عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾، قال: الجنة. وقرأ: ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾ [الزمر:٧٤]. قال: فالجنة مبتدؤها في الأرض، ثم تذهب دَرَجًا عُلُوًّا، والنار مبتدؤها في الأرض، وبينهما حجاب؛ سور ما يدري أحد ما ذاك السور. وقرأ: ﴿باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ [الحديد:١٣]. قال: ودَرَجُها تذهب سَفالًا في الأرض، ودَرَجُ الجنة تذهب عُلُوًّا في السماوات
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكان في المدينة﴾ قرية صالح: الحجر ﴿تسعة رهط يفسدون في الأرض﴾ يعني: يعملون في الأرض بالمعاصي، ﴿ولا يصلحون﴾ يعني: ولا يطيعون الله عز وجل فيها، منهم: قدار بن سالف بن جدع عاقر الناقة، واسم أمه: قديرة، ومصدع، وداب، ويباب إخوة بني مهرج، وعائذ بن عبيد، وهذيل وذو أعين -وهما أخوان- ابنا عمرو، وهديم، وصواب، فعقروا الناقة ليلة الأربعاء، وأهلكهم الله عز وجل يوم السبت بصيحة جبريل عليه السلام
عن عبيد الله بن الوليد الرصافي: أنّه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخٍ له كاتب، ليس يلي مِن أمور السلطان شيئًا، إلا أنه يكتب لهم بقلمٍ ما يدخل وما يخرج، فإن ترك قلمَه صار عليه دَيْنٌ واحتاج، وإن أخذ به كان له فيه غِنًى. قال: يكتب لِمَن؟ قال: لخالد بن عبد الله القسري. قال: ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح: ﴿رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾؟ فلا يهتم بشيء، ولْيَرْمِ بقلمه، فإنّ الله سيأتيه برزق
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير- أنه سُئل عن قوله: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ﴾ هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد مِن الخلائق إلا له باب في السماء، منه ينزل رزْقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأُغلق بابه في السماء؛ فقَدَه، فبكى عليه، وإذا فقَدَه مصلاه من الأرض التي كان يصلّي فيها ويذكر الله فيها بكتْ عليه، وإنّ قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبكِ عليهم السماء والأرض
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير- في قوله: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوهم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة﴾: يعني: هذا الذي قصّ لذلك مَثلهم في التوراة، ﴿ومثلهم﴾ الآخر ﴿في الإنجيل كزرع أخرج شطأه﴾ أول ما يخرج الزرع، ﴿فآزره﴾ فنَبتَ، ﴿فاستغلظ فاستوى على سوقه﴾ نباته، أو نباته كلّه، ﴿يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَسُولًا﴾ يعني: النبي ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ﴾ يعني: يقرأ عليكم آيات القرآن ﴿مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في عِلْمه ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يعني: من الشّرك إلى الإيمان، ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ يُصدّق بالله أنه واحد لا شريك له ﴿ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ في إيمانه ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ يعني: البساتين ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ يقول: تجري من تحت البساتين الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يعني: مُقيمين فيها ﴿أبدًا﴾، ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ يعني به: الجنة
عن عبد الله بن بُرَيْدة -من طريق صالح بن حيّان- في قوله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾، قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار؛ في بني حارثة، وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا؛ فقالت إحداهما: فيكم مِثل فلان وفلان؟! وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلِقوا بنا إلى القبور. فجعلتْ إحدى الطائفتين تقول: فيكم مِثل فلان؟! -يشيرون إلى القبر- ومِثل فلان؟! وفعل الآخرون مثل ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لقد كان لكم فيما رأيتم عِبرة وشغل
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المخاطَب بقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾ على قولين: أحدهما: الأزواج. وهذا قول الجمهور. والآخر: أولياء النساء. وهذا قول أبي صالح. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٣٨٥) القولَ الأولَ، وعلَّلَ اختيارَه بأنّ افتتاحَ الآية مُبْتَدَأٌ بذكرهم، وقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا﴾ في سياقه. وذَهَبَ ابنُ عطية (٢/٤٦٩) إلى أنّ «الخطاب حسبما تقدَّم مِن الاختلاف في الأزواج والأولياء، والمعنى: إن وهبن غيرَ مُكرَهاتٍ طيبة نفوسهن»
أفاد قولُ سفيان أنّهم حمدوا الله على هداية الله لهم في الدنيا وتوفيقه لهم فيها إلى الأعمال الصالحة. وقد أشار ابنُ القيم (١/٣٩٢) إلى هذا المعنى، وذكر قولًا آخر: أنّهم إنّما حمدوا الله على الهداية إلى طريق الجنة. ثم جمع بينهما بقوله: «ولو قيل: إنّ كِلا الأمرين مرادٌ لهم، وأنهم حمدوا الله على هدايته لهم في الدنيا، وهدايتهم إلى طريق الجنة؛ كان أحسن وأبلغ». وذكر ابنُ عطية (٣/٥٦٦) الاحتمالين، وعلَّق عليهما قائلًا: «ولكل واحد من الوجهين أمثلة في القرآن»
أفادت الآثارُ اختلافًا في مَن عُنِي بقوله تعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ على أقوال: الأول: عُنِي بها نفرٌ من المشركين. وهو قول ابن عباس من طريق مجاهد، ومجاهد. الثاني: عُنِي بها المنافقون. وهو قول ابن إسحاق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٠٢) القول الأوّل مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنها في سياق الخبر عنهم». ووجَّه ابنُ كثير (٧/٤٥) هذين القولين، فقال: «ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلاًّ منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح»