سورة النساء — الآية ٤١

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾، قال: إنّ النبيين يأتون يوم القيامة، مِنهم مَن أسلم معه مِن قومه الواحدُ، والاثنان، والعشرةُ، وأقلُّ وأكثرُ من ذلك، حتى يأتي لوط ﷺ لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيُقال لهم: هل بلَّغتم ما أُرسِلتم به؟ فيقولون: نعم. فيقال: مَن يشهد لكم؟ فيقولون: أُمَّة محمد ﷺ. فيُقال لهم: أتشهدون أنّ الرسلَ أودعوا عندكم شهادةً، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربَّنا، نشهد أنّهم قد بَلَّغوا كما شهِدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: مَن يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد ﷺ. فيُدْعى محمد عليه الصلاة والسلام، فيشهد أنّ أمته قد صدقوا، وأنّ الرسل قد بلَّغوا. فذلك قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾

سورة النساء — الآية ٥٨

عن عبد الله بن مسعود -من طريق زاذان- قال: إنّ القتل في سبيل الله يُكَفِّر الذنوبَ كلها، إلا الأمانة، يُجاء بالرجل يوم القيامة -وإن كان قُتِل في سبيل الله- فيُقال له: أدِّ أمانتك. فيقول: مِن أين وقد ذَهَبَتِ الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية. فيُنطَلَق به، فتَمَثَّلُ له أمانتُه كهيئتها يوم دُفِعَتْ إليه في قَعْرِ جهنم، فيحملها، فيصعد بها، حتى إذا ظنَّ أنه خارج بها، فهَزَلَتْ من عاتقه، فهَوَتْ وهوى معها أبد الآبدين. قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: أما سمعتَ ما قال أخوك ابن مسعود؟ قال: صدق، إنّ الله يقول: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الغُسْل من الجنابة، والأمانة في الحديث، والأمانة في الكيل والوزن، والأمانة في الدين، وأشد ذلك في الودائع

سورة التوبة — الآية ١١٣

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ رجالًا مِن أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: يا نبيَّ الله، إنّ مِن آبائنا مَن كان يُحْسِنُ الجِوار، ويَصِل الأرحام، ويَفُكُّ العاني، ويُوفي بالذِّمَم، أفلا نستغفر لهم؟! فقال النبيُّ ﷺ: «بلى، واللهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله: ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية. ثم عَذَرَ اللهُ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ إلى قوله: ﴿تبرأ منه﴾. وذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ قال: «أُوحِي إلَيَّ كلمات، قد دَخَلْن في أُذُنِي، ووَقَرْنَ في قلبي، أُمِرْتُ ألّا أستغفر لِمَن مات مُشركًا، ومَن أعطى فضلَ ماله فهو خيرٌ له، ومَن أمْسَك فهو شَرٌّ له، ولا يلوم اللهُ على كفافٍ»

سورة الأنعام — الآية ٨٢

عن جرير بن عبد الله، قال: خرَجْنا مع رسول ﷺ، فلما برَزْنا من المدينة إذا راكبٌ يُوضِعُ نحونا، فانتهى إلينا، فسلَّم، فقال له النبي ﷺ: «مِن أينَ أقبَلْتَ؟». فقال: مِن أهلي وولدي وعشيرتي، أُريدُ رسول الله ﷺ. قال: «قد أصَبْتَه». قال: علِّمني ما الإيمان. قال: «تشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، وتقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحُجُّ البيت». قال: قد أقرَرْتُ. ثم إنّ بعيرَه دخَلَتْ يدُه في شبكة جُرذان، فهوى، ووقَع الرجلُ على هامَتِه، فمات. فقال رسول الله ﷺ: «هذا من الذين عمِلوا قليلًا وأُجِروا كثيرًا، هذا مِن الذين قال الله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. إنِّي رأيتُ الحور العين يُدخِلنَ في فِيهِ مِن ثمار الجنة، فعلِمْتُ أنّ الرجلَ مات جائعًا»

عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروفٍ كثيرة لم يُقرئنيها رسولُ الله ﷺ، فكِدتُ أُساوِرُه في الصلاة، فتصَبَّرْتُ حتى سلَّم، فلَببْتُه بردائه، فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسولُ الله ﷺ. فقلت: كذبتَ؛ فإنّ رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأتَ. فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله ﷺ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروفٍ لم تُقْرِئْنِيها. فقال رسول الله ﷺ: «أرسله، اقرأْ، يا هشام». فقرأ عليه القراءةَ التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أُنزلت». ثم قال: «اقرأ، يا عمر». فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أُنزلت، إنّ هذا القرآن أُنزِل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تَيَسَّر منه»

سورة العنكبوت — الآية ٦٩

عن عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه مِنّا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله، ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

سورة الممتحنة — الآية ١

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد - قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ حتى بلغ: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ذُكر لنا: أنّ حاطبًا كَتب إلى أهل مكة يُخبِرهم سيرورة نبي الله ﷺ إليهم زمن الحُدَيبية، فأَطلع الله عز وجل نبيّه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك. وذُكر لنا: أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قَرْنٍ من رأسها، فدعاه نبيُّ الله ﷺ، فقال: «ما حمَلك على الذي صنعتَ؟». قال: واللهِ، ما شككتُ في أمر الله، ولا ارتددتُ فيه، ولكن لي هناك أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعة قريش على أهلي ومالي. وذُكر لنا: أنه كان حليفًا لقريش لم يكن مِن أنفُسهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك القرآن، فقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾

عرض ابنُ جرير (٥‏/‏٤٩٨-٤٩٩ بتصرف) لقول من من قال: إن معنى الآية: تظاهروا بالإيمان أول النهار واكفروا آخره، وقول من جعل إيمانهم في أول النهار بشهودهم الصلاة مع المسلمين ثم نفورهم عنها آخر النهار، ثم قال: «تأويل الكلام إذًا: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ يعني: من اليهود الذي يقرءون التوراة: ﴿آمنوا﴾ صدِّقوا بالذي أنزل على الذين آمنوا، وذلك ما جاءهم به محمد ﷺ من الدين الحق وشرائعه وسننه ﴿وجه النهار﴾ يعني: أول النهار. وأما قوله: ﴿واكفروا آخره﴾ فإنه يعني به: أنهم قالوا: واجحدوا ما صدقتم به من دينهم في وجه النهار في آخر النهار». وكأن ابن جرير لم يرَ اختلافًا كبيرًا بين القولين؛ فرَتَّب معنى الآية على ظاهر ألفاظها، دون تخصيص أحد القولين. وقد ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٢٥٣) القولين، وبَيَّنَ تقاربهما

انتقد ابن جرير (٥‏/‏٥٦٨-٥٦٩) قول السدي مستندًا إلى القرآن، والإجماع، فقال: «التوبة من العبد غير كائنة إلا في حال حياته، فأما بعد مماته فلا توبة، وقد وعد الله عز وجل عباده قَبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، ولا خلاف بين جميع الحجة في أنّ كافرًا لو أسلم قبل خروج نفسه بطرفة عين أنّ حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة وسائر الأحكام غيرهما، فكان معلومًا بذلك أن توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة، لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بين الموت والحياة يجوز أن يقال: لا يقبل الله فيها توبة الكافر، فإذا صح أنها في حال حياته مقبولة، ولا سبيل بعد الممات إليها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل»

اختُلِف في الذي عُنِي به في هذا الموضع من الخشوع؛ فقال بعضهم: عني به: سكون الأطراف في الصلاة. وقال آخرون: الخوف. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏١٠) صوابَ كلا القولين للعموم، فقال -بعد أن ذكر أن الخشوع: التذلل والخضوع-: «وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله -تعالى ذكره- دلَّ على أن مراده مِن ذلك معنًى دون معنًى في عقل ولا خبر؛ كان معلومًا أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الكلام ما وصفتُ مِن قبلُ مِن أنّه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بأداء ما ألزمهم مِن فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُئيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه، وشغله بفرضه، وتركه ما أمر بتركه فيها». وعلَّق ابنُ تيمية (٤‏/‏٤٥٤) بقوله: «الخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعًا»