قال ابنُ القيم (١‏/‏٤٣٧): «إن قيل: ها هنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾، فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلِف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أحد، وكان إمدادًا مُعَلقًّا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد. وهذا قول الضحاك، ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا﴾ [آل عمران:١٢٣-١٢٥] إلى أن قال: ﴿وما جعله الله﴾ أي: هذا الإمداد ﴿إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوا أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا، وأقوى لنفوسهم وأسَرّ لها من أن يأتي به مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحُد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران:١٢١] ثم قال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾، فذَكَّرَهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أُحُد، وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى. وهذا بخمسة آلاف، وإمداد بدر بألف. وهذا مُعلَّق على شرط، وذلك مطلق. والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحُد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿ويأتوكم من فورهم هذا﴾ [آل عمران:١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قوله: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تعملون﴾ على قولين: الأول: أنّ «ما» مصدرية، والمعنى: والله خلقكم وعملَكم. والثاني: أنّ «ما» موصولة، والمعنى: والله خلقكم والذي تعملونه. وزاد ابنُ عطية (٧‏/‏٢٩٩) قولين آخرين، وهما: الثالث: أنّ «ما» نافية، والمعنى: والله خلقكم وأنتم لا تعملون شيئًا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على شيء. والرابع: أنّ «ما» استفهاميّة. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏٢٩٩) على القول الأول -وهو قول جماعة من المفسرين-، فقال: «هذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وذلك موافق لمذهب أهل السنة في ذلك». وعلَّقَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٧٥) على القول الثاني بقوله: «معنى الكلام عند ذلك: واللهُ خلقكم والذي تعملونه، أي: والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب، والنحاس، والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم، وهذا المعنى الثاني قصد -إن شاء الله- قتادة بقوله:... بأيديكم». وبيَّن ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٦ بتصرف) أنّ القولين الأول والثاني متلازمان، ولكنه مال إلى الأول، فقال: «كلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد... عن حذيفة مرفوعًا، قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته»». ورجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏٣٧٠-٣٧٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، ونظائرها في القرآن، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، قال ابنُ القيم: «ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ أنها مصدرية، واحتجوا بها على خلق الأعمال، وليست مصدرية، وإنما هي موصولة، والمعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام، فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله، ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم؛ إذ يكون المعنى: أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟ فأي معنى في هذا، وأي حجة عليهم؟ والمقصود أنه كثيرًا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء. والصواب أنها موصولة، وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة... فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام، وبين أنها لا تستحق العبادة، ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترْك عبادته، وأن ما هو في معرض الإنكار عبادةُ من لا يستحق العبادة. فلو أنه قال: لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون. لتعينت المصدرية قطعًا، ولم يحسن أن يكون بمعنى: الذي؛ إذ يكون المعنى: كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم، فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق. فهذا وِزان ما قرروه مِن كونها مصدرية. فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادةَ مَن لا يستحق العبادة، فلا بُدَّ أن يبين فيه معنًى ينافي كونه معبودًا، فبيَّن هذا المعنى بكونه مخلوقًا له، ومَن كان مخلوقًا مِن بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يُعْبَد ولا تليق به العبادة، وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠] كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة، فهذا يبين المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله في سورة الأعراف [١٩٤]: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أي: هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق. وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه مِن حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: ﴿وما لِيَ لا أعبد الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس:٢٢] فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك، وهي كونه خالقًا لعابده فاطرًا له، وهذا إنعام منه عليه؛ فكيف يترك عبادته؟! ولو كان هذا هو المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم. فتأمله فإنه واضح». ثم بيَّن كيف يستدل بالآية على خلق الله لأعمال العباد، فقال: «ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير: أنّ الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها، وهي إنما صارت أصنامًا بأعمالهم، فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم، فإذا كان سبحانه هو الخالقُ اقتضى صِحَّة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها، أعني: مادتها وصورتها، فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أنّ مادتها كذلك لزم أن يكون خالقًا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة؛ لأنه متولد عن نفس حركاتهم، فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له، وهذا أحسن استدلالًا وألطف من جعل»ما«مصدرية، ونظيره من الاستدلال سواء قوله: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ وخَلَقْنا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١-٤٢]، والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن، وقد أخبر أنها مخلوقة، وهي إنما صارت سفنًا بأعمال العباد، ونظير هذا الاستدلال أيضًا قوله تعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١] والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم، وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها، وإنما صارت سرابيل بعملهم، ونظيره: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وجَعَلَ لَكُمْ مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٨٠] والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام، وإنما صارت بيوتًا بعملهم. فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة. قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها، وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال. والله أعلم. فالأولى أن تكون»ما«موصولة، أي: والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، لا آلهة شركاء معه، فأخبر أنه خلق معمولهم، وقد حله عملهم وصنعهم، ولا يقال:»المراد مادته«فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولًا بعد عملهم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٣٤٨-٣٥١)، وضعَّفَ القول الأول جدًّا، بل غلَّطه

سورة النساء — الآية ١٢

قال مالك بن أنس: الأمرُ المُجْتَمَعُ عليه عندنا، الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا: أنّ الكلالة على وجهين: فأمّا الآيةُ التي أُنزِلت في أوَّل سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، فهذه الكَلالةُ التي لا يرث فيها الإخوةُ لِلْأُمِّ حتى لا يكون ولد ولا والد. وأمّا الآيةُ التي في آخر سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (١٧٦)﴾، قال مالك: فهذه الكلالة التي تكون فيها الإخوة عَصَبَةٌ إذا لم يكن ولد، فيرثون مَع الجد في الكلالة، فالجَدُّ يرِث مع الإخوة؛ لأنّه أولى بالميراث منهم، وذلك أنّه يَرِثُ مع ذكور ولد المتوفى السُّدُسَ، والإخوة لا يرثون مع ذكور ولد المُتَوَفّى شيئًا، وكيف لا يكون كأحدهم وهو يأخذ السدس مع ولد المُتَوَفّى؟! فكيف لا يأخذ الثلث مع الإخوة وبنو الأم يأخذون معهم الثلث؟! فالجد هو الذي حجب الإخوة للأم، ومنعهم مكانُه الميراثَ، فهو أولى بالذي كان لهم؛ لأنهم سَقَطُوا من أجله. ولو أنّ الجد لم يأخذ ذلك الثلث أخذه بنو الأم، فإنما أخذ ما لم يكن يرجع إلى الإخوة للأب، وكان الإخوة للأم هم أولى بذلك الثلث من الإخوة للأب، وكان الجدُّ هو أولى بذلك من الإخوة للأُمِّ

سورة النساء — الآية ١٧٦

قال مالك بن أنس: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا، الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا: أنّ الكلالة على وجهين: فأمّا الآية التي أنزلت في أول سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة، أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء:١٢] فهذه الكلالةُ التي لا يَرِثُ فيها الإخوة للأم حتى لا يكون ولدٌ ولا والِدٌ. وأمّا الآيةُ التي في آخر سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين، يبين الله لكم أن تضلوا، والله بكل شيء عليم﴾؛ قال مالك: فهذه الكلالةُ التي تكون فيها الإخوة عصبةٌ إذا لم يكن ولد، فيرثون مع الجد في الكلالة، فالجدُّ يرِث مع الإخوة، لأنّه أولى بالميراث منهم، وذلك أنّه يرِث مع ذكور ولد المُتَوَفّى السدسَ، والإخوة لا يَرِثُون مع ذكور ولد المُتَوَفّى شيئًا. وكيف لا يكون كأحدهم وهو يأخذ السدس مع ولد المتوفى؟! فكيف لا يأخذ الثلث مع الإخوة وبنو الأم يأخذون معهم الثلث؟! فالجدُّ هو الذي حجب الإخوة للأم، ومنعهم مكانُه الميراثَ، فهو أولى بالذي كان لهم؛ لأنهم سقطوا من أجله، ولو أنّ الجد لم يأخذ ذلك الثلثَ أخذه بنو الأم، فإنّما أخذ ما لم يكن يرجع إلى الإخوة للأب، وكان الإخوة للأم هم أولى بذلك الثلث من الإخوة للأب، وكان الجدُّ هو أولى بذلك من الإخوة للأم

سورة هود — الآية ٨١

قال سفيان الثوري: لما جاء الرسل إلى لوط تبعهم أهل قريته، وكان لهم جمال، فلم يقولوا لهم شيئًا، فلما دخلوا على لوطٍ، ورأوا مَوْجِدَةَ لوط عليهم، وما قد دخله مِن خَشْيَتِهم؛ قالوا: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. فلما دنوا أخذوا التراب، فرموهم به، ففَقَئُوا أعينَهم، فذلك قوله: ﴿فطمسنا أعينهم﴾، فرجعوا إلى أصحابهم وهم يقولون: سِحْرٌ سحرونا. فقال لوط للرُّسُل: الآنَ الآنَ. يعني: هلاكهم، فقالوا: ﴿إن موعدهم الصبح﴾ -فقال ابن عباس: ثلاثة أحرف في القرآن لا يحفظون، ألا ترى أنّه قول الله: ﴿أليس الصبح بقريب﴾، والحرفان الآخران، ثم أتبعهم ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذله﴾ قال الله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل:٣٤]. وقول ليوسف: ﴿ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ فقال له مَلَكٌ مِن الملائكة: ولا حين هممت قال: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ [يوسف:٥٢] فرجع.- فرفع جبريل عليه السلام القريةَ بجناحه، فدَحْدَها وما فيها، حتى أسمع أهل السماء الدنيا أصواتهم، ثم قلبها، ثُمَّ تتبع مَن شَذَّ منهم بالحجارة

سورة العلق — الآية ٥

قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد الحرام، فإذا أبو جهل يُقَلِّد إلهه الذي يعبده طوقًا مِن ذهب، وقد طيّبه بالمسك، وهو يقول: يا هُبَل، لكلّ شيء سكن، ولكلّ خير جزاء، أما وعِزّتك لَأَسُرَّنَّكَ القابل. وذلك أنه كان وُلد له في تلك السنة ألف من الإبل، وجاءه عِير مِن الشام، فربح عشرة آلاف مثقال مِن الذهب، فجعل ذلك الشكر لهُبل، وهو صنم كان في جوف الكعبة، طوله ثمانية عشر ذراعًا، فقال رسول الله ﷺ: «ويحك، أعطاك إلهك وشكرتَ غيره! أما -واللهِ- إنّ لله فيك نِقمة، فانظر متى تكون. ويحك، يا عمّ، أدعوك إلى الله وحده، فإنه ربّك وربّ آبائك الأولين، وهو خَلقك ورزقك، فإنّ اتبعتني أصبت الدنيا والآخرة». قال له: واللّاتِ والعُزّى وربّ هذه البنية، لئن لم تنته عن مقالتك هذه؛ فإن وجدتُك هاهنا وأنت تعبد غير آلهتنا لأسفعنّك على ناصيتك -يقول: لأُخرجنّك على وجهك-، أليس هؤلاء بناته؟! قال: «وأنى يكون له ولد؟!». فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ والنبي ﷺ يومئذ بالأراك ضُحى

سورة البقرة — الآية ٢٥٦

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار يُقال له: أبو الحُصين. كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتَنَصَّرا، فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما رسول الله ﷺ، فقال: إنّ ابنيَّ تنصَّرا وخرجا، فأطْلُبُهما؟ فقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾. ولم يؤمَرْ يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال: «أبْعَدَهما اللهُ، هُما أوَّلُ مَن كفر». فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي ﷺ حين لم يبعث في طلبهما؛ فنزلت: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء:٦٥] الآية. ثم نُسِخَ بعد ذلك: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وأُمِرَ بقتال أهل الكتاب في سورة براءة

سورة التوبة — الآية ١٢٨

عن أبي بن كعب -من طريق أبى العالية-: أنّهم جمعوا القرآنَ في مصحفٍ في خلافة أبي بكر، فكان رجالٌ يكتبون، ويُمِلُّ عليهم أبيُّ بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾. فظنُّوا أنّ هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبيُّ بن كعب: إنّ النبيَّ ﷺ قد أقرأنى بعدَ هذا آيتين: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾. فهذا آخر ما نزل من القرآن. قال: فختم الأمر بما فتح به؛ بـ: لا إله إلا الله. يقول الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء:٢٥]

سورة الأنبياء — الآية ٢٥

عن أُبَيِّ بن كعب: أنّهم جمعوا القرآنَ في مصاحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون، ويُمْلِي عليهم أُبَيُّ بن كعب، فلمّا انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [التوبة:١٢٧]، فظنوا أنّ هذا آخر ما أنزل من القرآن، فقال لهم أبيُّ بن كعب: إنّ رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ إلى ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة:١٢٨-١٢٩]. ثم قال: هذا آخِرُ ما أُنزِلَ من القرآن. قال: فَخُتِمَ بما فُتِحَ به بـ: الله الذي لا إله إلّا هُوَ، وهو قول الله -تبارك وتعالى-: ‹وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ› [الأنبياء:٢٥]

سورة الأحزاب — الآية ١١

قال يحيى بن سلّام: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ كان الله أنزل في سورة البقرة: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ قال الله: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فلما نزلت هذه الآية قال أصحاب النبيِّ ﷺ: ما أصابنا هذا بعدُ. فلما كان يوم الأحزاب أنزل الله: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهُمْ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ وأنزل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا * هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾