؛ فقال قوم: معناه: طائعين. وقال آخرون: معناه: ساكتين. وقال غيرهم: معناه: الركود في الصلاة، والخشوع فيها. وذهب قوم إلى أنها: الدعاء. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٣٨٣ بتصرف) القول الأول الذي قاله ابن عباس، والحسن ابن أبي الحسن، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وسعيد، وقتادة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعطية، وطاووس، مستندًا إلى اللغة، فقال: «وذلك أنّ أصل القنوت: الطاعة. وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهاه الله من الكلام فيها، وقد تكون الطاعة لله فيها بالخشوع، وخفض الجناح، وإطالة القيام، وبالدعاء؛ لأنّ كُلًّا غير خارج مِن أحد معنيين من أن يكون مما أمر به المصلي، أو مما نُدِب إليه، والعبد بكل ذلك لله مطيع، وهو لربه فيه قانت، والقنوت أصله: الطاعة لله، ثم يُسْتَعمل في كل ما أطاع الله به العبد». ووجَّهه (٤/٣٧٥)، فقال: «ومعنى ذلك [أي: تأويل القنوت بالطاعة]: وقوموا لله في صلاتكم مطيعين له فيما أمركم به فيها، ونهاكم عنه»
أفادت الآثارُ أنّ معنى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾: «أن أجور الصابرين توفّى بغير حصر ولا عدٍّ، بل جزافًا». ثم علَّق عليه ابنُ عطية (٧/٣٨١-٣٨٢) بقوله: «وهذه استعارة للكثرة التي لا تُحصى... وإلى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين، حتى قال قتادة: ما ثَمَّ -واللهِ- مكيال ولا ميزان، وفي بعض الحديث أنه لما نزلت: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] قال -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم، زِدْ أُمَّتي». فنزلت: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فقال: «اللهم، زِدْ أُمَّتي». فنزلت هذه الآية، فقال: «رضيتُ، يا رب»». ثم ذكر (٧/٣٨١) احتمالًا آخر في معنى الآية: «أن الصابر يوفّى أجره، ثم لا يحاسب عن النعيم، ولا يُتابَع بذنوب». ثم وجَّهه بقوله: «فيقع ﴿الصّابِرُونَ﴾ في هذه الآية على الجماعة التي ذكرها النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها تدخل الجنة بغير حساب، وفي قوله: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، الذين لا يتطيَّرون ولا يَكْتَوُون ولا يَسْتَرْقُون، وعلى ربهم يتوكلون، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر...» الحديثَ على اختلاف ترتيباته»
اختلف في معنى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أمر الله: فرائضه وأحكامه. الثاني: أنه وعيدٌ من الله لأهل الشرك به. الثالث: خروج رسول الله ﷺ. الرابع: أنه القيامة. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/١٥٩) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنه عقَّب ذلك بقوله: ﴿سبحانه وتعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، فدل بذلك على تقريعه المشركين به، ووعيده لهم». وانتقد القول الأول مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية والواقع، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنه لم يَبْلُغنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ استعجل فرائض قبل أن تُفرَض عليهم؛ فيقال لهم مِن أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا كثيرًا». وكذا ابن كثير (٨/٢٨٩) فوصفه بأنه قولٌ عجيب. وكذا ابنُ عطية (٥/٣٢٥)، فقال: «ويُبعِده قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ لأنّا لا نعرف استعجالًا إلا ثلاثة: اثنان منها للكفار في القيامة، وفي العذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام». ثم وجَّهه بقوله: «وقوله: ﴿أتى﴾ -على هذا القول- إخبارٌ عن إتيان ما سيأتي، وصح ذلك على جهة التأكيد». ووجَّه (٣/٣٧٧ ط. دار الكتب العلمية) القول الرابع بقوله: «ومن قال: إن الأمر القيامة. قال: إن قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ردٌّ على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد». وزاد ابنُ عطية (٥/٣٢٥) قولين آخرين: الأول: أنه نصر محمد ﷺ. والثاني: أنه تعذيب كفار مكة بقتل محمد عليه الصلاة والسلام لهم وظهوره عليهم. ووجَّه القول الثاني منهما بقوله: «ومن قال: إن الأمر تعذيب الكفار بنصر محمد ﷺ وقتله لهم. قال: إن قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ردٌّ على القائلين: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ ونحوه من العذاب، أو على مستبطئي النصر من المؤمنين في قراءة من قرأ بالتاء -وهي قراءة الجمهور- على مخاطبة المؤمنين، أو على مخاطبة الكافرين، بمعنى: قل لهم: فلا تستعجلوه»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿حتى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، قال: الخيط الأبيض: الذي يكون من تحت الليل، يكشف الليل. والأسود: ما فوقه. ﴿منَ الفجر﴾ قال: ذلك الخيط الأبيضُ هو من الفجر نسبةً إليه، وليس الفجر كله، فإذا جاء هذا الخيط -وهو أوّله- فقد حلَّت الصلاةُ، وحَرُم الطعام والشراب على الصائم
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾، قال: هي المرأة التي تنشِز على زوجها، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعدما تقول لزوجها: واللهِ، لا أبَرُّ لك قسمًا، ولآذَنَنَّ في بيتك بغير أمرك. ويقول السلطان: لا نُجِيز لك خُلعًا حتى تقول المرأة لزوجها: واللهِ، لا أغتسل لك من جنابة، ولا أُقيم لله صلاةً. فعند ذلك يُجيزُ السلطان خُلعَ المرأة
عن ابن عمر قال: كنا في غَزاةٍ، فَحاصَ الناسُ حَيْصَةً، قلنا: كيف نَلْقى النبي ﷺ وقد فَرَرْنا من الزَّحْف وبُؤْنا بالغضب؟ فأَتَيْنا النبي ﷺ قبل صلاة الفجر، فخرج، فقال: «مَن القوم؟». فقلنا: نحن الفَرّارون. فقال: «لا، بل أنتم العَكّارُونَ». فقَبَّلْنا يدَه، فقال: «أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين». ثم قرأ: ﴿إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة-، وسعيد بن جبير -من طريق مغيرة- أنّهما قالا في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فلْيُشْهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتَرِكَته، فإن صدَّقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا، ولا كتمنا، ولا خُنّا، ولا غَيَّرنا