اختُلف في قوله: ﴿من أنفق﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى: مَن آمن. الثاني: إنفاق المال في جهاد المشركين. واختُلف في الفتح في قوله: ﴿من قبل الفتح﴾ على قولين: الأول: أنه فتح مكة. الثاني: فتح الحديبية. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٣٩٥) -مستندًا إلى السنة- أنّ النفقة هي النفقة في جهاد المشركين، وهو قول قتادة، وأنّ الفتح فتح الحديبية، وهو قول الشعبي، وأبي سعيد الخدري، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يُقال: معنى ذلك: لا يستوي منكم -أيها الناس- مَن أنفق في سبيل الله مِن قبل فتح الحديبية. للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله ﷺ، الذي رويناه عن أبي سعيد الخدري عنه في أهل اليمن، وقاتل المشركين بمن أنفق بعد ذلك، وقاتل». وذكر ابنُ تيمية (٦/٢٠٨) أنّ المراد بالفتح: فتح الحديبية. وذكر ابنُ عطية (٨/٢٢٣) أنّ القول بأن الفتح: فتْح مكة؛ هو المشهور، فقال: «وهذا هو المشهور الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». وقال له رجل بعد فتح مكة: أُبايعك على الهجرة. فقال رسول الله ﷺ: «الهجرة قد ذهبت بما فيها، وإنّ الهجرة شأنها شديد، ولكن أبايعك على الجهاد»». وذكر أنّ أكثر المفسرين على أن قوله: ﴿يستوي﴾ مسند إلى ﴿مَّنْ﴾، وترك ذكر المعادل الذي لم يستوي معه؛ لأن قوله تعالى: ﴿من الذين أنفقوا من بعد﴾ قد فسّره وبيّنه. ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون فاعل ﴿يستوي﴾ محذوفًا تقديره: لا يستوي منكم الإنفاق. ثم علَّق بقوله:»ويؤيد ذلك أنّ ذكره قد تقدم في قوله: ﴿وما لكم ألا تنفقوا﴾، ويكون قوله: ﴿من أنفق﴾ ابتداء وخبره الجملة الآتية بعد""
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحًا -أي: الله فتح له مالًا-، فمات، فورثه ابنٌ له تافه -أي: فاسد-، فكان يعملُ في مال أبيه بمعاصي الله، فلمّا رأى ذلك إخوانُ أبيه أتوا الفتى، فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى، فباع عقاره بصامت، ثم رحل، فأتى عينًا ثجّاجة، فسرّح فيها مالَه، وابتنى قصرًا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ شَمَلت عليه ريحٌ بامرأة مِن أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، فقالت: مَن أنتَ، يا عبد الله؟ قال: أنا امرؤ من بني إسرائيل. قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ قال: نعم. قالت فهل لك مِن زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيشُ ولا زوجة لك؟! قال: قد كان ذلك، فهل لكِ مِن بعل؟ قالت: لا. قال: فهل لكِ أن أتزوجك؟ قالت: إنِّي امرأةٌ منك على مسيرة ميل، فإذا كان غد فتزوَّد زادَ يوم وأْتني، وإن رأيتَ في طريقك فلا يهولنك. فلما كان من الغد تزوَّد زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شابٌّ مِن أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس أرَجًا، فقال: مَن أنتَ، يا عبد الله؟ قال: أنا الإسرائيلي. قال: فما حاجتُك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقتَ، فهل رأيتَ في طريقك هولًا؟ قال: نعم، ولولا أخبرتني أن لا بأس عَلَيَّ لهالني الذي رأيتُ. قال: أقبلتُ حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحةٍ فاها، ففزعتُ، فوثبتُ، فإذا أنا مِن ورائها، وإذا جراؤها ينبحْن على صدرها. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون آخر الزمان؛ يُقاعد الغلام المشيخة، فيغلبهم على مجلسهم، ويَبُزُّهم حديثهم. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة أعْنُز حُفَّل، وإذا فيها جَدْيٌ يمصُّها، فإذا أتى عليها فظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظنَّ أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر، فأعجبني غصنٌ من شجرة منها ناضر، فأردت قطعَه، فنادتني شجرةٌ أخرى: يا عبد الله، مِنِّي فخُذْ. حتى ناداني الشجرُ أجمع: يا عبد الله، مِنّا فخُذْ. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ يقلُّ الرجال، ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشرة والعشرون إلى أنفسهن. قال: ثم أقبلتُ، حتى انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجلٍ قائم على عينٍ، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدَّعوا عنه صبَّ في جرَّته، فلم تعلق جرَّته مِن الماء بشيء. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ القاضي يعلم الناس العلمَ، ثم يخالفهم إلى معاصي الله. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعَنز، وإذا قوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل آخذ بقرنيها، وإذا رجل آخذ بذنَبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها. فقال: أما العنْز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها فهم يتساقطون مِن عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي قد أخذ بذنَبها فقد أدْبَرَتْ عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يحلبها فبخٍ بخٍ، ذهب ذاك بها. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتَحُ على قليبٍ، كلما أخرج دلوه صبَّه في الحوض، فانساب الماءُ راجعًا إلى القليب. قال: هذا الرجل ردَّ الله عليه صالح عمله فلم يقبله. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذرًا فيستحصِد، فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبِل الله صالح عمله، وأزكاه له. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجلٍ مستلقٍ على قفاه، فقال: يا عبد الله، ادنُ مني، فخُذْ بيدي، وأقعدني، فواللهِ، ما قعدتُ منذ خلقني الله. فأخذتُ بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمرك فقد نفذ، وأنا مَلَك الموت، وأنا المرأةُ التي أتيتك، أمرني الله بقبض روحك في هذا المكان، ثم أصيرك إلى نار جهنم. قال: ففيه نزلت هذه الآية: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾
أفادت الآثار الاختلافَ في تأويل الآية، على خمسة أقوال: أولها: أنّ المعنى: إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حَلَّ لكم مِن غيرهن من النساء. ثانيها: أنّ المعنى: النهي عن نكاح ما فوق الأربع حذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أنّ قريشًا كان الرجلُ منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا، مالَ على مالِ يتيمه الذي في حجره فأنفقه أو تزوج به. فنُهُوا عن ذلك. ثالثها: أنّ المعنى: كما خفتم ألّا تعدلوا في أموال اليتامى؛ فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء، وذلك أنهم كانوا يخافون ألّا يعدلوا في أموال اليتامى، ولا يخافون أن لا يعدلوا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية. رابعها: أنّ المعنى: كما خفتم في أموال اليتامى فخافوا الزِّنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وذلك أنهم كانوا يتَوَقَّوْن أموال اليتامى، ولا يتَوَقَّوْن الزِّنا. خامسها: المراد: وإن خفتم ألا تُقْسِطُوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتُهُنَّ فلا تَنكحِوهن، وانكِحوا أنتم ما حلَّ لكم منهن. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٣٦٧-٣٦٨ بتصرف) القولَ الثالثَ، وهو قول سعيد بن جبير، والسديّ، وقتادة، والضحاك، وقول لابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة؛ استنادًا إلى السياق، وقال: «إنّما قلنا: إنّ ذلك أولى بتأويل الآية لأنّ الله -جل ثناؤه- افتتح الآية التي قبلها بالنهيِ عن أكل أموال اليتامى بغير حقها، وخَلطِها بغيرها من الأموال، فقال -تعالى ذكره-: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهُمْ إلى أمْوالِكُمْ إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا اللهَ في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجبُ عليهم مِن اتقاء الله والتحرّج في أمر النساء مثلُ الذي عليهم مِن التحرُّجِ في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف المَخْلَصُ لهم مِن الجَوْرِ فيهن كما عرَّفهم المخلص لهم مِن الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا -إن أمِنتُمُ الجَوْر في النساء على أنفسكم- ما أبحتُ لكم منهن وحلَّلْتُه مثنى وثُلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجَوْر في أمرهن على أنفسكم في أمر الواحدة، بألّا تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها، ولكن تسرَّوْا مِن المماليك، فإنّكم أحرى ألّا تجوروا عليهن؛ لأنهنَّ أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهنَّ مِن الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقربَ لكم إلى السلامة من الإثم والجور. ففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروكٌ اسْتُغْنِي بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذِكره. فإن قال قائل: فأين جواب قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾؟ قيل: قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، غير أنّ المعنى الذي يدُلُّ على أنّ المراد بذلك ما قُلنا قولُه: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾». وذكر ابنُ عطية (٢/٤٦٥) أنّ أبا عبيدة قال: ﴿خفتم﴾ هنا بمعنى: أيقنتم. وانتَقَدَه مستندًا للغة، فقال: «وما قاله غيرُ صحيح، ولا يكونُ الخوف بمعنى اليقين بوجهٍ، وإنّما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل الظنُّ فيه إلى إحدى الجهتين. وأمّا أن يصل إلى حد اليقين فلا»
عن ابن عباس، قال: لَمّا أهبط الله آدمَ إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، وهو مثل الفُلكِ من رِعْدَته، فطَأْطَأَ اللهُ منه إلى ستين ذراعًا، فقال: يا رب، مالي لا أسمع أصوات الملائكة، ولا حسَّهم؟ قال: خطيئتك، يا آدم، ولكن اذهب فابنِ لي بيتًا، فطُفْ به، واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي. فأقبل آدمُ يتَخَطّى، فطُوِيَت له الأرض، وقَبَضَ الله له المَفاوِز، فصارت كلُّ مَفازَةٍ يمر بها خطوة، وقَبَضَ اللهُ ما كان فيها من مَخاض أو بحر، فجعله له خطوة، ولم يَقَع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانًا وبركة، حتى انتهى إلى مكة، فبنى البيت الحرام، وإنّ جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أُسٍّ ثابت على الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكةُ الصخر، ما يُطِيق الصخرةَ منها ثلاثون رجلًا، وإنَّه بناه من خمسة أجبل؛ من لبنان، وطور زَيتا، وطور سينا، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول مَن أسس البيت وصلى فيه وطاف آدم عليه السلام، حتى بعث الله الطوفان، وكان غضبًا ورجسًا، فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم عليه السلام، ولم يقرب الطوفانُ أرض السند والهند، فدَرَس موضعَ البيت في الطوفان، حتى بعث الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فرفعا قواعده وأَعْلامَه، ثم بَنَتْهُ قريشٌ بعد ذلك، وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط ما سقط إلا عليه
قال مقاتل بن سليمان:... وطلب داودُ نصفَ مال طالوت، ونصفَ ملكه؛ فحَسَدَهُ طالوتُ على صنيعه، وأخرجه. فذهب داود حتّى نزل قريةً مِن قُرى بني إسرائيل، ونَدِم طالوتُ على صنيعه، فقال في نفسه: عمدت إلى خير أهل الأرض، بعثه الله عز وجل لقتل جالوت، فطردتُه، ولَمْ أفِ له. وكان داودُ عليه السلام أحبَّ إلى بني إسرائيل من طالوت، فانطلق في طلب داود، فطَرَقَ امرأةً ليلًا مِن قدماء بني إسرائيل تعلمُ اسمَ الله الأعظم وهي تبكي على داود، فضرب بابها، فقالت: مَن هذا؟ قال: أنا طالوت. فقالت: أنت أشقى الناسِ وأشرُّهم، هل تعلمُ ما صنعتَ؟! طردتَ داود النبيَّ ﷺ، وكان أمره مِن الله عز وجل، وكانت لك آيةٌ فيه مِن أمر الدرع، وصفة أشماويل، وظهوره على جالوت، وقتل الله عز وجل [به] أهلَ الأوثان فانهزموا، ثُمَّ غَدَرْتَ بداود وطَرَدتَه! هلكتَ، يا شَقِيُّ. فقال لها: إنّما أتيتُك لأسالكِ: ما توبتي؟ قالت: توبتُك أن تأتي مدينة بَلْقاءَ، فتقاتل أهلَها وحدك، فإن افْتَتَحْتَها فهي توبتُك. فانطلق طالوتُ، فقاتل أهل بَلْقاءَ وحده، فقُتِل. وعمدت بنو إسرائيل إلى داود عليه السلام، فرَدُّوه، ومَلَّكُوه، ولم يَجْتَمِعْ بنو إسرائيل لِمَلِكٍ قط غير داود عليه السلام، فكانوا اثني عشر سِبْطًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مَلِكٌ بينهم، فذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾
على هذا القول فتوبة المحارب قبل القدرة عليه تضع عنه تبعات الدنيا التي لزمته في أيام حربه وحرابته، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٤٠١) هذا القول الذي قاله مالك، والزهري، والقرظي، وسعيد بن جبير، وعطاء من طريق بن معقل مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادًا، جماعة كانوا أو واحدًا، فأما المستخفي بسرقته، والمتلصص على وجه إغفال من سرقه، والشاهر السلاح في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع؛ فإنّ حكم الله عليه -تاب أو لم يتب- ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليه بدم أو خَتَل مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْم ثم صار لهم حربًا أنّ حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا لله -عزَّ ذكره- ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣/١٥٨-١٥٩). وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/١٩٨) مستندًا إلى ظاهر الآية، وعمل الصحابة، فقال: «وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة»
اختلف المفسرون في معنى الاعتداءِ المنهيِّ عنه في الآية على أقوال: الأول: أنّ الاعتداء ما همَّ به عثمان بن مظعون مِن جَبِّ نَفْسِه. والثاني: ما هَمَّ به بعض الصحابة رضي الله عنهم من تحريم النساء، والطعام، واللباس، والنوم. والثالث: أنّه تَجاوُز الحلال إلى الحرام. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٦١٥) مستندًا إلى دلالة العموم شمول معنى الاعتداء لكلِّ تلك الأقوال، فقد بيَّن أنّ معنى الاعتداء: تجاوُز المرء مالَه إلى ما ليس له في كل شيء. ثم قال: «وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -تعالى ذِكْرُه- قد عمَّ بقوله: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ النهيَّ عن العدوان كلِّه؛ كان الواجب أن يكون محكومًا لِما عمَّه بالعموم حتى يَخُصَّه ما يجب التسليم له، وليس لأحدٍ أن يتعدّى حدَّ الله -تعالى ذِكْرُه- في شيءٍ من الأشياء مِمّا أحَلَّ أو حرَّم، فمَن تعدّاه فهو داخلٌ في جُمْلَةِ مَن قال -تعالى ذِكْره-: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾. وغيرُ مستحيلٍ أن تكون الآيةُ نزلت في أمر عثمان بن مظعون والرَّهطِ الذين همُّوا من أصحاب رسول الله ﷺ بما همُّوا به من تحريم بعض ما أحلَّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادًا بحكمها كلُّ مَن كان في مثل معناهم مِمَّن حَرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، أو أحلَّ ما حرَّم الله عليه، أو تجاوز حدًّا حدَّه الله له». وعلَّق ابنُ عطية (٣/٢٣٨) على القول الثالث -وهو قول الحسن- بقوله: «فالنهيان على هذا تضَمَّنا الطَّرَفَيْن، فكأنه قال: لا تتشددوا فتُحَرِّموا حلالًا، ولا تَتَرخَّصوا فتُحِلُّوا حرامًا»
ذكر ابنُ جرير (١٣/٢٢٨-٢٢٩) أنّ العِلَّة التي من أجلها أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم تحتمل ثلاثة احتمالات: الأول: ما ذكره الكلبيُّ مِن خشيته أن لا يكون عند أبيه دراهم، فيضر أخذ ذلك منهم به، وأحب أن يرجع إليه. الثاني: أنّه أراد أن يَتَّسع بها أبوه وإخوته مع حاجتهم إليه، فردَّه عليهم مِن حيث لا يعلمون تكرُّمًا وتفضُّلًا. الثالث: أن يتحرجوا مِن أخذ الطعام بلا ثمن فيكون ذلك أدعى لهم إلى العوْد. ونقل ابنُ عطية (٥/١١٣) احتمالًا رابعًا أنّه قيل: إنّ يوسف عليه السلام فعل ذلك ليجعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك، لِيُبَيِّن أنه لم يسرق لِمَن يتأمل القصة. وانتقد الاحتمال الثالث مستندًا للسياق، والدلالة العقلية، فقال: «وهذا ضعيف من وجوه، وسرورهم بالبضاعة وقولهم: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ يكشف أنّ يوسف عليه السلام لم يقصد هذا، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم فيرغبهم في نفسه كالذي كان. وخص البضاعة بعينها دون أن يعطيهم غيرها من الأموال لأنها أوقع في نفوسهم، إذ يعرفون حلها، وماله هو إنما كان عندهم مالًا مجهول الحال، غايته أن يستجاز على نحو استجازتهم قبول الميرة». ثم قال: «ويظهر أنّ ما فعل يوسف من صلتهم، وجبرهم في تلك الشدة كان واجبًا عليه، إذ هو ملك عدل، وهم أهل إيمان ونبوة». ثم رجَّح أنّه أراد استمالتهم وصلتهم، فقال: «والظاهر من القِصَّة أنه إنما أراد الاستئلاف، وصلة الرَّحِم»
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله- أنّه قال: قال في سورة النساء: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)﴾. وقال في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (٨)﴾، ثم قال فيها: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩)﴾. فنسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يسيحون فيها، وأبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنه قال: قال في سورة النساء [٩٠]: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وقال في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، ثم قال فيها: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، فنَسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة:١-٢]، فجَعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون فيها، وأَبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]