سورة النساء — الآية ١٠٥

عن محمود بن لبيد، قال: كان أُسَيْرُ بن عروة رجلًا مِنطِيقًا ظريفًا بليغًا حلوًا، فسمع بما قال قتادة بن النعمان في بني أُبَيْرِق للنبي ﷺ حين اتهمهم بنقب عِلِّيَّةِ عمه وأخذ طعامه والدرعين، فأتى أسيرٌ رسول الله ﷺ في جماعة جمعهم من قومه، فقال: إنّ قتادة وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل حسب ونسب وصلاح، يُؤَبِّنُونَهم بالقبيح، ويقولون لهم ما لا ينبغي، بغير ثَبَتٍ ولا بينة. فوضع لهم عند رسول الله ﷺ ما شاء، ثم انصرف، فأقبل قتادة بعد ذلك إلى رسول الله ﷺ ليكلمه، فَجَبَهَه رسول الله ﷺ جبهًا شديدًا منكرًا، وقال: «بئسما صنعت، وبئسما مشيت فيه». فقام قتادة وهو يقول: لوددت أنِّي خرجت من أهلي ومالي وأني لم أكلم رسول الله ﷺ في شيء من أمرهم، وما أنا بعائد في شيء من ذلك. فأنزل الله على نبيه في شأنهم: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه، ﴿إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما﴾

سورة الأحقاف — الآية ٣٥

قال الحسن البصري: ﴿أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ هم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. فأما إبراهيم عليه السلام فعزْمُهُ أنّه قيل له: ﴿أسْلِمْ﴾. فقال: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]. ثم إنه ابتُلِي في ماله، وولده، ووطنه، ونفسه، فوجد صادقًا وافيًا في جميع ما ابتُلِي به. وأما موسى عليه السلام فعزْمُهُ حين قال له قومه: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢]. وأما داود عليه السلام فعزْمُهُ أنه أخطأ خطيئة، فنُبّه عليها، فبكى أربعين سنة على خطيئته، حتى نَبَتتْ مِن دموعه شجرة، وقعد تحت ظِلّها. وأما عيسى عليه السلام فعزْمُهُ أنّه لم يضع في الدنيا لبِنة على لبِنة، وقال: إنها معْبر؛ فاعبروها، ولا تعمرُوها. فكان الله تعالى يقول لرسوله ﷺ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: كُن صادقًا فيما ابتُليت به مثل صدْق إبراهيم عليه السلام، واثِقًا بنُصرة مولاك مثل ثِقة موسى عليه السلام، مُهتمًّا لِما سلف مِن هفواتك مثل اهتمام داود عليه السلام، زاهدًا في الدنيا مثل زُهد عيسى عليه السلام

قال ابنُ عطية (٢‏/‏٢٤٥-٢٤٦) مستندًا إلى دلالة العقل بعد ذكره الأقوال المختلفة في معنى ﴿سواء﴾: «والذي أقوله في لفظة ﴿سواء﴾: إنّها ينبغي أن تفسر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضع، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ جميعُ الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعُوِّين أن يَتَّخذ بعضُهم بعضًا أربابًا، فلم يكونوا على استواء حال، فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس مِن حقٍّ لا يتفاضل الناس فيه، فـ﴿سواء﴾ على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر: هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه. والفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بـ»عدل«: أنّك لو دعوت أسيرًا عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحدِّ جاءت لفظة سواء في قوله تعالى: ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال:٥٨] على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حُرًّا مقاسمًا لك في عيشك لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظة على كل تأويل فيها معنى العدل، ولكني لم أرَ لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي حسن؛ لأن النفوس تألفه»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بالصلاح في قوله تعالى: ﴿صالحًا﴾ على قولين: أحدهما: أن يكون الحَمْلُ غلامًا. وهذا قول الحسن. والآخر: أن يكون المولود بشرًا سَوِيًّا، ولا يكون بهيمة. وهذا قول ابن عباس، وأبي البختريّ، وأبي صالح، وسعيد بن جبير، والسديّ. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٠‏/‏٦٢٢) أنّ الآية تشمل جميع معاني الصلاح استنادًا إلى عموم لفظها، وعدم المُخَصِّص، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أخبر عن آدم وحواء أنّهُما دعَوا الله ربَّهما بحمل حواء، وأقسما لَئِن أعطاهما ما في بطن حواء صالحًا ليكونان لله من الشاكرين. والصلاح قد يشمل معاني كثيرة: منها الصلاح في استواء الخَلْق، ومنها الصلاح في الدِّين، والصلاح في العقل والتدبير. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يُوجِب الحجةَ بأنّ ذلك على بعض معاني الصلاح دون بعض، ولا فيه من العقل دليلٌ؛ وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله، فيُقال: إنّهما قالا: ﴿لئن آتيتنا صالحًا﴾ بجميع معاني الصلاح». ومالَ ابنُ عطية (٤‏/‏١٠٩) إلى القول الثاني، حيث قال: «قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو الأظهر-: بشرًا سَوِيًّا سليمًا»

اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿سخريّا﴾؛ فقرأها بعضهم بكسر السين، وقرأها البعض بضمّ السين. وبيَّنَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٢٧) أنّ كلتا القراءتين صواب، مستندًا للشهرة، ولغة العرب، وقراءة القراء، فقال: «الصواب مِن القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان، بمعنًى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء مِن القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب، وليس يُعْرف مِن فَرْقٍ بين معنى ذلك إذا كُسِرَت السين، وإذا ضُمَّت». والظاهر مِن كلام ابن عطية (٦‏/‏٣٢٥) أنه مال إلى قراءة الكسر مستندًا للأكثر لغة، والأليق بظاهر اللفظ، والنظائر، حيث نقل عن أبي عليّ قوله: «قراءة كسر السين أوْجَه؛ لأنه بمعنى الاستهزاء، والكسر فيه أكثر، وهو أليق بالآية، ألا ترى إلى قوله: ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾». ثم علَّقَ عليه، بقوله: «ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله: ﴿ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ لَمّا تخلَّص الأمر للتخديم. قال يونس: إذا أُريد التخديم فضمُّ السين لا غير، وإذا أُريد الهُزْءُ فالضم والكسر»

اختُلِف في معنى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: لنُسْكِنَنَّهم في الدنيا مَسْكَنًا يَرضَونَه صالحًا، وهو المدينة. الثاني: لنَرْزُقَنَّهم في الدنيا رِزقًا حسنًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٢٥) مستندًا إلى لغة العرب والنظائر القول الأول، وهو قول الشعبي، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن التَّبَوُّءَ في كلام العرب: الحلول بالمكان والنزول به، ومنه قول الله تعالى: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس:٩٣]». ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏٣٥٧ بتصرف) عن فرقة: أن الحسنة هنا: لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر. ثم وجَّهه قائلًا: «وفي قوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ على هذا التأويل في لسان الصدق تجوُّز كثير، واستعارة بعيدة». ونقل عن فرقة أخرى: «أن الحسنة عامة في كل أمر مستحسن يناله ابن آدم». ثم علَّق عليه بقوله: «وتخِفُّ الاستعارة المذكورة على هذا التأويل، وفي هذا القول يدخل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يعطي المال وقت القسمة للرجل من المهاجرين، ويقول له: خذ ما وعدك الله في الدنيا، ولأجر الآخرة أكبر. ثم يتلو هذه الآية. ويدخل في هذا القول: النصر على العدو، وفتح البلاد، وكل أمل بَلَغَه المهاجرون». وعلَّق ابنُ كثير (٨‏/‏٣١٣) على القولين الأول والثاني بقوله: «ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوَّضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع، فإنهم مكَّن الله لهم في البلاد، وحكَّمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكامًا، وكل منهم للمتقين إمامًا»

وجَّه ابن كثير (٧‏/‏٧٤) قولَ ابن عباس والسدي قائلًا: «وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٢٨]، وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون»اللام«مُعَلِّلة لِما جعل الله للكفار من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقْدَرْناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وما أصابَكُمْ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٦، ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ونظيرتها في براءة أيضًا». ووجَّهه ابن عطية (٤‏/‏١٨٨) قائلًا: «واللام -على هذا التأويل- من قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلق بـ﴿يُحْشَرُونَ﴾، والمعنى: أنّ الله يحشر الكافرين إلى جهنم لِيَمِيز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعًا فيلقيهم في جهنم». وزاد ابن عطية قولًا آخر حكاه عن ابن سلّام والزجاج أنهما قالا: «المعني بـ»الخبيث«المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطيب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله». ووجّهه بقوله: «واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ﴿يغلبون﴾، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى -على هذا التأويل-: ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ إلى قوله: ﴿في جهنم﴾ مترتب على ما رُوي عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار»

سورة التوبة — الآية ٣٣

عن عدي بن حاتم، قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ، فقال: «يا عديُّ، أسلِمْ تسلمْ». فقلتُ: إنِّي مِن أهل دينٍ. قال: «أنا أعلمُ بدينك منك». فقلت: أنت أعلم بديني مِنِّي؟ قال: «نعم، ألست مِن الرَّكُوسية، وأنت تأكل مِرباع قومك؟». قلتُ: بلى. قال: «فإنّ هذا لا يَحِلُّ لك في دينك». قال: فلم يعدُ أن قالها فتواضعتُ لها، قال: «أما إنِّي أعلمُ ما الذي يمنعك من الإسلام؛ تقول: إنّما اتَّبعه ضَعَفَةُ الناس ومَن لا قُوَّةَ له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحِيرة؟». قلت: لم أرَها، وقد سمعتُ بها. قال: «فوالذي نفسي بيده، لَيُتِمَنَّ اللهُ هذا الأمرَ، حتى تخرج الظَّعِينَةُ من الحِيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولَتُفْتَحَنَّ كنوزُ كسرى بن هرمز». قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم، كِسْرى بن هُرْمُز، ولَيُبذَلنَّ المالُ حتى لا يقبله أحد». قال عدي بن حاتم: فهذه الظَّعينة تخرج من الحِيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمَن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لَتَكُونَنَّ الثالثةُ؛ لأنّ رسول الله ﷺ قد قالها

سورة المائدة — الآية ١٠٣

عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سلمان- ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾: أمّا البحيرة: فكانت الناقة إذا نتجوها خمسة أبطن، نحروا الخامس إن كان سَقْبًا، وإن كان رُبَعَةً شقوا أذنها واستحيوها، وهي بحيرة، وأما السَّقْب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة أو نتجوها ميتًا فرجالهم ونساؤهم فيه سواء يأكلون منه. وأما السائبة: فكان يُسَيِّب الرجل من ماله من الأنعام، فيُهْمَل في الحِمى، فلا ينتفع بظهره، ولا بولده، ولا بلبنه، ولا بشعره، ولا بصوفه. وأما الوصيلة: فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحوا السابع إذا كان جديًا، وإن كان عناقًا استحيوه، وإن كان جديًا وعناقًا استحيوهما كليهما، وقالوا: إنّ الجدي وصلته أخته، فحرَّمته علينا. وأما الحامي: فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده، قالوا: قد حمى هذا ظهرَه، وأحرز أولاد ولده. فلا يركبونه، ولا يمنعونه من حمى شجر، ولا حوض ما شرع فيه، وإن لم يكن الحوض لصاحبه، وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم، لا إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نتجوا، ولا إن باعوا؛ ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾ إلى قوله: ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾

سورة الأعراف — الآية ١٥٧

عن خُبَيبِ بن سليمان بن سَمُرَةَ، عن أبيه، عن جدِّه: أنّ النبيَّ ﷺ أتاه رجلٌ من الأعراب يسْتَفْتِيه عن الرجل؛ ما الذي يحِلُّ له والذي يحرُمُ عليه في ماله، ونُسُكه، وماشيته، وعِتْرِه، وفَرَعِه مِن نتاج إبله وغنمه؟ فقال له رسول الله ﷺ: «أُحِلُّ لك الطيبات، وأُحَرِّمُ عليك الخبائثَ، إلّا أن تفتقرَ إلى طعامٍ فتأكُلَ منه حتى تستغنيَ عنه». قال: ما فقري الذي آكُلُ ذلك إذا بلَغتُه؟ أم ما غِناي الذي يُغنيني عنه؟ قال: «إذا كنتَ ترجو نتاجًا فتبلَّغْ إليه بلحوم ماشيتِك إلى نتاجِك، أو كنتَ ترجو عَشاءً تُصيبُه مُدْرِكًا فتبلَّغْ إليه بلحومِ ماشيتِك، وإذا كنتَ ترجو فائدةً تنالُها فتبلَّغْها بلحومِ ماشيتِك، وإذا كنتَ لا ترجو من ذلك شيئًا فأَطْعِمْ أهلك ما بدا لك حتى تستغنيَ عنه». قال الأعرابيُّ: وما غنائي الذي أدعُه إذا وجَدتُه؟ قال: «إذا رَوَيْتَ أهْلَكَ غَبُوقًا من اللبنِ فاجتنِبْ ما حُرِّم عليك مِن الطعام، وأمّا مالُك فإنّه مَيْسورٌ كلُّه، ليس منه حرامٌ، غيرَ أن نتاجك مِن إبلِك فَرَعًا، وفي نتاجِك من غنمِك فَرَعًا، تغذوه ماشيتُك حتى تستغنيَ، ثم إن شئتَ فأطعِمْه أهلَك، وإن شئتَ تصدَّقْ بلحمِه». وأمَره أن يَعْتِرَ من الغنمِ في كلِّ مائةٍ عشرًا