رجَّحَ ابنُ جرير (٢‏/‏٩٧) مستندًا في ذلك إلى الحديث النبويّ، وإجماع السلف أنّ بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. وقال مُعَلِّقًا على تلك الأقوال (٢‏/‏١٠١-١٠٢بتصرف): «وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم من قولهم: إنّ بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. مِن أوضح الدَّلالة على أنّ القوم كانوا يرون أنّ حُكْم الله فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ على العُمُوم الظاهر دون الخُصُوص الباطن، إلا أن يخُصَّ بعض ما عَمَّهُ ظاهرُ التنزيل كتاب من الله أو رسول الله، وأنّ التنزيل أو الرسول إنْ خَصَّ بعض ما عَمَّهُ ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دَلَّ عليه الظاهر، فالمَخْصُوصُ من ذلك خارجٌ مِن حُكْم الآية التي عَمَّتْ ذلك الجِنسَ خاصَّةً، وسائِرَ حُكْمِ الآية على العُمُوم... ، ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله ﷺ بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العُمُوم والخُصُوص، وأنّ أحكام الله -جل ثناؤه- في أي كتابه فيما أمر ونهى على العُمُوم ما لم يَخُصَّ ذلك ما يجب التسليم له، وأنه إذا خُصَّ منه شيء فالمخصوص منه خارج حُكْمه من حُكْم الآية العامة الظاهر، وسائر حُكْم الآية على ظاهرها العام، ويؤيِّد حقيقة ما قلنا في ذلك، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه»

رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١٠٩) القول بأن حكم الآية غير منسوخ، مستندًا إلى عدم دليل النسخ، وعلَّل ذلك بأنه: «غير جائز أن يُقْضى على حكمٍ من أحكام الله -تعالى ذكره- أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر؛ إما من عند الله، أو من عند رسوله ﷺ، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأمّا ولا خبر بذلك، ولا يَدْفَعُ صحته عقل؛ فغير جائز أن يُقْضى عليه بأنه منسوخ». وانتَقَد ابنُ القيم (١‏/‏٣٣٤) قول زيد بن أسلم وغيره لعدم دليل النسخ قائلًا: «أما دعوى النسخ فباطلة، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلًا صح النسخ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا منسوخ في المائدة. وقاله غيرها أيضًا من السلف، وعمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ. وكأن القائل لذلك لم يعلم أنّ معنى كون النص منسوخًا: أنّ الله سبحانه حرَّم العمل به، وأبطل كونه من الدين والشرع، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق». وكذا انتقده ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٢) قائلًا: «وفي هذا نظر»

اختلف المفسرون في صفة الاثنين المذكورين في قوله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ على قولين: الأول: أنهما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وهو قول قتادة، والسدي. الثاني: أنهما وصيان. وهو قول ابن مسعود. ورجَّح ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٣) القول الأول مستندًا إلى أنّه «ظاهر سياق الآية الكريمة»، وقال: «فإن لم يكن وصيٌّ ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية، والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء». ووجَّه ابنُ جرير (٩‏/‏٥٨) المعنى في كلا القولين، فقال: «وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان قولَه: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بمعنى: حضَرتُه». واختلف المفسرون كذلك في المراد من الشهادة قوله تعالى: ﴿شهادة بينكم﴾؛ فمن قائل: إنها الشهادة بالحقوق عند الحكام. ومن قائل: إنها شهادة الحضور للوصية. ومن قائل: إنها بمعنى اليمين. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٥٨-٥٩) مستندًا إلى الدلالة العقليّة، وظاهر لفظ الآية أنها: بمعنى اليمين، وليست المؤدّاة للحكام. فقال: «لأنا لا نعلم لله تعالى حُكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزًا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الآية في هذه اليمين على ذوي العدل وعلى من قام مقامهم باليمين بقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أنّ الشهادة فيه الأيمان، دون الشهادة التي يُقضى بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه». وتعقَّب ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٣) ما استشكله ابنُ جرير بأنه لا يعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد، بقوله: «وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مُسْتَقِلٌّ بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة». وانتقد ابنُ عطية (٣‏/‏٢٨٥) كون الشهادة بمعنى اليمين أو الحضور، بقوله: «وهذا كله ضعيف». ثم رجَّح أنها التي تؤدى فقال: «والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدّى». ولم يذكر مستندًا

سورة التوبة — الآية ١١١

عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: أنّ أسعد بن زُرارة أخذ بيد رسول الله ﷺ ليلة العَقَبة، فقال: يا أيها الناس، هل تدرون علام تُبايِعون محمدًا؟ إنّكم تبايعونه على أن تُحارِبوا العَرَبَ والعَجَم، والجنَّ والإنسَ مُجْلِبة. فقالوا: نحن حربٌ لِمَن حارب، وسِلْمٌ لِمَن سالم. فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله، اشترِط عليَّ. فقال: «تُبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا تُنازِعوا الأمر أهله، وتمنعوني مِمّا تمنعون منه أنفسكم وأهليكم"". قالوا: نعم. قال قائل الأنصار: نعم، هذا لك، يا رسول الله، فما لنا؟ قال: «الجنَّة، والنصر»

سورة التوبة — الآية ١١

عن أبي هريرة، قال: لَمّا تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ، وكان أبو بكر بعده، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِن العرب؛ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتلُ الناسَ وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمَن قال: لا إله إلا الله. عَصَمَ مِنِّي مالَه، ونفسَه، إلا بحقِّه، وحسابُه على الله»؟! فقال أبو بكر: واللهِ، لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنّ الزكاة حقُّ المال، واللهِ، لو منعوني عَناقًا كانوا يُؤَدُّونها إلى رسول الله ﷺ لَقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فواللهِ، ما هو إلا أن قد شُرِح صدرُ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنّه الحق

سورة المائدة — الآية ٣٣

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فنَهى اللهُ نبيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسْمُل أعين العُرَنِيِّين الذين أغاروا على لقاحه، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه، فنظر إلى مَن أخذ المال ولم يقتُل فقَطَع يده ورجله مِن خلاف؛ يده اليمنى ورجله اليسرى، ونظر إلى مَن قتل ولم يأخذ مالًا فقتله، ونظر إلى مَن أخذ المال وقَتَل فصَلَبه، وكذلك ينبغي لكلِّ مَن أخاف طريق المسلمين وقطع أن يُصنَع به إن أُخِذ وقد أخَذ مالًا قُطِعت يده بأخذه المال ورجله بإخافة الطريق، وإن قتل ولم يأخذ مالًا قُتِل، وإن قَتَل وأخذ المال صُلِب

سورة الإسراء — الآية ١

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد رأيتُني في الحِجرِ وقريشٌ تسألُني عن مَسرايَ، فسألوني عن أشياء مِن بيت المقدس لم أُثبِتها، فكُرِبتُ كَرْبًا ما كُرِبتُ مثلَه قَطُّ، فرفَعه الله لي أنظُرُ إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتُهم به، وقد رأيتُني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى عليه السلام قائمٌ، وإذا رجلٌ ضَربٌ جَعدٌ كأنه مِن رجال شنوءة، وإذا عيسى قائمٌ يُصَلِّي، أقربُ الناسِ به شَبَهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائمٌ يُصَلِّي، أشبَهُ الناس به صاحِبُكم -يعني: نفسه- فحانَت الصلاة، فأمَمتُهم، فلما فَرَغتُ قال قائل: يا محمد، هذا مالِكٌ صاحب النار. فالتَفَتُّ إليه، فبَدَأَني بالسلام»

سورة الأحزاب — الآية ٧٢

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنّه قال: «القتلُ في سبيل الله يُكَفِّر الذنوب كلها، أو قال: يكفّر كل شيء إلا الأمانة؛ يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أي رب، وقد ذهبت الدنيا. ثلاثًا، فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية. فيُذهب به إليها، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلَّت، فهوى في أثرها أبد الآبدين». قالوا: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث؛ وأشد ذلك الودائع. فلقيت البراء، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق

سورة غافر — الآية ٧٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، ومقاتل عن الضحاك- قال: كانت فترتان؛ فترة بين إدريس ونوح، وفترة بين عيسى ومحمد، ... وكانت الأنبياء بين موسى وعيسى متواترة، وكذلك بين نوح إلى موسى متواترة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المؤمنون [٤٤-٤٥] من بعد قصة نوح: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ بعضها على إثر بعض، ﴿كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم أرسلنا﴾ من بعدهم ﴿موسى وأخاه هارون﴾، فمن زعم أنه يعلم عُدّتهم وأسماءهم فقد كذب؛ لأن الله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾

سورة النجم — الآية ٣٧

عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾، قال: وفّى سهام الإسلام كلّها، ولم يُوفِّها أحَدٌ غيره، وهي ثلاثون سهمًا؛ منها عشرة في براءة: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] الآيات كلّها، وعشرة في الأحزاب [٣٥]: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيات كلّها، وستة في: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ من أوّلها الآياتِ كلّها، وأربع في ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ [٢٦-٢٧]: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ والَّذِينَ هُمْ مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ الآيات كلّها؛ فذلك ثلاثون سهمًا، فمَن وافى الله بسهمٍ منها فقد وافاه بسهمٍ مِن سهام الإسلام، ولم يُوافِه بسهام الإسلام كلّها إلا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، قال الله: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾