اختلفت القَرَأَة في قراءة قوله تعالى: ﴿نَتَّخِذَ﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿نَتَّخِذَ﴾ بفتح النون، وكسر الخاء. الثانية: ‹نُتَّخَذ› بضم النون، وفتح الخاء. وذكر ابنُ عطية (٦/٤٢٥) أن أصحاب القراءة الأولى «ذهبوا بالمعنى إلى أنه مِن قول مَن يعقل، وأنّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبأ [٤٠-٤١]: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾، وكقول عيسى عليه السلام: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧]». ووجَّه ابنُ عطية القراءة الأولى بقوله: «و﴿مِن أوْلِياءَ﴾ -على هذه القراءة- في موضع المفعول به». وعلَّق على أصحاب القراءة الثانية بقوله: «وتذهب هذه مذهب مَن يرى أن المُوقَف المُجيبَ الأوثان». ثم انتقدها قائلًا: «ويضعف هذه القراءة دخول ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾، اعترض بذلك سعيد بن جبير، وغيره»
عن مجاهد بن جبر، قال: اجتمعت قريشٌ، فبعثوا عُتبة بن ربيعة، فقالوا: ائْتِ هذا الرجل، فقل له: إنّ قومك يقولون: إنّك جئتَ بأمر عظيم، ولم يكن عليه آباؤنا، ولا يتَّبعك عليه أحدٌ مِنّا، وإنّك إنّما صنعتَ هذا أنّك ذو حاجة، فإن كنتَ تريد المال فإنّ قومك سيجمعون لك ويعطونك، فدع ما ترى، وعليك بما كان عليه آباؤك. فانطلق إليه عتبة، فقال له الذي أمروه، فلما فرغ من قوله وسكتْ قال رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقرأ عليه من أولها حتى بلغ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت:١-١٣]. فرجع عتبةُ، فأخبرهم الخبر، وقال: لقد كلَّمني بكلامٍ ما هو بشعر، ولا بسحر، وإنه لكلام عجيب، ما هو بكلام الناس. فوقعوا فيه، وقالوا: نذهب إليه بأجمعنا. فلمّا أرادوا ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ، فعمد لهم حتى قام على رءوسهم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾. فضرب اللهُ بأيديهم على أعناقهم، فجعل مِن بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا، فأخذ ترابًا، فجعله على رءوسهم، ثم انصرف عنهم، ولا يدرون ما صَنع بهم، فلمّا انصرف عنهم رأوا الذي صَنع بهم، فعجبوا، وقالوا: ما رأينا أحدًا قط أسحر منه! انظروا ما صَنع بنا!
عن أُبي بن كعب -من طريق أبي إدريس- أنه كان يقرأ: (إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ، ولَوْ حَمِيتُمْ كَما حَمُواْ لفَسَدَ المَسْجِدُ الحَرامُ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ). فبلغ ذلك عمرُ، فاشتدّ عليه، فبعث إليه، فدخل عليه، فدعا ناسًا مِن أصحابه فيهم زيد بن ثابت، فقال: مَن يقرأ منكم سورةَ الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلّظ له عمر، فقال أُبَيّ: أأتكلّم؟ قال: تكلّم. فقال: لقد علمتَ أنّي كنتُ أدخل على النبيِّ ﷺ ويُقرئني وأنت بالباب، فإنْ أحببتَ أنْ أُقرئ الناس على ما أقرأني أقرأتُ، وإلا لم أُقرئ حرفًا ما حييتُ. قال: بل أقْرِئ الناس
عن أُبيّ بن كعب، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إنّ الله أمرني أنْ أقرأ عليك». فقرأ عليّ: «﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، إن الدّين عِند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليَهُودِيَّة ولا النَّصْرانِيَّة، ومن يفعل خيرًا فَلَنْ يُكفره». قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها، ثم قرأ: (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن مّالٍ لَّسَأَلَ وادِيًا ثانِيًا ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ). قال: ثم ختم بما بقي من السورة
ذكر ابنُ عطية (٥/١٦٨-١٦٩) أنّ مَن قال بأنّ حروف أوائل السور هي مثال لحروف المعجم، قال: الإشارة هنا بـ﴿تلك﴾ هي إلى حروف المعجم، ثم وجَّه قولهم بقوله: «ويَصِحُّ على هذا أن يكون ﴿الكِتابِ﴾ يراد به: القرآن، ويصح أن يراد به: التوراة والإنجيل. و﴿المر﴾ على هذا ابتداءٌ، و﴿تِلْكَ﴾ ابتداء ثان، و﴿آياتُ﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول... قوله تعالى: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾: ﴿الَّذِي﴾ رفع بالابتداء، و﴿الحَقُّ﴾ خبره». ثم وجَّه قول ابن عباس بقوله: «وعلى قول ابن عباس في ﴿المر﴾ تكون ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، و﴿آياتُ﴾ بدلًا منه، ويصح في ﴿الكِتابِ﴾ التأويلان اللذان تقدَّما... وعلى قول ابن عباس يكون ﴿الذي﴾ عطفًا على ﴿تلكَ﴾، و﴿الحقُّ﴾ خبر ﴿تلكَ﴾»
ذكر ابنُ عطية (٨/٢١٧) أنه اختُلف هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز على معنى أن أثر الصنعة فيها تنبه الرائي على التسبيح؟ ونقل عن الزّجّاج وغيره أنهم قالوا: إن القول بالحقيقة أحسن. ثم علَّق بقوله: «وهذا كله في الجمادات، وأما ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إنّ تسبيحهم حقيقة». ونقل عن قوم من المفسرين أنّ التسبيح في هذه السورة: الصلاة. وانتقده بقوله: «وهذا قول متكلّف». ثم وجَّهه (٨/٢١٧-٢١٨) بقوله: ""فأما فيمن يمكن منه ذلك فسائغ، وعلى أنّ سجود ظلال الكفار هي صلاتهم، وأما في الجمادات فيقلق، وذلك أنّ خضوعها وخشوع هيئاتها قد يُسمّى في اللغة: سجودًا؛ تجوزًا واستعارة، كما قال الشاعر:ترى الأَكم فيها سُجّدًا للحوافرويبعد أن تُسمّى تلك صلاة إلا على تحامل""
عن محمد بن مَعْن، قال: أتَت امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه إليك وهو يقوم بطاعة الله. فقال لها: جزاك الله خيرًا من مُثْنِيَةٍ على زوجها. فجعلت تُكَرِّر عليه القول، وهو يُكَرِّر عليها الجواب، وكان كعب بن سُور الأَسْدِيُّ حاضرًا، فقال له: اقضِ -يا أمير المؤمنين- بينها وبين زوجها. فقال: وهل فيما ذَكَرَتْ قضاءٌ؟ فقال: إنّها تشكو مُباعَدَة زوجها لها عن فراشها، وتطلب حقها في ذلك. فقال له عمر: أما لِأَن فهمتَ ذلك فاقضِ بينهما. فقال كعب: عَلَيَّ بزوجها. فأُحضِر، فقال: إنّ امرأتك تشكوك. فقال: أقصّرتُ في شيء من نفقتها؟ قال: لا. فقالت المرأة: يا أيها القاضي الحليمُ رُشْدُهْ ألْهى خليلِي عن فِراشي مسجِدُهْ نهــاره وليله ما يَرْقُدُه فلست في حكم النساء أحمَدُهُ زهَّدَهُ في مَضْجَعِي تعبّدُهْ فاقْضِ القضا يا كعب لا تُردِّدُهُ فقال زوجها: زهَّدني في فَرْشِها وفي الحَجَلْ أنِّي امرؤ أزهدني ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطُّوَل وفي كتاب الله تخويف جَلَل فقال كعب: إن خير القاضيَين من عَدَل وقضى بالحق جهرًا وفَصَلْ إنّ لها حقًّا عليك يا رجل تصيبها في أربع لمن عَقَلْ قضية من ربها عز وجل فأعطها ذاك ودع عنك العِلَلْ ثم قال: إنّ الله قد أباح لك النساء أربعًا، فلك ثلاثة أيام ولياليها تعبد فيها ربَّك، ولها يوم وليلة. فقال عمر: واللهِ، ما أدري من أيِّ أمرَيْك أعجب؛ أمِن فهمك أمرَهما، أم من حكمك بينهما؟! اذهب فقد ولَّيْتُك قضاء البصرة
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نزلت براءةُ بَعَثَ النبيُّ ﷺ أبا بكر الصديق على حَجِّ الناس، وبعث معه ببراءة مِن أول السورة إلى تسع آيات. فنزل جبريل، فقال: يا محمد، إنّه لا يُؤَدِّي عنك إلا رجل منك. ثم أتبعه عليَّ بن أبي طالب، فأدركه بذي الحُلَيْفَة على ناقة رسول الله ﷺ، فأخذها منه، ثم رجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال له: بأبي أنت وأمي، هل أنزل الله فِيَّ مِن شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يُبَلِّغ عني إلّا رجلٌ مِنِّي، أما ترضى -يا أبا بكر- أنّك صاحبي في الغار، وأنّك أخي في الإسلام، وأنّك تَرِدُ عَلَيَّ الحوض يوم القيامة؟». قال: بلى، يا رسول الله. فمضى أبو بكر على الناس، ومضى عليٌّ ببراءة من أول السورة إلى تسع آيات، فقام عليٌّ يومَ النحر بمنًى فقرأها على الناس. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ من العهد غير أربعة أشهر، ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، منهم: خزاعة، ومنهم هلال بن عويمر، وفي مدلج منهم سراقة بن مالك بن [جُشْعُم] الكناني، وفي بني خزيمة بن عامر، وهما حيّان من كنانة، كان النبي ﷺ عاهدهم بالحديبية سنتين، صالح عليهم المخش بن خويلد بن عمارة بن المخش، فجعل الله عز وجل للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ يقول: سيروا في الأرض ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ آمِنين حيثُ شِئتُم، ... ثم جعل مَن لا عهد له أجلُه خمسين يومًا من يوم النحر إلى انسلاخ الـمُحَرَّم
عن يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه، وكثير بن زيد، عن المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: «ليتَه لا ينزل عليّ شيء ينفّرهم عَنِّي». وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودَنَوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغَرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهنّ لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلّها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال: إنّ أبا أُحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا، فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضُوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم، حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتُك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: «قلتُ على الله ما لم يقل!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ [الإسراء:٧٣-٧٥]
اختُلف في المراد بقوله: ﴿ن﴾ على أقوال: الأول: أنّ النُّون: الحوت الذي عليه الأرض. الثاني: أنّ النُّون: الدَّواة. الثالث: حرف من حروف الرحمن. الرابع: لَوح من نور. الخامس: اسم من أسماء السورة. السادس: قَسمٌ أقسم الله به. السابع: حرف من حروف المعجم. ورجَّح ابنُ القيم (٣/١٧٦) القول الأخير، فقال: «الصحيح أنّ ﴿ن﴾ و﴿ق﴾ و﴿ص﴾ من حروف الهجاء التي يَفتتح بها الرّبّ سبحانه بعض السور». ولم يذكر مستندًا. ووجّه ابنُ عطية (٨/٣٦٤-٣٦٥) المراد بالقلم على القول بأنّ ﴿ن﴾ اسم الحوت بأنه القلم الذي خَلَقه الله تعالى وأمره فكَتب الكائنات، وأنّ الضمير في ﴿يسطرون﴾ للملائكة، وعلى القول بأنّ ﴿ن﴾ اسم للدَّواة، فـ﴿القلم﴾ هو المتعارف بأيدي الناس، وأنّ الضمير في ﴿يسطرون﴾ للناس. ثم علَّق على هذا القول بقوله: «فجاء القَسم -على هذا- بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف، وأمور الدنيا والآخرة، فإنّ القلم أخو اللسان، ومَطية الفِطنة، ونعمة من الله عامة». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/١٤٥) -مستندًا إلى السنة- أنّ القلم المُقسَم به هو ما كُتب به القدَر، فقال: «وأما القلم: فهو القلم المعروف، غير أنّ الذي أقسم به ربنا من الأقلام: القلم الذي خَلَقه الله -تعالى ذِكْره-، فأمره فجَرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة». ثم ساق الأحاديث في ذلك. ورجَّح ابنُ كثير (١٤/٨٣) -مستندًا إلى النظائر- أنّ المراد بالقلم: جنس القلم، فقال: «وقوله: ﴿والقلم﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يُكتب به، كقوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:٣-٥]، فهو قَسمٌ منه تعالى، وتنبيه لخَلْقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تُنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وما يسطرون﴾»