اختُلِف في المراد بالضمير في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ على قولين: أولهما: أنّ المراد به: القرآن، والمعنى: بل هذا القرآن آيات بيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم من المؤمنين بمحمد ﷺ. والثاني: أنّ المراد به: النبي ﷺ، والمعنى: بل العلم بأنّ النبيّ ﷺ ما كان يتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا ولا يخطه بيمينه؛ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب؛ لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة. وعلَّقَ ابنُ عطية (٦/٦٥٣) على القول الأول بقوله: «ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود: (بَلْ هِيَ آياتٌ)». وعلَّقَ على القول الثاني، بقوله: «ويؤيده أن قتادة قرأ: (بَلْ هُوَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ) على الإفراد». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/٤٢٧-٤٢٨) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، وقال: «إنما قلت: ذلك أولى التأويلين بالآية. لأنّ قوله: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بين خبرين مِن أخبار الله عن رسوله محمد ﷺ؛ فهو بأن يكون خبرًا عنه أولى مِن أن يكون خبرًا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل». وذَهَبَ ابنُ كثير (١٠/٥٢١) إلى الأول، فقال: «هو الأظهر». ولم يذكر مستندًا. وبنحوه ابنُ القيم (٢/٣٠٢)
اختُلِف في سبب نزول هذه الآية؛ فقال قوم: أنزلها الله احتجاجًا له على أهل الشرك به، لَمّا سألوا البرهان بعد إنزال الله لقوله: ﴿وإلهكم إله واحد﴾. وقال آخرون: بل أنزلها الله على النبي لَمّا سأله المشركون آية. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٨) العمومَ في الآية مُسْتَنِدًا لعدم وجود خبر يقطع بأحد القولين، فقال:«والصواب من القول في ذلك: أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نَبَّه عباده على الدلالة على وحدانيّته، وتفرّده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العُذْر فيُجَوِّز أن يقضي أحدٌ لأحدِ الفريقين بصِحَّةِ قولٍ على الآخر. وأيّ القولين كان صحيحًا فالمراد من الآية ما قلنا»
عَلَّق ابنُ جرير (٣/٦٤٣ بتصرف) فقال: «وهذا الذي قاله السدي قولٌ ممكنٌ أن يكون كما قال، وممكنٌ غيره». ثم انتقده مستندًا لعدم وجود ما يدل عليه، فقال: «ولا دلالة في الآية على صِحَّة ما قال؛ لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ الآية حثًَّا من الله -جل ثناؤه- على الإنفاق على مَن كانت نفقته غير واجبة من الآباء، والأمهات، والأقرباء، ومَن سُمِّي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ [البقرة:١٧٧]». وانتَقَدَه ابنُ كثير (٢/٢٨٣) أيضًا، فقال بعد ذكره: «وفيه نظر». وذكر ابنُ عطية (١/٥١٦) أن المهدوي وهِم على السدي فنسب إليه أنه قال: إنّ الآية في الزكاة المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان
أورد ابنُ عطية (٥/٤٢٩-٤٣٠) في نزول الآية قولين، فقال: «وقوله: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية». وعلَّق على القول بمكيتها بقوله: «والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرُّتَب من الذي يُدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله». ثم انتقده مستندًا إلى السياق، والتاريخ بقوله: «ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضًا فقوله: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تعلَّق بمعنى الآية على ما روى الجمع: أنّ كفار قريش لما مثلوا بحمزة وقع ذلك مِن نفس رسول الله ﷺ، فقال: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين». وفي كتاب النحاس وغيره: «بسبعين منهم». فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن. فنزلت هذه الآية»
وقال الضحاك بن مزاحم: القرآن، والفهم فيه. وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة، وألفُ آيةٍ حلالٌ وحرام، لا يَسَع المؤمنين تركُهن حتى يتعلموهن فيعْلمونهن، ولا تكونوا كأهل نَهْرَوان، تأوَّلوا آيات من القرآن في أهل القبلة، وإنما أنزلت في أهل الكتاب، جهلوا علمها؛ فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال، وشهدوا علينا بالضلالة، فعليكم بعلم القرآن؛ فإنه من عَلِم فيم أنْزَل الله لم يختلف في شيء منه، نفع وانتفع به
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق سليمان الأحول- قال: لَمّا نزلت: ﴿إلّا تنفِروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ [التوبة:٣٩]، و﴿ما كان لأهل المدينة﴾ الآية؛ قال المنافقون: هلك أهلُ البَدْوِ الذين تخلَّفوا عن محمد ﷺ ولم يغزوا معه. وقد كان ناسٌ خرَجوا إلى البدو إلى قومِهم يُفَقِّهونهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية. ونزلت: ﴿والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حُجَّتُهُم داحضة﴾ الآية [الشورى:١٦]
عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «لا يدخُلُ الجنةَ عاقٌّ، ولا مَنّانٌ، ولا مدمنُ خمر». قال ابن عباس: فذهَبْنا ننظرُ في كتاب الله فإذا هم فيه؛ في العاقِّ: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد:٢٢] إلى آخر الآية. وفي المنّان: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة:٢٦٤]. وفي الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿من عمل الشيطان﴾
عن ابن شهاب [الزهري] -من طريق خالد بن حُمَيْدٍ، عن عُقَيْلٍ- قال: كل شيء في القرآن ﴿يا أيها الناس﴾ -ما لم يكن سورة تامة- فإنما أنزل الله ذلك بمكة، وكل شيء في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنما أنزل كله بالمدينة حين اسْتَحْكَم الأمرُ
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في الآية، قال: تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من اليهود، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي ﷺ. فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية
عن عبد الملك ابن جُرَيْجٍ، في قوله: ﴿إنّما الصَّدقاتُ للفُقراء﴾ الآية [التوبة:٦٠]: نَسَخَتْ هذه الآيةُ كلَّ صدقةٍ في القرآن؛ قوله: ﴿وءات ذا القُربى حَقَّه﴾ [الإسراء:٢٦]، وقوله: ﴿إن تُبْدُوا الصَّدقات﴾، وقوله: ﴿وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم﴾ [الذاريات:١٩]