عن مالك بن أنس -من طريق ابن وهب-: الأمر عندنا: أن ليس على سيِّد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحدٍ مِن الأئمة أكرَه أحدًا على أن يُكاتب عبدَه. وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئِل عن ذلك؛ فقيل له: إن الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾. يتلو هاتين الآيتين: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة:٢]، ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة:١٠]. قال مالك: فإنّما ذلك أمرٌ أذِن اللهُ فيه للناس، وليس بواجب على الناس، ولا يَلْزَمُ أحدًا
عن لقمان بن عامر الخزاعي، قال: جئتُ أبا أُمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي، فقلت: حدِّثني حديثًا سمعتُه مِن رسول الله ﷺ. قال: فدعا لي بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أنّ صخرةً زِنةَ عشر عشراوات قُذِف بها مِن شفير جهنم ما بلغت قَعْرَها خمسين خريفًا، ثم تنتهي إلى غَيٍّ وأثام». قلتُ: وما غَيٌّ وأثام؟ قال: «بِئران في أسفل جهنم، يَسِيلُ فيهما صديدُ أهلِ النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه: ﴿أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾ [مريم:٥٩]، وقوله في الفرقان: ﴿ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾»
قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الصلاة عند مقام إبراهيم ﷺ، فنعس، فقال: «﴿أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى﴾، تلك الغرانيق العلى، عندها الشفاعة ترتجى». فلمّا سمع كُفّار مَكَّة أنّ لِآلهتهم شفاعةً فرِحوا، ثم رجع النبيُّ ﷺ فقال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى﴾ [النجم:١٩-٢٢]، فذلك قوله سبحانه: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾ على لسان محمد ﷺ، ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ مِن الباطل الذي يُلقي الشيطانُ على لسان محمد ﷺ، ﴿والله عليم حكيم﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ يعني: المخلصين بالتوحيد والمخلصات، ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يعني: المصدقين بالتوحيد والمصدقات، ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ يعني: المطيعين والمطيعات، ﴿والصّادِقِينَ﴾ في إيمانهم، ﴿والصّادِقاتِ﴾ في إيمانهن، ﴿والصّابِرِينَ﴾ على أمر الله عز وجل، ﴿والصّابِراتِ﴾ عليه، ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ يعني: المتواضعين والمتواضعات، قال مقاتل: مَن لا يعرف في الصلاة مَن عن يمينه ومَن عن يساره مِن الخشوع لله عز وجل فهو منهم، ﴿والمُتَصَدِّقِينَ﴾ بالمال، ﴿والمُتَصَدِّقاتِ﴾ به، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ من صام شهر رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر؛ فهو من الصائمين؛ فهو من أهل هذه الآية، ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ عن الفواحش، ﴿والحافِظاتِ﴾ من الفواحش
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، قال: إنّ الله بعث نبيَّه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلمّا صدّق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلمّا صدّقوا بها زادهم الصيام، فلما صدَّقوا به زادهم الزكاة، فلما صدَّقوا بها زادهم الحج، فلما صدّقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينَهم، فقال: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قال عبد الله بن عباس: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض، وأصدقه وأكمله: شهادة أن لا إله إلا الله
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، يعني: اشكر الله على ما ذكر في هذه السورة، وما صنع الله عز وجل بك مِن الخير، إذ قال: ألم تكن كذا ففعلتُ بك كذا؟! أُنزِلَتْ هاتين السورتين جميعًا بمكة: ﴿والضُّحى والليل﴾، و﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، فجعل النبي ﷺ يُحدّث بهما سِرًّا إلى مَن يطمئن إليه، ثم أتاه جبريل عليه السلام بأعلى مكة، فدفع الأرض بيديه، فانفجرتْ عينُ ماء، فتوضّأ جبريل عليه السلام ليرى النبيُّ ﷺ وضوء الصلاة، ثم توضّأ النبيُّ ﷺ، فصَلّى به جبريل عليه السلام، فلما انصرف أخبر خديجة، ثم صَلَّتْ مع النبي ﷺ
وجَّه ابنُ جرير (٧/٤٤١-٤٤٢) معنى الآية على هذا القول بقوله: «فمعنى قوله: ﴿لم يصلوا﴾ على مذهب هؤلاء: لم يسجدوا بسجودك. ﴿فليصلوا معك﴾ يقول: فليسجدوا بسجودك إذا سجدت، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى، ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ يعني: الحارسة». وانتَقَدَه (٧/٤٤٣) مستندًا لمخالفته الأشهر من اللغة، فقال: «فإن ظنَّ ظانٌّ أنه أريد بقوله: ﴿لم يصلوا﴾: لم يسجدوا؛ فإنّ ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله -جل ثناؤه- إلى الأظهر والأشهر من وجوهها، ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له»
علَّقَ ابنُ عطية (٣/١١٥) على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم مِن أنّ معنى الآية: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾: مُحْدِثِينَ، بقوله: «وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يَتَرَتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ الماء إلى قوله: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾، ودخلت الملامسة الصغرى في قوله: مُحْدِثِين. ثم ذكر بعد ذلك بقوله: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلى آخر الآية حُكْمَ عادِمِ الماء من النوعين جميعًا، وكانت الملامسة هي الجماع ولا بُدَّ؛ لِيَذْكُر الجنبُ العادِم للماء كما ذكر الواجِد، وهذا هو تأويل الشافعي وغيره، وعليه تجيء أقوال الصحابة؛ كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي موسى وغيرهم»
علَّق ابنُ عطية (٨/٢٥٥) على معنى قول مقاتل بقوله: «وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إلى هؤُلاءِ ولا إلى هؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، ومع قوله عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ المنافق مثل الشاة العائِرة بين الغنمين». لأنه مع المؤمنين بقوله، ومع الكافرين بقلبه». ثم ذكر احتمالًا آخر: «أن يكون قوله تعالى: ﴿مّا هُمْ﴾ يريد به: اليهود، وقوله تعالى: ﴿ولا مِنهُم﴾ يريد به: المنافقين». ثم وجَّهه بقوله: «فيجيء فعلُ المنافقين -على هذا التأويل- أخسَّ؛ لأنهم تولَّوا قومًا مغضوبًا عليهم ليسوا مِن أنفسهم، فيلزمهم ذِمامُهم، ولا من القوم المُحِقِّين فتكون الموالاة صوابًا»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿وإدبار النجوم﴾ على قولين: الأول: أنهما ركعتا الفجر. الثاني: صلاة الصبح الفريضة. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٦٠٩-٦١٠ بتصرف) -مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية- القول الثاني الذي قاله الضَّحّاك، وزيد، وعبد الرحمن بن زيد، فقال: «وذلك أنّ الله أمر، فقال: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾، والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين، ولم تقم حجة يجب التسليم لها أنّ قوله: ﴿فسبحه﴾ على الندب، وقد دلّلنا على أن أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب، أو غير الفرض». وذكر ابنُ تيمية (٦/١٢٥-١٢٦) أنه رُوي عن طائفة من السلف أنّ ﴿وأدبار السجود﴾ [ق:٤٠]: الركعتان بعد المغرب، ﴿وإدبار النجوم﴾ [الطور:٤٩]: ركعتا الفجر. ثم علق بقوله: «فإحداهما تشتبه بالأخرى، فقوله: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ إذا فُسّر هذا بالتسبيح دُبُر الصلاة كان اللفظ دالًّا على هذا، والسلف الذين فسّروها بهذا كأنهم -والله أعلم- أرادوا: أنّ أول ما يُكتب في صحيفة النهار ركعتا الفجر، وآخر ما يُرفع ركعتا المغرب، فقد رُوي أنهما ترفعان مع عمل النهار»