سورة النساء — الآية ١٥٩

عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثًا حَدَّثَناهُ عن الدجال، وحذَّرَناهُ، فكان مِن قوله أن قال: «إنّه لم تكن فتنة في الأرض مُنذُ ذَرَأ الله ذُرِّيَّة آدم أعظمَ مِن فتنة الدجال، وإنّ الله لم يبعث نبيا إلا حذَّر مِن الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارِجٌ فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حَجِيجٌ لكل مسلم، وإن يخرج مِن بعدي فكُلٌّ حَجِيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كُلِّ مسلم. وإنّه يخرج مِن خَلَّةٍ بين الشام والعراق، فيَعِيث يمينًا، ويَعِيث شمالًا. يا عباد الله، فاثبتوا، وإنِّي سأصِفُه لكم صِفَةً لم يَصِفْها إيّاه نبي قَبْلِي، إنّه يبدأ فيقول: أنا نبي. ولا نبي بعدي، ثم يُثَنِّي فيقول: أنا ربُّكم. ولا ترون ربَّكم حتى تموتوا، وإنّه أعور، وإنّ ربكم عز وجل ليس بأعور، وإنّه مكتوب بين عينيه: كافر. يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب. وإنّ من فتنته أنّ معه جنة ونارًا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتُلِي بناره فليستعن بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم. وإنّ مِن فتنته أن يقول لأعرابيٍّ: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمك، أتشهدُ أنِّي ربُّك؟ فيقول له: نعم. فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه؛ فإنّه ربك. وإنّ مِن فتنته أن يُسَلَّط على نفسٍ واحدة، فيقتلها؛ ينشرها بالمنشار حتى يُلْقى شِقَّتَيْن، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإنِّي أبعثه الآن. ثم يزعم أن له ربًّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدوُّ اللهِ الدجالُ، واللهِ، ما كنتُ أشدَّ بصيرةً بِكَ مِنِّي اليوم. وإنّ مِن فتنته أن يأمر السماء أن تُمْطِر فتُمْطِر، ويأمر الأرض أن تُنبِت فتُنبِت. وإنّ مِن فتنته أن يَمُرَّ بالحيِّ فيُكَذِّبونه، فلا يبقى لهم سائمةٌ إلا هَلَكَتْ، وإنّ مِن فتنته أن يَمُرَّ بالحَيِّ فيُصَدِّقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تُنبِت فتُنبِت، حتى تروح مواشيهم مِن يومهم ذلك أسمنَ ما كانت، وأعظمَه، وأَمَدَّه خَواصِر، وأدَرَّه ضُروعًا. وإنّه لا يبقى من الأرض شيءٌ إلا وطِئَه وظَهَر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنّه لا يأتيها مِن نقب مِن نقابها إلا لقيته الملائكةُ بالسيوف صلْتَةً، حتى ينزل عند الظُّرَيْب الأحمر، عند منقطع السَّبَخَة، فترجُفُ المدينةُ بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافقٌ ولا منافقةٌ إلا خرج إليه، فتنفي الخبثَ منها كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ، ويُدْعى ذلك اليوم يوم الخلاص». فقالت أم شَرِيكٍ بنتُ أبِي العَكَرِ: يا رسول الله، فأين العربُ يومئذ؟ قال: «هم قليل، وجُلُّهم ببيت المقدس، وإمامُهم رجل صالح، فبينما إمامُهم قد تقدَّم يُصَلِّي الصبحَ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمامُ يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تَقَدَّمْ، فَصَلِّ؛ فإنّها لك أُقِيمَتْ. فيصلي بهم إمامُهم، فإذا انصرف قال عيسى: أقيموا الباب. فيُفْتَح، ووراءه الدجالُ، معه سبعون ألف يهودي، كلُّهم ذو سيف مُحَلًّى وساجٍ، فإذا نظر إليه الدجالُ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارِبًا، ويقول عيسى: إنّ لي فيك ضربةً لن تسبقني بها. فيدركه عند باب لُدٍّ الشرقي، فيقتله، فيهزم اللهُ اليهودَ، فلا يبقى شيءٌ مِمّا خلق اللهُ يتوارى به يهوديٌّ إلا أنطق اللهُ الشيءَ، لا حجر، ولا شجر، ولا دابة، ولا حائط -إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق- إلا قال: يا عبدَ الله المسلم، هذا يهوديٌّ، فتعالَ، فاقتله». قال رسول الله ﷺ: «وإنّ أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشَّرَرَةِ، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسِي». فقيل له: يا رسول الله، كيف نُصَلِّي في تلك الأيام القِصار؟ قال: «تُقَدِّرون فيها للصلاة كما تُقَدِّرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلُّوا». قال رسول الله ﷺ: «لَيَكُونَنَّ عيسى ابن مريم في أُمَّتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسِطًا، يدُقُّ الصليب، ويذبح الخنزير، ويَضَع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يُسْعى على شاة ولا بعير، وتُرفَع الشحناء والتباغض، وتُنزَع حُمَةُ كلِّ ذاتِ حُمَةٍ، حتى يُدخِلَ الوليدُ يدَه في فِي الحَيَّةِ فلا تَضُرُّه، ويُنَفِّر الوليدُ الأسدَ فلا يضره، ويكون الذئبُ في الغنم كأنه كلبها، وتُمْلَأُ الأرض من السِّلْم كما يُمْلَأُ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً، فلا يُعْبَد إلا الله، وتضع الحربُ أوزارَها، وتُسْلَب قريش مُلْكَها، وتكون الأرض كفاثُورٍ الفضة، تُنبِت نباتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القِطْفِ مِن العِنَب يُشبِعهم، ويجتمع النفر على الرُّمانة فتُشْبِعُهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات». قيل: يا رسول الله، وما يُرخِص الفرس؟ قال: «لا يُرْكَب لحرب أبدًا». قيل له: فما يُغلِي الثور؟ قال: «لِحرث الأرض كُلِّها، وإنّ قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جوعٌ شديد، يأمرُ اللهُ السماءَ أن تَحْبِس ثُلُثَ مطرِها، ويأمر الأرض أن تَحْبِس ثُلُثَ نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتَحْبِس ثُلُثَي مطرها، ويأمر الأرض فتَحْبِس ثُلُثَي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتَحْبِس مطرَها كُلَّه فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرضَ فتَحْبِس نباتها كُلَّه فلا تُنبِت خضراء، فلا تَبْقى ذاتُ ظِلْفٍ إلا هلكت، إلا ما شاء الله». قيل: فما يُعِيشُ الناسَ في ذلك الزمان؟ قال: «التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام»

سورة الصافات — الآية ٥١

عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ كانا شريكين في بني إسرائيل؛ أحدهما مؤمن، والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به شيئًا، أتَّجَرْت به في شيء؟ قال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ قال: اشتريتُ به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار. فقال له المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليلُ فصلّى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم، إنّ فلانًا -يعني: شريكه الكافر- اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، ثم يموت غدًا ويتركها، اللهم، إني أشتري منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين، ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعتَ في مالك أضربت به في شيء، أتَّجرت به في شئ؟ قال: لا. قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقًا بألف دينار يقومون لي فيها، ويعملون لي فيها. فقال المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهمَّ، إنّ فلانًا اشترى رقيقًا مِن رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدًا فيتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم، وإنِّي أشتري منك بهذه الألف دينار رقيقًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين، ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء، أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئًا واحدًا؛ فلانة مات عنها زوجُها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلمّا انصرف أخذ الألف دينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهمَّ، إنّ فلانًا تزوج زوجة مِن أزواج الدنيا بألف دينار، ويموت غدًا فيتركها أو تموت فتتركه، اللهم، وإنِّي أخطب إليك بهذه الألف دينار حوراء عيناء في الجنة. ثم أصبح، فقسمها بين المساكين، فبقي المؤمنُ ليس عنده شيء، فلبس قميصًا مِن قطن، وكساء من صوف، ثم جعل يعمل ويحفر بقوته، فجاء رجل، فقال: يا عبد الله، أتُؤاجرني نفسك مشاهرة شهرًا بشهر، تقوم على دوابَّ لي؟ قال: نعم. فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابَّة ضامِرَةً أخذ برأسه، فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة. فلما رأى المؤمن الشدة قال: لآتِيَنَّ شريكي الكافر، فلَأعملنَّ في أرضه، يُطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، ويكسيني هذين الثوبين إذا بليا. فانطلق يريده، فانتهى إلى بابه، وهو ممسٍ، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي صاحب هذا القصر؛ فإنّكم إن فعلتم ذلك سَرَّه. فقالوا له: انطلق، فإن كنت صادقًا فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرَّض له. فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه، ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه، فتعرَّض له، فخرج شريكُه وهو راكب، فلمّا رآه عرفه، فوقف فسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ فأين مالك؟ قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟ قال: جئتُ أعمل في أرضك هذه، تطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا ترى مِنِّي خيرًا حتى تخبرني ما صنعتَ في مالك. قال: أقرضتُه. قال: مَن؟ قال: المَليء الوفي. قال: مَن؟ قال: الله ربي. وهو مصافحه، فانتزع يده، ثم قال: ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ * أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾؟! وتركه، فلما رآه المؤمن لا يلوي عليه رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة مِن الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله المؤمن الجنة؛ يمر، فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عِدَّتهم، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أُثاب بمثل هذا؟! ثم يمر فإذا هو بقُبَّةٍ مِن ياقوتة حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لِمَن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أُثاب بمثل هذا؟! ثم يذكر شريكه الكافر، فيقول: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾. قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، فيريه الله شريكه في وسط الجحيم مِن بين أهل النار، فإذا رآه عرفه المؤمن، فيقول: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ * أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إنَّ هَذا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ بمثل ما قد مُنَّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مرَّ عليه في الدنيا مِن الشدة، فلا يذكر أشدَّ عليه مِن الموت

سورة النساء — الآية ١٠٥

عن قتادة بن النعمان -من طريق عمر بن قتادة- قال: كان أهل بيت مِنّا يقال لهم: بنو أُبَيْرِق، بِشْر وبشير ومُبَشِّر، وكان بشير رجلًا منافقًا، يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم يَنْحَلُه بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا. فإذا سمع أصحابُ رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: واللهِ، ما يقول هذا الشعرَ إلا هذا الخبيثُ. فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة أضِمُوا فقالوا: ابنُ الأُبَيْرِق قالها؟! قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقَة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يَسار فقدمت ضافِطَة من الشام مِن الدَّرْمَك ابتاع الرجل منها، فخصَّ بها [نفسه]، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافِطَة الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدَّرْمَك، فجعله في مَشْرُبَة له، وفي المَشْرُبَة سلاح له؛ درعان، وسيفاهما، وما يصلحهما، فعدا عَدِيٌّ من تحت الليل، فنقب المَشْرُبَة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، تعلم أنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فنُقِبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتجسسنا في الدار، وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبَيْرِق قد استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. قال: وقد كان بنو أُبَيْرِق قالوا ونحن نسأل في الدار: واللهِ، ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل. رجلًا مِنّا له صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أُبَيْرِق، وقال: أنا أسرق؟! فواللهِ، ليخالطنكم هذا السيف، أو لَتُبَيِّنُنَّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنّا، أيها الرجل، فواللهِ، ما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار، حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيتُ رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إنّ أهل بيتٍ مِنّا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله ﷺ: «سأنظر في ذلك». فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يُقال له: أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنّ قتادة بن النعمان وعمَّه عمدوا إلى أهل بيت مِنّا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ، فكلَّمته، فقال: «عمدت إلى أهل بيت ذُكِر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت؟!». قال قتادة: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾: لبني أبيرق، ﴿واستغفر الله﴾ أي: مما قلت لقتادة، ﴿إن الله كان غفورا رحيما (١٠٦) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ أي: أنهم لو استغفروا الله لغفر لهم، ﴿ومن يكسب إثما﴾ إلى قوله: ﴿فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا﴾ قولهم للبيد، ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه. إلى قوله: ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾، فلمّا نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح، فردَّه إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عَسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامَه مدخولًا، فلمّا أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سُلافة بنت سعد؛ فأنزل الله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ إلى قوله: ﴿ضلالا بعيدا﴾. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت، فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟! ما كنت تأتيني بخير

سورة آل عمران — الآية ٦٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-، وعن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وذكره محمد بن إسحاق بن يسار، وقد دَخَل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: لَمّا هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة، واستقرت بهم الدار، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وكان مِن أمر بدر ما كان؛ اجتمعت قريش في دار النَّدْوَة، وقالوا: إنّ لنا في أصحاب محمد الذين عند النجاشي ثأرًا بِمَن قُتل منكم ببدر، فاجمعوا مالًا، وأهدوه إلى النجاشي، لعله يدفع إليكم مَن عِندَه من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان مِن ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي مُعَيط مع الهدايا: الأُدُم وغير ذلك، فركبا البحر، وأتيا الحبشة، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلَّما عليه، وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون شاكرون، ولصلاحك مُحِبُّون، وإنّهم بعثونا إليك لِنُحَذِّرك هؤلاء القوم الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل كذّاب، خرج فينا يزعم أنّه رسول الله، ولم يتابعه أحدٌ مِنّا إلا السفهاء، وإنّا كُنّا قد ضَيَّقنا عليهم الأمرَ، وألجأناهم إلى شِعْبٍ بأرضنا، لا يدخل عليهم أحد، ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش، فلمّا اشتد عليهم الأمرُ بَعَثَ إليك ابنَ عمه لِيُفْسِد عليك دينك وملكك ورعيتك، فاحذرهم، وادفعهم إلينا؛ لِنَكْفِيكَهُم. قالوا: وآيةُ ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا يُحَيُّونك بالتحية التي يُحَيِّيك بها الناسُ؛ رغبةً عن دينِك وسُنَّتِك. قال: فدعاهم النجاشيُّ، فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حِزبُ الله. فقال النجاشيُّ: مُرُوا هذا الصّائِح فلْيُعِدْ كلامه. ففعل جعفر، فقال النجاشي: نعم، فليدخلوا بأمان الله وذِمَّته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع كيف يَرطُنُون بحزب الله، وما أجابهم به النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي، وتُحَيُّوني بالتَّحِيَّة التي يُحَيِّيني بها مَن أتاني مِن الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك ومَلَكَك، وإنّما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبيًّا صادِقًا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا، وهي السلام، تَحِيَّةُ أهل الجنة. فعرف النَّجاشيُّ أنّ ذلك حق، وأنّه في التوراةوالإنجيل. قال: أيُّكم الهاتِفُ: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا. قال: فتكَلَّم. قال: إنّك مَلِك مِن ملوك أهل الأرض، ومِن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام، ولا الظلم، وأنا أُحِبُّ أن أُجِيب عن أصحابي، فمُرْ هذين الرجلين فليتكلم أحدُهما ولْيُنصِت الآخر، فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلَّم. فقال جعفر للنجاشي: سَلْ هذا الرجل: أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كُنّا عبيدًا أبَقْنا مِن أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال: بل أحرار كِرام؟ فقال النجاشيُّ: نَجَوْا مِن العبودية. قال جعفر: سلهما: هل أهرقنا دمًا بغير حق فيُقْتَصُّ مِنّا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة. قال جعفر: سلهما: هل أخذنا أموال الناس بغير حقِّ فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو، إن كان قنطارًا فعَلَيَّ قضاؤه. فقال عمرو: لا، ولا قيراطًا. قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كُنّا وهم على دين واحد وأمر واحد؛ على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين، واتَّبَعُوا غيره، ولزمناه نحن، فبَعَثَنا إليك قومُهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ماهذا الدين الذي كنتم عليه، والدين الذي اتبعتموه؟ اصْدُقْنِي. قال جعفر: أمّا الدين الذي كنا عليه وتركناه فهو دين الشيطان وأَمْرُه، كُنّا نكفر بالله - عز وجل -، ونعبد الحجارة، وأما الدِّين الذي تَحَوَّلنا إليه فدينُ الله الإسلام، جاءنا به من الله رسولٌ وكتابٌ مثل كتاب ابن مريم موافقًا له. فقال النجاشي: يا جعفر، لقد تكلمت بأمر عظيم، فعلى رِسْلِك. ثم أمر النجاشي فضرب بالنّاقُوس، فاجتمع إليه كل قِسِّيسٍ وراهب، فلمّا اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيًّا مُرسَلًا؟ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرَنا به عيسى، وقال: مَن آمن به فقد آمَن بي، ومَن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل، ويأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصِلة الرحم، وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ علينا شيئًا مِمّا كان يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم، ففاضت عينا النجاشي وأصحابه مِن الدمع، وقالوا: يا جعفر، زِدْنا مِنهذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورةَ الكهف، فأراد عمرو أن يُغْضِب النجاشيَّ، فقال: إنّهم يشتمون عيسى وأُمَّه. فقال النجاشي: ما تقول في عيسى وأُمِّه؟ فقرأ عليهم جعفرُ سورةَ مريم، فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نَفْثَةً مِن سواكه قدر ما يُقَذِّي العين، وقال: واللهِ، ما زاد المسيحُ على ما تقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا، فأنتم سُيُوم بأرضي -يقول: آمنون-، مَن سَبَّكم أو آذاكم غَرِم. ثم قال: أبشروا ولا تخافوا، ولا دَهْوَرَة اليوم على حزب إبراهيم. قال عمرو: يا نجاشيُّ، ومَن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا مِن عنده ومن اتبعهم. فأنكر ذلك المشركون، وادعوا في دين إبراهيم، ثم رَدَّ النجاشيُّ على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه، وقال: إنما هديتكم إلَيَّ رشوة، فاقبضوها، فإنّ الله مَلَّكَنِي ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا، فكُنّا في خير دار، وأكرم جوار. وأنزل الله - عز وجل - ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله - ﷺ - وهو بالمدينة قوله: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ على مِلَّته وسُنَّته، ﴿وهذا النبي﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، ﴿والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾

سورة النور — الآية ١١

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار-: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾: الكذب، ﴿عصبة منكم﴾ يعني: عبد الله بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ﴿لاتحسبوه شرا لكم﴾ يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الذي قيل لكم مِن الكذب شرا لكم، ﴿بل هو خير لكم﴾ لأنّكم تؤجرون على ذلك، ﴿لكل امرىء منهم﴾ يعني: مَن خاض في أمر عائشة ﴿ما اكتسب من الإثم﴾ على قدر ما خاض فيه مِن أمرها، ﴿والذي تولى كبره﴾ يعني: عظمه ﴿منهم﴾ يعني: القَذَفَة، وهو ابن أُبيٍّ رأس المنافقين، وهو الذي قال: ما بَرِئَتْ مِنهُ، وما بَرِئَ منها ﴿له عذاب عظيم﴾ وفي هذه الآية عِبرةٌ عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة، فمَن أعان عليها بفِعْل أو كلام، أو عَرَّض بها، أو أعجبه ذلك، أو رضي؛ فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمَن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومَن غاب ورضي فهو مثل شاهد، ﴿لولا إذ سمعتوه﴾ قذفَ عائشة وصفوان؛ ﴿ظن المؤمنون والمؤمنات﴾ لأنّ منهم حَمْنة بنت جحش، يعني: هلّا كذَّبتم به ﴿بأنفسهم خيرا﴾ هلّا ظنَّ بعضُهم ببعضٍ خيرًا أنهم لم يَزْنوا، ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ ألا قالوا: هذا القذفُ كذبٌ بيِّن، ﴿لولا جاءوا عليه﴾ يعني: على القذف ﴿بأربعة شهداء﴾، ﴿فأولئك﴾ يعني: الذي قذفوا عائشة ﴿عند الله هم الكاذبون﴾ في قولهم، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة﴾ مِن تأخُّر العقوبة؛ ﴿لمسكم فيما أفضتم فيه﴾ يعني: في ما قلتم مِن القذف ﴿عذاب عظيم﴾، ﴿تلقونه بألسنتكم﴾ وذلك حين خاضوا في أمرِ عائشة، فقال بعضهم: سمعت فلانًا يقول كذا وكذا. وقال بعضهم: بلى، كان كذا وكذا. فقال: ﴿تلقونه بالسنتكم﴾ يقول: يرويه بعضُكم عن بعض، ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ يعني: بألسنتكم مِن قذفها ﴿ما ليس لكم به علم﴾ يعني: مِن غير أن تعلموا أنّ الذي قلتم مِن القذف حقٌّ، ﴿وتحسبونه هينا﴾ يعني: تحسبون أنّ القذف ذنب هيِّن، ﴿وهو عند الله عظيم﴾ يعني: في الوِزْر، ﴿لولا اذ سمعتموه﴾ يعني: القذف؛ ﴿قلتم ما يكون﴾ يعني: ألا قلتم: ما يكون؛ ما ينبغي ﴿لنا أن نتكلم بهذا﴾ ولم تره أعينُنا! ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يعني: ألا قلتم: هذا كذب عظيم. مثل ما قال سعدُ بن معاذ الأنصاري؛ وذلك أنّ سعدًا لَمّا سمع قول مَن قال في أمر عائشة قال: سبحانك! هذا بهتان عظيم. والبهتان: الذي يبهت فيقول ما لم يكن، ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله﴾ يعني: القذف؛ ﴿ان كنتم مؤمنين﴾ يعني: مُصَدِّقين، ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ يعني: ما ذُكِر مِن المواعظ، ﴿أن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة﴾ يعني: تَفْشُو، ويظهر الزنا؛ ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ بالحدِّ، ﴿و﴾في ﴿الآخرة﴾ عذاب النار، ﴿ولولا فضل الله﴾ الآيةَ؛ لعاقبكم بما قلتم لعائشة، ﴿وأن الله رؤوف رحيم﴾ حين عفا عنكم فلم يعاقبكم، ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾ يعني: تزيينه؛ ﴿فانه يأمر بالفحشاء﴾ يعني: بالمعاصي، ﴿والمنكر﴾ ما لا يُعْرَف، مثل ما قيل لعائشة، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يعني: نعمته؛ ﴿ما زكا﴾ ما صلح، ﴿ولكن الله يزكي﴾ يُصلِح ﴿من يشاء﴾، فلما أنزل الله عذر عائشة وبرَّأها، وكذَّب الذين قذفوها؛ حلف أبو بكر أن لا يَصِل مسطحَ بن أثاثة بشيء أبدًا؛ لأنه كان في مَنِ ادَّعى على عائشة مِن القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، وكان ابنَ خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حِجْره فقيرًا، فلمّا حلف أبو بكر ألا يصله نزلت في أبي بكر: ﴿ولا يأتل﴾ أي: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم﴾ يعني: في الغنى؛ أبا بكر الصديق، ﴿والسعة﴾ يعني: في الرزق، ﴿أن يؤتوا أولي القربى﴾ يعني: مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته، ﴿والمساكين﴾ يعني: لأنّ مسطحًا كان فقيرًا، ﴿والمهاجرين في سبيل الله﴾ يعني: لأنّ مِسطحًا كان من المهاجرين، ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ يعني: ليتجاوزوا عن مِسطح، ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أما تحب أن يغفر الله لك؟». قال: بلى، يا رسول الله. قال: «فاعفُ واصفح». فقال أبو بكر: قد عفوتُ وصفحتُ، لا أمنعه معروفًا بعد اليوم. ﴿ان الذين يرمون المحصنات﴾ يعني: يقذفون بالزِّنا الحافظات لفروجهن العفائف، ﴿الغافلات﴾ يعني: عن الفواحش، يعني: عائشة، ﴿المؤمنات﴾ يعني: الصادقات؛ ﴿لعنوا﴾ يعني: جُلِدوا ﴿في الدنيا والآخرة﴾ يُعَذَّبون بالنار، يعني: عبد الله بن أبي؛ لأنه منافق له عذاب عظيم، ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ قال: مَن قذف عائشة يوم القيامة، ﴿يومئذ﴾ يعني: في الآخرة ﴿يوفيهم الله دينهم الحق﴾ حسابهم العدل، لا يظلمهم، ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ يعني: العدل المبين، ﴿الخبيثات﴾ يعني: السيء من الكلام؛ قذفُ عائشة ونحوه ﴿للخبيثين﴾ مِن الرجال والنساء، يعني: الذين قذفوها، ﴿والخبيثون﴾ يعني: مِن الرجال والنساء ﴿للخبيثات﴾ يعني: السيء مِن الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام السيء، ﴿والطيبات﴾ يعني: الحسن مِن الكلام ﴿للطيبين﴾ مِن الرجال والنساء، يعني: الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرًا، ﴿والطيبون﴾ من الرجال والنساء ﴿للطيبات﴾ للحسن من الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام الحسن، ﴿أولئك﴾ يعني: الطيبين مِن الرجال والنساء ﴿مبرؤون ما يقولون﴾ هم بُرآء من الكلام السيء، ﴿لهم مغفرة﴾ يعني: لذنوبهم، ﴿ورزق كريم﴾ يعني: حسنًا في الجنة. فلمّا أنزل اللهُ عُذْرَ عائشة ضمَّها رسولُ الله ﷺ إلى نفسه، وهي مِن أزواجه في الجنة

سورة الإنشقاق — الآية ٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فَأَمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو عبد الله بن عبد الأسد، ويُكنى: أبا سلمة، ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ باليسير؛ بأنّ الله لا يُغيّر حسناته ولا يفضحه، وذلك أنّ الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة فإنهم يموج بعضُهم في بعض مقدارَ ثلاثمائة سنة، حتى إذا استوى الرّبُّ -جلّ وعزّ- على كرسيّه لِيُحاسب خَلْقه، فإذا جاء الرّبُّ -تبارك وتعالى- والملائكةُ صفًّا صفًّا، فينظرون إلى الجنة وإلى النار، ويُجاء بالنار من مسيرة خمسمائة عام، عليها تسعون ألف زمام، في كلّ زمام سبعون ألف ملك متعلّق، يحبسونها عن الخلائق، طول عنق أحدهم مسيرة سنة، وغِلظها مسيرة سنة، ما بين مَنكِبي أحدهم مسيرة خمسين سنة، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البَرق، إذا تَكلّم أحدهم تناثرتْ مِن فِيه النار، بيد كلّ واحد منهم مرزبة، عليها ثلاثمائة وستون رأسًا كأمثال الجبال، هي أخفّ بيده مِن الريشة، فيجيئون بها، فيسوقونها حتى تقام عن يسار العرش، ويجاء بالجنة يزفونها كما تُزَفُّ العروس إلى زوجها حتى تقام عن يمين العرش، فإذا ما عاين الخلائقُ النارَ، وما أعدّ الله لأهلها، ونظروا إلى ربّهم، وسكتوا؛ فانقطعتْ عند ذلك أصواتهم، فلا يَتكلّم أحدٌ مِنهم مِن فَرَق الله وعظمته، ولما يرون مِن العجائب مِن الملائكة، ومن حملة العرش، ومن أهل السموات، ومن جهنم، ومن خزنتها، فانقطعتْ أصواتهم عند ذلك، وتَرتعد مفاصلهم، فإذا علم الله ما أصاب أولياءَه مِن الخوف، وبلغت القلوب الحناجر، فيقوم منادٍ عن يمين العرش، فينادي: ﴿يا عِبادِ، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، فيرفع عند ذلك الإنس والجنّ كلُّهم رؤوسَهم والمؤمنون والكفار؛ لأنهم عباده كلّهم، ثم ينادي في الثانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]، فيَرفع المؤمنون رؤوسَهم، وينكس أهل الأديان كلّهم رؤوسهم، والناس سكوت مقدار أربعين عامًا، فذلك قوله: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٦]، وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ:٣٨]؛ وقال: لا إله إلا الله؛ فذلك الصواب، وقوله: ﴿وخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، فلا يجيبهم الله، ولا يُكلّمهم، ولا يتكلمون هم مقدار أربعين سنة، يقول بعد ذلك لمَلكٍ من الملائكة وهو جبريل عليه السلام: نادِ الرسل، وابدأ بالأُمِّي. قال: فيقوم المَلك، فينادي عند ذلك: أين النَّبِي الأُمِّي؟ فتقول الأنبياء عند ذلك: كلّنا نبيّون وأُمّيون؛ فبيِّن بيِّن. فيقول: النبي العربي الأُمّي الحرمي، فيقوم عند ذلك رسول الله ﷺ، فيرفع صوته بالدعاء، فيقول: كم مِن ذنب قد عملتموه ونسيتموه وقد أحصاه الله! ربِّ، لا تفضح أمتي. قال: فلا يزال يدنو مِن الله تعالى حتى يقوم بين يديه؛ أقرب خَلْقه إليه، فيحمد الله، ويثني عليه، ويذكر من الثناء على الله تعالى والحمد حتى تعجب الملائكة منه والخلائق، فيقول الله عز وجل: قد رضيتُ عنك، يا محمد، اذهب فنادِ أُمّتك. فينادي، وأول ما يدعو يدعو مِن أُمّته عبد الله بن عبد الأسد أبا سلمة، فلا يزال يدنو، فيقرّبه الله عز وجل منه، فيحاسبه حسابًا يسيرًا، واليسير الذي لا يأخذه بالذنب الذي عمله، ولا يغضب الله عز وجل عليه، فيجعل سيئاته داخل صحيفته، وحسناته ظاهر صحيفته، فيوضع على رأسه التاج مِن ذَهَبٍ عليه تسعون ألف ذؤابة، كلّ ذؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، ويلبس سبعين حُلّة مِن الإستبرق والسندس، فالذي يلي جسده حريرة بيضاء، فذلك قوله: ﴿ولِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣، فاطر:٣٣]، ويُسوَّر بثلاث أسْوِرة: سوار من فِضّة، وسوار من ذهب، وسوار من لؤلؤ، ويوضع إكليل مُكلّل بالدُّرّ والياقوت، وقد تلألأ في وجهه مِن نور ذلك، فيرجع إلى إخوانه من المؤمنين، فينظرون إليه وهو جاءٍ مِن عند الله، فتقول الملائكة والناس والجنّ: واللهِ، لقد أكرم الله هذا، لقد أعطى الله لهذا. فينظرون إلى كتابه، فإذا سيئاته باطن صحيفته، وإذا حسناته ظاهر كتابه، فتقول عند ذلك الملائكة: ما كان أذنب هذا الآدميُّ ذنبًا قط! واللهِ، لقد اتّقى اللهَ هذا العبدُ، فحُقّ أن يكرم مثل هذا العبد. وهم لا يشعرون أنّ سيئاته باطن كتابه، وذلك لمن أراد الله تعالى أن يُكرمه ولا يفضحه، قال: فيأتي إخوانَه من المسلمين، فلا يعرفونه، فيقول: أتعرفوني؟ فيقولون كلّهم: لا، واللهِ. فيقول: إنما برحتُ الساعة، وقد نسيتموني. فيقول: أنا أبو سلمة، أبشِروا بمثله، يا معشر الإخوان، لقد حاسَبني ربي حسابًا يسيرًا، وأكرمني. فذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ يقول إلى قومه: ﴿مَسْرُورًا﴾ فيُعطى كتابه بيمينه، ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] إلى آخر القصة

سورة الحجرات — الآية ٤

عن جابر بن عبد الله، قال: جاءتْ بنو تميم إلى النبيّ ﷺ، فنادوا على الباب: يا محمّد، اخرج علينا، فإنّ مَدْحنا زَيْن وذمّنا شَيْن. قال: فسمعها النبيُّ ﷺ، فخرج عليهم وهو يقول: «إنّما ذلكم الله الذي مَدْحه زَيْن وذمّه شَيْن». قالوا: نحن ناس مِن بني تميم، جئنا بشاعِرنا وخطِيبنا نشاعِرُك ونفاخِرُك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بالشعر بُعثتُ، ولا بالفخار أُمرتُ، ولكن هاتوا». فقال الزِّبْرِقان بن بدر لشابٍّ مِن شبابهم: قم، فاذكر فضلك، وفضْل قومك. فقام، فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلْقه، وآتانا أموالًا نفعل فيها ما نشاء، فنحن مِن خير أهل الأرض، من أكثرهم عُدّة، ومالًا، وسلاحًا، فمَن أنكر علينا قولنا فليأتِ بقولٍ هو أحسن مِن قولنا، وفِعال هي خير من فِعالنا. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شَمّاس -وكان خطيب رسول الله-: «قُم، فأجِبه». فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين مِن بني عمّه أحسن الناس وجوهًا وأعظمهم أحلامًا، فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعِزًّا لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، فمَن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومَن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هيّنًا، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. فقال الزِّبْرِقان بن بدر لشابٍّ من شبابهم: قُم يا فلان، فقُل أبياتًا تذكر فيها فضْلك، وفضْل قومك. فقام الشابُّ، فقال: نحن الكِرام فلا حَيٌّ يُعادلنا نحن الرُّؤوس وفينا تُقسَم الرُّبُعُ ونُطعم النّاس عند المحل كلّهمُ مِنَ السَّدِيف إذا لم يُؤنس القَزَعُ إذا أبَينا فلا يأبى لنا أحَدٌ إنّا كذلك عند الفخرِ نرتفِعُ قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى حسّان بن ثابت، فانطلّق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه. وذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله ﷺ أن يجيبه، فقال: يا رسول الله، مُره فليُسمعني ما قال. فقال النبي ﷺ: «أسْمِعه ما قلتَ». فأنشده ما قال، فقال حسّان: إنّ الذوائب من فِهْرٍ وإخوتهم قد شرَّعوا سنّة للنّاس تُتَّبع يرضى بها كلُّ مَن كانت سريرته تقوى الإله وكلّ الخير يُصطنع ثمّ قال حسّان: نصرنا رسولَ الله والدِّينَ عَنْوَةً على رَغْمِ عاتٍ مِن مَعَدٍّ وحاضرِ بِضَربٍ كإيزاع المخاض مُشاشَهُ وطعنٍ كأفواه اللِّقاح الصَّوادرِ وسَلْ أُحُدًا يَوْم استقلَّت شِعابُهُ بضربٍ لنا مثل اللُّيُوثِ الخوادرِ ألَسْنا نخوض الموتَ في حَوْمَةِ الوَغى إذا طاب وِرْدُ الموتِ بينَ العساكرِ ونضربُ هامَ الدّارعِين ونَنتَمِي إلى حَسَبٍ مِن جِذْمِ غَسّانَ قاهِرِ فَلوْلا حَياءُ اللهِ قُلنا تَكَرُّمًا على النّاسِ بِالخِيفَيْنِ: هَل مِن مُنافِرِ؟ فأحياؤُنا مِن خَيرِ مَن وطِئَ الحصى وأمواتنا مِن خَيْر أهل المقابِرِ قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي -واللهِ- لقد جئتُ لأمرٍ ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلتُ شِعرًا، فاسمعه منّي. فقال: «هات». فقال: أتيناك كَيما يعرف الناسُ فضلَنا إذا خالفونا عند ذكر المكارمِ وإنّا رؤوس الناس من كلّ مَعشرٍ وأن ليس في أرض الحجاز كَدارمِ وإنّ لنا المرباعُ في كلّ غارةٍ تكون بنجدٍ أو بأرض التهائمِ فقال رسول الله ﷺ: «قم، يا حسّان، فأجبه». فقام حسّان، فقال: بني دارم لا تفخروا إنّ فخركم يعود وبالًا بعد ذكر المكارمِ هبَلْتُم علينا تفخرون وأنتمُ لنا خَوَلٌ من بين ظئرٍ وخادمِ فقال رسول الله ﷺ: «لقد كنتَ غنيًّا -يا أخا دارم- أن يُذكَر منك ما قد ظننتَ أنّ الناس قد نسوه». قال: فكان قول رسول الله ﷺ أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره. فقال: كأفضل ما نلتم من المجد والعلى... رَدافتنا من بعد ذكر الأكارمِ فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم... وأموالكم أن تُقسموا في المقاسمِ فلا تجعلوا لله نِدًّا وأسلموا... ولا تفخروا عند النبيّ بِدارمِ وإلّا وربِّ البيت مالَتْ أكُفُّنا... على هامكم بالمرهَفات الصوارمِ قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّدًا المولى، إنه -والله- ما أدري ما هذا الأمر! تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولًا، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولًا! ثمّ دنا من النبيّ ﷺ، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسوله. فقال له النبيّ ﷺ: «ما يضرّك ما كان قبل هذا». ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ، وكساهم، وقد كان يخلف في رِكابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر، وارتفعت الأصوات، وكثر اللّغط عند رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

اختُلِف في معنى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ على أقوال، وهذا الاختلاف في المعنى مبنيٌّ على اختلافهم في قراءتها، فمنهم مَن قرأها: ﴿إلا من ظُلِم﴾ بضم الظاء، وهؤلاء اختلفوا في معناها على أقوال: الأول: مَن ظُلِم فله أن يدعو على مَن ظلمه، بدون أن يعتدي، وهو قول الحسن. أو إباحة الدعاء عليه بإطلاق، وإن صبر فهو أحسن له. وهو قول ابن عباس، وقتادة. الثاني: مَن ظُلِم في ضيافةٍ وغيرها فإنه يُخبِر بما نِيل منه. وهو قول مجاهد. الثالث: من ظُلِم فانتَصَر مِن ظالمه، فإنّ الله قد أذِن له في ذلك. وهو قول السدي. ومنهم من قرأها: (إلّا مَن ظَلَمَ) بفتح الظاء، والمعنى عندهم: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظَلَم، فلا بأس أن يُجْهَر له بالسوء من القول. وهو قول ابن زيد. وزاد ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥) عن قومٍ أنّ: «معنى الكلام: لا يُحِبُّ اللهُ أن يجهر أحدٌ بالسوء من القول، ثم استثنى استثناءً منقطعًا، تقديره: لكن مَن ظَلَم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك». ووجَّه ابن جرير (٧‏/‏٦٢٧) قولَ الحسن بقوله: «و﴿مَن﴾ على قول الحسن هذا نصب على أنّه مستثنًى من معنى الكلام، لا من الاسم كما ذكرنا قبلُ في تأويل ابن عباسٍ إذا وجَّه ﴿مَن﴾ إلى النصب، وكقول القائل: كان من الأمر كذا وكذا، اللهم إلا أن فلانًا جزاه الله خيرًا فعل كذا وكذا». ووجَّه قول ابن عباس بقوله: «فـ﴿مَن﴾ على قول ابن عباس هذا في موضع رفع؛ لأنه وجَّهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء، واستُثْنِي المظلومُ منه، فكان معنى الكلام على قوله: لا يحب الله أن يَجْهَر بالسوء من القول، إلا المظلوم فلا حرج عليه في الجهر به. وهذا مذهبٌ يراه أهل العربية خطأً في العربية، وذلك أن ﴿مَن﴾ لا يجوز أن يكون رفعًا عندهم بالجهر؛ لأنها في صلة أنْ، ولم يَنَلْه الجَحْد، فلا يجوز العطف عليه؛ من خطأٍ عندهم أن يُقال: لا يعجبني أن يقوم إلا زيد. وقد يَحْتَمل أن تكون ﴿مَن﴾ نصبًا على تأويل قول ابن عباس، ويكون قوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ كلامًا تامًّا، ثم قيل: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فلا حرج عليه، فيكون ﴿مَن﴾ استثناءً من الفعل، وإن لم يكن قبل الاستثناء شيءٌ ظاهرٌ يُستَثنى منه، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إلا مِن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٢، ٢٣]، وكقوله: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلًا يريد اللهَ بذلك. ولم يُذْكَر قبله شيءٌ من الأسماء». ووجَّه (٧‏/‏٦٣٠) قول السدي ومجاهد بقوله: «فـ﴿مَن﴾ على هذه الأقوال التي ذكرناها سوى قول ابن عباس في موضع نصبٍ على انقطاعه من الأول، والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد»إلا«في الاستثناء المنقطع. فمعنى الكلام على هذه الأقوال سوى قول ابن عباس: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، ولكن من ظُلِم فلا حرج عليه أن يُخبِر بما نِيلَ منه أو ينتصر ممن ظلمه». وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥) على الأقوال الأربعة الأولى بقوله: «فهذه الأقوال على أربع مراتب: قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقلُّ منازل السوء من القول، وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاقٍ في نوع الدعاء، وقول مجاهد ذكر الظلامة والظلم، وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة». ووجَّه ابنُ جرير (٧‏/‏٦٣١) قول ابن زيد بقوله: «فـ﴿مَن﴾ على هذا التأويل نصبٌ؛ لتعلُّقه بالجهر. وتأويل الكلام على قول قائل هذا القول: لا يحب الله أن يَجْهَر أحدٌ لأحدٍ من المنافقين بالسوء من القول إلا لمن ظَلَم منهم نَفْسَه فأقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول». وقد اختار ابنُ جرير (٧‏/‏٦٣١، ٦٣٢) القراءة بضم الظاء لإجماع الحجة من القرأةِ وأهل التأويل على صحّتها، وشذوذ قراءةِ من قرأ ذلك بالفتح، ورَجَّح مستندًا إلى القراءات أنّ المعنى: لا يُحِبُّ اللهُ أيها الناسُ أن يَجْهَرَ أحدٌ لأحدٍ بالسوء من القول ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ بمعنى: إلا مَن ظُلِم فلا حرج عليه أن يُخْبِر بما أُسِيء إليه، ثم أردف قائلًا: «وإذا كان ذلك معناه دخل فيه إخبار مَن لم يُقْرَ أو أُسِيء قِراه، أو نِيلَ بظُلمٍ في نفسه أو ماله، غيرَه من سائر الناس، وكذلك دعاؤه على مَن ناله بظلم أن يَنصُره الله عليه؛ لأن في دعائه عليه إعلامًا منه لِمَن سمع دعاءه عليه بالسوء له. فإذا كان ذلك كذلك فـ﴿من﴾ في موضع نصبٍ؛ لأنه منقطعٌ عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يُستَثنى منها، فهو نظير قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إلا مِن تَوَلّى وكَفَرَ﴾». وانتقد (٧‏/‏٦٣٣-٦٣٤) قولَ ابن زيد مستندًا إلى السياق، فقال: «وفي قوله -جل ثناؤه-: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ الدلالة الواضحة على أن تأويل قوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ يُخالِف التأويل الذي تأوَّله زيد بن أسلم... وذلك أنّه -جلَّ ثناؤه- قال عَقيب ذلك: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، ومعقولٌ أنّ الله -جلَّ ثناؤه- لم يأمر المؤمنين بالعفو للمنافقين عن نفاقهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا مَن كان منهم مُعلِن النفاق منافقًا، بل العفو عن ذلك مِمّا لا وجْه له معقولٌ؛ لأن العفوَ المفهومَ إنما هو صَفْحُ المرء عما له قِبَلَ غيره من حق، وتسمية المنافق باسمه ليس بحقٍّ لأحدٍ قِبَلَه، فيؤمَرُ بعفْوه عنه، وإنما هو اسمٌ له، وغير مفهومٍ الأمر بالعفو عن تسمية الشيء بما هو اسمه»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿إلا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أقوال: الأول: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى عليه السلام. الثاني: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت الكتابيّ. الثالث: إلا ليؤمنَنَّ بمحمد ﷺ قبل موت الكتابيّ. وعَلَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٥) على القول الثاني والثالث قائلًا: «فأمّا من فسَّر هذه الآية بأنّ المعنى: أن كل كتابيٍّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأَْسَنا قالُوا آمَنّا باللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤-٨٥]. ومَن تأمل هذا جيِّدًا وأمعن النظر اتَّضَح له أنّ هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا». ورَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٦٧٢-٦٧٥) مستندًا إلى دلالة السنّة، والعقل، والسياق القول الأول، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد. وانتَقَدَ (٧‏/‏٦٧٢) القول الثاني بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- حَكَمَ لكل مؤمنٍ بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته لوَجَب أن لا يرث الكتابيَّ إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم مِن أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ أن يكون ميراثه منصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمُه حكمَ المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن مَن مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميع الرسل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية كلام ابن جرير هذا بقوله: «هذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردّى مِن شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى. فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدَّمناه». ووافق ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٤-٣٤٥ بتصرف) ابنَ جرير في نقده للقول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنّة، فقال: «لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بُطْلان ما ادَّعته اليهود من قَتْل عيسى وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٧‏/‏٦٧٤، ٦٧٥) القول الثالث بقوله: «وأمّا الذي قال: عنى بقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فما لا وجْه له مفهوم؛ لأنّه مع فساده مِن الوجه الذي دلَّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موت الكتابيّ. يزيده فسادًا أنّه لم يَجْرِ لمحمد ﷺ في الآيات التي قَبْل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِن ذكره، وإنّما قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْر عيسى وأمه واليهود، فغيرُ جائزٍ صرْفُ الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجةٍ يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبرٍ عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدَّعاوى فلا تتعذر على أحدٍ». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٦٣-٣٦٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والعموم، ودلالة العقل القول الثاني والثالث بأنه: «لو آمَنَ به قبل الموت لنفعه إيمانه به، فإنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر. وإن قيل: المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة، لم يكن في هذا فائدة؛ فإنّ كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده، فلا اختصاص للمسيح به، ولأنّه قال: ﴿قبل موته﴾، ولم يقل: بعد موته. ولأنّه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد -صلوات الله عليهما وسلامه-، واليهودي الذي يموت على اليهودية يموت كافرًا بمحمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام-، ولأنه قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فِعْلٌ مُقْسَمٌ عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا، ولو أريد به قبل موت الكتابي لقال: وإن من أهل الكتاب إلا مَن يؤمن به، لم يقل: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإن مِن أهل الكتاب﴾، وهذا يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أنّ جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنّه رسول الله، ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى مِن أن يُدَّعى أنّ كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابيّ، فإنّ هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع، وهو لَمّا قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ دلَّ على أنّ المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو عُلِم أنّه أُرِيد بالعموم عمومَ مَن كان موجودًا حين نزوله، أي: لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به، لا إيمان من كان منهم ميتًا»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تعملون﴾ على قولين: الأول: أنّ «ما» مصدرية، والمعنى: والله خلقكم وعملَكم. والثاني: أنّ «ما» موصولة، والمعنى: والله خلقكم والذي تعملونه. وزاد ابنُ عطية (٧‏/‏٢٩٩) قولين آخرين، وهما: الثالث: أنّ «ما» نافية، والمعنى: والله خلقكم وأنتم لا تعملون شيئًا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على شيء. والرابع: أنّ «ما» استفهاميّة. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏٢٩٩) على القول الأول -وهو قول جماعة من المفسرين-، فقال: «هذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وذلك موافق لمذهب أهل السنة في ذلك». وعلَّقَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٧٥) على القول الثاني بقوله: «معنى الكلام عند ذلك: واللهُ خلقكم والذي تعملونه، أي: والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب، والنحاس، والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم، وهذا المعنى الثاني قصد -إن شاء الله- قتادة بقوله:... بأيديكم». وبيَّن ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٦ بتصرف) أنّ القولين الأول والثاني متلازمان، ولكنه مال إلى الأول، فقال: «كلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد... عن حذيفة مرفوعًا، قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته»». ورجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏٣٧٠-٣٧٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، ونظائرها في القرآن، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، قال ابنُ القيم: «ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ أنها مصدرية، واحتجوا بها على خلق الأعمال، وليست مصدرية، وإنما هي موصولة، والمعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام، فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله، ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم؛ إذ يكون المعنى: أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟ فأي معنى في هذا، وأي حجة عليهم؟ والمقصود أنه كثيرًا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء. والصواب أنها موصولة، وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة... فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام، وبين أنها لا تستحق العبادة، ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترْك عبادته، وأن ما هو في معرض الإنكار عبادةُ من لا يستحق العبادة. فلو أنه قال: لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون. لتعينت المصدرية قطعًا، ولم يحسن أن يكون بمعنى: الذي؛ إذ يكون المعنى: كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم، فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق. فهذا وِزان ما قرروه مِن كونها مصدرية. فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادةَ مَن لا يستحق العبادة، فلا بُدَّ أن يبين فيه معنًى ينافي كونه معبودًا، فبيَّن هذا المعنى بكونه مخلوقًا له، ومَن كان مخلوقًا مِن بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يُعْبَد ولا تليق به العبادة، وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠] كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة، فهذا يبين المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله في سورة الأعراف [١٩٤]: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أي: هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق. وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه مِن حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: ﴿وما لِيَ لا أعبد الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس:٢٢] فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك، وهي كونه خالقًا لعابده فاطرًا له، وهذا إنعام منه عليه؛ فكيف يترك عبادته؟! ولو كان هذا هو المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم. فتأمله فإنه واضح». ثم بيَّن كيف يستدل بالآية على خلق الله لأعمال العباد، فقال: «ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير: أنّ الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها، وهي إنما صارت أصنامًا بأعمالهم، فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم، فإذا كان سبحانه هو الخالقُ اقتضى صِحَّة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها، أعني: مادتها وصورتها، فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أنّ مادتها كذلك لزم أن يكون خالقًا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة؛ لأنه متولد عن نفس حركاتهم، فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له، وهذا أحسن استدلالًا وألطف من جعل»ما«مصدرية، ونظيره من الاستدلال سواء قوله: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ وخَلَقْنا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١-٤٢]، والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن، وقد أخبر أنها مخلوقة، وهي إنما صارت سفنًا بأعمال العباد، ونظير هذا الاستدلال أيضًا قوله تعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١] والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم، وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها، وإنما صارت سرابيل بعملهم، ونظيره: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وجَعَلَ لَكُمْ مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٨٠] والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام، وإنما صارت بيوتًا بعملهم. فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة. قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها، وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال. والله أعلم. فالأولى أن تكون»ما«موصولة، أي: والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، لا آلهة شركاء معه، فأخبر أنه خلق معمولهم، وقد حله عملهم وصنعهم، ولا يقال:»المراد مادته«فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولًا بعد عملهم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٣٤٨-٣٥١)، وضعَّفَ القول الأول جدًّا، بل غلَّطه