وجَّه ابنُ جرير (٧/٤٤١-٤٤٢) معنى الآية على هذا القول بقوله: «فمعنى قوله: ﴿لم يصلوا﴾ على مذهب هؤلاء: لم يسجدوا بسجودك. ﴿فليصلوا معك﴾ يقول: فليسجدوا بسجودك إذا سجدت، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى، ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ يعني: الحارسة». وانتَقَدَه (٧/٤٤٣) مستندًا لمخالفته الأشهر من اللغة، فقال: «فإن ظنَّ ظانٌّ أنه أريد بقوله: ﴿لم يصلوا﴾: لم يسجدوا؛ فإنّ ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله -جل ثناؤه- إلى الأظهر والأشهر من وجوهها، ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له»
علَّقَ ابنُ عطية (٣/١١٥) على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم مِن أنّ معنى الآية: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾: مُحْدِثِينَ، بقوله: «وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يَتَرَتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ الماء إلى قوله: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾، ودخلت الملامسة الصغرى في قوله: مُحْدِثِين. ثم ذكر بعد ذلك بقوله: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلى آخر الآية حُكْمَ عادِمِ الماء من النوعين جميعًا، وكانت الملامسة هي الجماع ولا بُدَّ؛ لِيَذْكُر الجنبُ العادِم للماء كما ذكر الواجِد، وهذا هو تأويل الشافعي وغيره، وعليه تجيء أقوال الصحابة؛ كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي موسى وغيرهم»
علَّق ابنُ عطية (٨/٢٥٥) على معنى قول مقاتل بقوله: «وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إلى هؤُلاءِ ولا إلى هؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، ومع قوله عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ المنافق مثل الشاة العائِرة بين الغنمين». لأنه مع المؤمنين بقوله، ومع الكافرين بقلبه». ثم ذكر احتمالًا آخر: «أن يكون قوله تعالى: ﴿مّا هُمْ﴾ يريد به: اليهود، وقوله تعالى: ﴿ولا مِنهُم﴾ يريد به: المنافقين». ثم وجَّهه بقوله: «فيجيء فعلُ المنافقين -على هذا التأويل- أخسَّ؛ لأنهم تولَّوا قومًا مغضوبًا عليهم ليسوا مِن أنفسهم، فيلزمهم ذِمامُهم، ولا من القوم المُحِقِّين فتكون الموالاة صوابًا»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿وإدبار النجوم﴾ على قولين: الأول: أنهما ركعتا الفجر. الثاني: صلاة الصبح الفريضة. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٦٠٩-٦١٠ بتصرف) -مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية- القول الثاني الذي قاله الضَّحّاك، وزيد، وعبد الرحمن بن زيد، فقال: «وذلك أنّ الله أمر، فقال: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾، والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين، ولم تقم حجة يجب التسليم لها أنّ قوله: ﴿فسبحه﴾ على الندب، وقد دلّلنا على أن أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب، أو غير الفرض». وذكر ابنُ تيمية (٦/١٢٥-١٢٦) أنه رُوي عن طائفة من السلف أنّ ﴿وأدبار السجود﴾ [ق:٤٠]: الركعتان بعد المغرب، ﴿وإدبار النجوم﴾ [الطور:٤٩]: ركعتا الفجر. ثم علق بقوله: «فإحداهما تشتبه بالأخرى، فقوله: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ إذا فُسّر هذا بالتسبيح دُبُر الصلاة كان اللفظ دالًّا على هذا، والسلف الذين فسّروها بهذا كأنهم -والله أعلم- أرادوا: أنّ أول ما يُكتب في صحيفة النهار ركعتا الفجر، وآخر ما يُرفع ركعتا المغرب، فقد رُوي أنهما ترفعان مع عمل النهار»
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ نزل بين ضَجَنان وعُسْفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم مَيْلَةً واحدة. وأنّ جبريل أتى النبي ﷺ، فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم يأتي الآخرون، ويصلون معه ركعة واحدة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فيكون لهم ركعة ركعة، ولرسول الله ﷺ ركعتان
عن عروة بن الزبير -من طريق الزُّهْرِيِّ- في قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله﴾ إلى آخر الآية، قال: فحدَّثهم اللهُ في كتابه: إنّ القتال في الشهر الحرام حرامٌ كما كان، وإنّ الذي يَسْتَحِلُّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك؛ مِن صدِّهم عن سبيل الله حين يسجنونهم، ويعذبونهم، ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ، وكفرهم بالله، وصدِّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهلَ المسجد الحرام، وهم سكانه من المسلمين، وفَتْنهم إيّاهم عن الدين
عن مصعب بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: افتَتح رسولُ الله ﷺ مكة، ثم انصرَف إلى الطائف، فحاصَرهم ثمانيةً أو سبعة، ثم أوغَل غَدوةً أو رَوحة، ثم نزَل، ثم هجَّرَ، ثم قال: «أيُّها الناس، إنِّي لكم فَرَطٌ، وإنِّي أُوصِيكم بعِتْرتي خيرًا، مَوْعِدُكم الحوض، والذي نفسي بيدِه، لَتُقِيمُنَّ الصلاةَ، ولَتُؤْتُنَّ الزكاة، أو لأَبعَثَنَّ عليكم رجلًا مِنِّي أو كنفسي فليَضْرِبنَّ أعناقَ مُقاتلِيهم، وليَسْبِيَنَّ ذَراريهم». فرَأى الناسُ أنّه يعني أبا بكرٍ أو عمر، فأخَذ بيدِ عليٍّ، فقال: «هذا»
عن عبد الله بن عباس: أن نبهان التمّار أتته امرأة حسناء جميلة تبتاع منه تمرًا، فضرب على عَجِيزتها ثم ندِم، فأتى النبي ﷺ فقال: «إياك أن تكون امرأة غازٍ في سبيل الله»، فذهب يبكي ويصوم ويقوم، فأنزل الله تعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ الآية [آل عمران:١٣٥]، فأخبره، فحمدالله وقال: يا رسول الله هذه توبتي قبلت، فكيف لي بأن يتقبل شكري؟ فنزلت: ﴿وأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ الآية
عن أم هانئ بنت أبي طالب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- في مسرى رسول الله ﷺ أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة، فصلّى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبيل الفجر أهَبَّنا رسول الله ﷺ، فلمّا صلّى الصبح وصلينا معه قال: «يا أُمَّ هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم جئتُ بيتَ المقدس فصلَّيت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين»
عن سفيان بن عيينة أنّه قال: مَن أُعْطِيَ القرآن فمَدَّ عينيه إلى شيء مِمّا صَغَّر القرآنُ فقد خالف القرآن، ألم تسمع قوله: ﴿ولقد ءاتيناك سبعًا من المثاني﴾ إلى قوله: ﴿ورزق ربك خير وأبقى﴾؟! [طه:١٣١] قال: يعني: القرآن، وقوله أيضًا: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ [طه:١٣٢]، قال: وقوله: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ إلى قوله ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [السجدة: ١٦] قال: هو القرآن...