انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٤٨٧) ما قاله قتادةُ في معنى الجِدال في الحج، وأنّه مراد به السِّباب، مُستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «وكذلك لا وجْهَ لقول من تَأَوَّل ذلك أنه بمعنى: السِّباب؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- قد نهى المؤمنين بعضَهم عن سباب بعضٍ على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام في كل حال، فقال ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». فإذا كان المسلمُ عن سبِّ المسلم مَنهِيًّا في كل حال من أحواله، مُحْرِمًا كان أو غير مُحْرِم؛ فلا وجه لأن يُقال: لا تَسُبَّه في حال الإحرام إذا أحرمتَ»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٧٥) قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقتادة، ثم وجَّهه بقوله: «وهذا وجْه من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماءٍ واحد، ولكن تختلف فيما تخرجه». ثم علَّق بقوله: «والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو: أنّها مِن تربة واحدة ونوع واحد، والعبرة في هذا أبْيَن؛ لأنها مع اتفاقها في التربة والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سُئِل عن هذه الآية فقال: «الدَّقَل، والفارسي، والحلو، والحامض»»

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن أبي هريرة، قال: حُرِّمت الخمرُ ثلاثَ مراتٍ؛ قَدِم رسول الله ﷺ وهم يشربون الخمرَ ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما؛ فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية [البقرة:٢١٩]. فقال الناس: ما حُرِّم علينا، إنما قال: ﴿إثم كبير﴾. وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يومٌ من الأيام صلّى رجلٌ مِن المهاجرين، أمَّ أصحابَه في المغرب، خلَط في قراءتِه؛ فأنزل الله أغلظَ منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء:٤٣]. وكان الناس يشربون حتى يأتيَ أحدُهم الصلاةَ وهو مُفيق، ثم نزَلتْ آيةٌ أغلظُ من ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. قالوا: انتهينا، ربَّنا. فقال الناس: يا رسول الله، ناسٌ قُتِلوا في سبيل الله وماتوا على فُرُشِهم؛ كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رِجْسًا من عمل الشيطان. فأنزَل الله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ: «لو حُرِّم عليهم لترَكوه كما ترَكْتم»

سورة الجن — الآية ١

عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجنّ﴾... هو قول الله: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجنّ﴾ [الأحقاف:٢٩]... لم تُحرس السماء في الفَتْرة بين عيسى ومحمد، فلمّا بَعثَ الله محمدًا ﷺ حُرست السماء الدنيا، ورُميت الشياطين بالشُّهب، فقال إبليس: لقد حَدث في الأرض حَدثٌ. فأمَر الجنَّ، فتَفرّقتْ في الأرض لتأتيه بخبر ما حَدَث، فكان أول مَن بَعثَ نفرًا مِن أهل نَصِيبين، وهي أرض باليمن، وهم أشراف الجنّ وسادتهم، فبَعثهم إلى تِهامة وما يلي اليمن، فمَضى أولئك النّفر، فأتَوا على الوادي وادي نخلة، وهو من الوادي مسيرة ليلتين، فوجدوا به نبيَّ الله ﷺ يُصَلِّي صلاة الغَداة، فسَمعوه يتلو القرآن، ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ﴾ يعني: فرغ من الصلاة، ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] يعني: مؤمنين، لم يَعلم بهم نبيُّ الله ﷺ، ولم يَشعر أنه صُرف إليه، حتى أنزل الله عليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجنّ﴾

سورة آل عمران — الآية ١٢٨

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليس لك﴾ يا محمد ﴿من الأمر شيء﴾، وذلك أنّ سبعين رجلًا مِن أصحاب الصُّفَّة فقراء كانوا إذا أصابوا طعامًا فشَبِعُوا منه تَصَدَّقوا بفضله، ثُمَّ إنّهم خرجوا إلى الغزو محتسبين إلى قتال قبيلتين من بني سليم: عصية، وذكوان، فقاتلوهم، فقُتِل السبعون جميعًا، فشقَّ على النبي ﷺ وأصحابه قتلُهم، فدعا عليهم النبي ﷺ أربعين يومًا في صلاة الغداة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾

سورة النساء — الآية ٤٣

عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله عز وجل: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى قوله: ﴿إن الله كان عفوا غفورا﴾، قال: فإن أعْياك الماءُ، فلا يُعْيِيَنَّك الصعيدُ أن تضع فيه كفيه، ثم تنفضهما، فتمسح بهما وجهَك وكفَّيْك، لا تعد ذلك بغسل الجنابة، ولا بوضوء صلاة. فمَن تَيَمَّم الصعيدَ، فصلّى، ثم قدر على الماء بعد ذلك؛ فعليه الغسل، وحسبه صلاته التي كان صلى. ومَن كان معه ماءًا يسيرًا، فخشي الظمأ؛ فليتيمم بالصعيد، وليتَبَلَّغ بمائه الذي معه، وكان أهل العلم يأمرون بذلك

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنّه قال: قال في سورة النساء [٤٣]: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾، وقال في سورة البقرة [٢١٩]: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾، فنُسخت في المائدة، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنْصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

سورة الأنعام — الآية ١٦٠

عن ابن عمرو، أنّ النبي ﷺ قال: «خَصْلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، هما يسيرٌ، ومَن يَعْمَلُ بهما قليل: يُسبِّح الله دُبُرَ كلِّ صلاة عشرًا، ويحمدُ عشرًا، ويكبِّرُ عشرًا، فذلك خمسون ومائةٌ باللسان، وألفٌ وخمسمائة في الميزان، ويُكبِّرُ أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجَعَه، ويَحمدُ ثلاثًا وثلاثين، ويُسبِّحُ ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائةٌ باللسان، وألفٌ في الميزان، وأيُّكم يعمَلُ في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟!»

سورة مريم — الآية ١٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجويبر عن الضحاك- في قوله: ﴿قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويًا﴾، يعني: صحيحًا مِن غير خرس. فحاضت زوجتُه، فلمّا طهُرَت طاف عليها، فاستحملت، فأصبح لا يتكلم، فكان إذا أراد التسبيحَ والصلاةَ أطلق اللهُ لسانه، فإذا أراد أن يكلم الناس اعْتُقِل لسانُه فلا يستطيع أن يتكلم، وكانت عقوبة له؛ لأنّه بُشِّر بالولد، فقال: أنى يكون لي ولد؟! فخاف أن يكون الصوت مِن غير الله

سورة مريم — الآية ٢٩

قال مقاتل بن سليمان: ﴿في المهد﴾ يعني: في حِجْر أمه ملفوفًا في خِرَق ﴿صبيا﴾، فدنا زكريا من الصبي، فقال: تكلَّم -يا صبيُّ- بعذرك إن كان لك عذر. ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ مادُمْتُ حَيًّا (٣١) وبَرًّا بِوالِدَتِي ولم يجعلني جبارا شقيا﴾. فلمّا ذكر الوالدة ولم يذكر الوالد ضَمَّه زكريا إلى صدره، وقال: أشهد أنّك عبدُ الله ورسوله