اختُلِف في معنى «الحين» في قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ على أقوال: الأول: تؤتي أكلها كل غداة وعشية، وكل ساعة. الثاني: كل ستة أشهر، من طلوعها إلى جذاذها. الثالث: كل سنة. الرابع: كل شهرين. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٦٥٠-٦٥١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي ومن طريق أبي ظبيان وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -تعالى ذِكْره- ضرب ما تؤتي هذه الشجرة كل حين مِن الأُكُل لعمل المؤمن وكلامه مثلًا، ولا شكَّ أنّ المؤمن يرتفع له إلى الله في كلِّ يومٍ صالح مِن العمل والقول، لا في كلِّ سنة، أو في كلِّ ستة أشهر، أو في كلِّ شهرين، فإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أنّ المَثَل لا يكون خلافًا للمُمَثَّل به في المعنى... فإن قال قائل: فأيُّ نخلةٍ تؤتي في كلِّ وقت أُكُلًا صيفًا وشتاءً؟ قيل: أمّا في الشتاء فإنّ الطَّلْعَ مِن أُكُلِها، وأمّا في الصيف فالبلح والبُسْرُ والرُّطَب والتمر، وذلك كلُّه من أُكُلِها». واستند إلى الآثار عن قتادة، والربيع بن أنس في أنّ النخلة يؤكل ثمرها في الشتاء والصيف. وعلَّق ابنُ عطية (٥/٢٤٥) على القول الأول بقوله: «وهكذا يشبهها المؤمن الذي هو في جميع أيامه في عمل، والكلمة التي أخرجها والصادر عنها من الأعمال مُسْتَمِر، فيشبه أنّ الله تعالى إنما شبَّه المؤمن أو الكلمة بالشجرة في حال إثمارها، إذ تلك أفضل أحوالها، وتأويل الطبري في ذلك أن أُكُل الطَّلْع في الشتاء، وأن أُكُل الثمر في كل وقت من أوقات العام هو إتيان أُكُل وإن فارق النخل، وإن فرضنا التشبيه بها على الإطلاق وهي إنما تؤتي في وقت دون وقت، فالمعنى: كشجرة لا تخل بما جعلت له من الإتيان بالأُكل في الأوقات المعلومة، فكذلك هو المؤمن لا يُخلّ بما يُسِّر له من الأعمال الصالحة، أو الكلمة التي لا تغيب بركتها والأعمال الصادرة عنها، بل هي في حفظ النظام كالشجرة الطيبة في حفظ وقتها المعلوم». ووجَّه ابنُ عطية القول الثاني والثالث والرابع بأن مَن «قال: الحين سنة. راعى أنّ ثمر النخلة وجناها إنما يأتي كل سنة، ومن قال: ستة أشهر. راعى مِن وقت جداد النخل إلى حملها مِن الوقت المقبل. وقيل: إنّ التشبيه وقع بالنخل الذي يثمر مرتين في العام. ومن قال: شهرين. قال: هي مدة الجني في النخل. وكلهم أفتى بقوله في الإتيان على الحين». ورجَّح ابنُ كثير (٨/١٩٧) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، فقال: «والظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت، من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار، في كل وقت وحين»
علّق ابنُ تيمية (٤/٣٩٢) على ما جاء في قصة ابن الزِّبَعْرى، فقال: «وابن الزِّبَعْرى وغيره من المشركين تعلَّقوا بالقياس الفاسد في قوله: ﴿إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾، فقاس المسيحَ على الأصنام بكونه معبودًا وهذا معبود، وهذا من جهله بالقياس؛ فإنّ الفرق ثابت بأن هؤلاء أحيانًا ناطقون، وهم صالحون يتألمون بالنار؛ فلا يُعَذَّبون لأجل كفر غيرهم، بخلاف الحجارة التي تلقى في النار إهانةً لها ولمن عبدها، وأيضًا فإنّ الخطاب للمشركين لا لأهل الكتاب، والمشركون لم يعبدوا المسيح، وإنما كانوا يعبدون الأصنام، والمراد بقوله: ﴿وما تعبدون﴾ الأصنام، فالآية لم تتناول المسيح لا لفظًا ولا معنى». ثم قال بعد هذا: «فالمسيح والعزير والملائكة وغيرهم ممن عُبِد من دون الله وهو مِن عباد الله الصالحين، وهو مستحق لكرامة الله بوعد الله وعدله وحكمته؛ فلا يعذب بذنب غيره؛ فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى. والمقصود بإلقاء الأصنام في النار إهانة عابديها، وأولياء الله لهم الكرامة دون الإهانة». وبنحوه ابنُ القيم (٢/٢٠٢-٢٠٣)، وزاد: «وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزِّبَعْرى لا يرِد على الآية؛ فإنه سبحانه قال: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾، ولم يقل: ومن تعبدون، و﴿ما﴾ لما لا يعقل، فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير، وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل، وأيضًا فإن مَن عبد هؤلاء بزعمه فإنه لم يعبدهم في الحقيقة، فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم، وإنما عبد المشركون الشياطين، وتوهموا أن العبادة لهؤلاء، فإنهم عبدوا بزعمهم مَن ادعى أنه معبود مع الله، وأنه معه إله، وقد برأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرًا من ذلك، وإنّما ادعى ذلك الشياطين، وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع الله، ولا يرضى بذلك إلا الشياطين؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١]...». وعلّق ابنُ كثير (٩/٤٥٢) على هذا القول، فقال: «وهذا الذي قاله ابن الزِّبَعْرى خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها؛ ولهذا قال: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾، فكيف يُورَد على هذا المسيح والعزير ونحوهما ممن له عمل صالح، ولم يرض بعبادة من عبده»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الزبير بن عدي، عن الضحاك- أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمرَ بالمعروف، وأنهى عن المنكر. قال: أوَبَلَغْت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخشَ أن تُفْتَضَحَ بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هُنَّ؟ قال: قوله عز و جل: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾، أحَكمْت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون﴾ [الصف:٢-٣]، أحَكَمْت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب: ﴿ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود:٨٨]، أحَكمْتَ هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي صالح-: إنّ يهود أهل المدينة قالوا لَمّا هَزَمَ اللهُ المشركين يوم بدر: هذا -واللهِ- النبيُّ الأُمِّيُّ الذي بشَّرَنا به موسى، ونَجِده في كتابنا بنَعْتِه وصِفَتِه، وأنّه لا تُرَدُّ له راية. وأرادوا تصديقه واتِّباعه، ثم قال بعضُهم لبعض: لا تعجلوا، حتى ننظر إلى وقْعَةٍ له أخرى. فلمّا كان يوم أحد، ونُكِبَ أصحابُ رسول الله ﷺ؛ شكُّوا، وقالوا: لا واللهِ، ما هو به. وغلب عليهم الشقاءُ فلم يُسْلِمُوا، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ، فنقضوا ذلك العهدَ، وانطلق كعبُ بنُ الأشرف في سِتِّين راكبًا إلى أهل مكة؛ أبي سفيان وأصحابِه، فوافقوهم، وأَجْمَعُوا أمرَهم، وقالوا: لَتَكُونَنَّ كلِمَتُنا واحدة. ثُمَّ رجعوا إلى المدينة؛ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في هذه الآية، قال: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿إن كانت لكم الدار الآخرة﴾ يعني: الجنة، كما زعمتم، ﴿خالصة من دون الناس﴾ يعني: المؤمنين، ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ أنّها لكم خالصة من دون المؤمنين، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن كنتم في مقالتكم صادقين قولوا: اللهُمَّ أمِتْنا. فوالذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منكم إلا غُصَّ بِرِيقِه، فمات مكانه». فأَبَوْا أن يفعلوا، وكَرِهُوا ما قال لهم، فنزل: ﴿ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم﴾. فقال رسول الله ﷺ عند نزول هذه الآية: «واللهِ، لا يتمنونه أبدًا»[[أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢٧٤. قال العراقي في تخريج الإحياء ٢/٤٧٣: «إسناده ضعيف».]][[c=٣٧٥]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: نَزَلَت هذه الآيةُ في المهاجرين؛ لَمّا قدِموا المدينة ذكروا إتيان النساء فيما بينهم وبين الأنصار واليهود، مِن بين أيديهن ومِن خلفهن، إذا كان المَأْتى واحدًا في الفرج. فعابَتِ اليهودُ ذلك إلا مِن بين أيديهن خاصَّة، وقالوا: إنّا نَجِدُ في كتاب الله: أنّ كُلَّ إتيانٍ يُؤْتى النساء غير مُسْتَلْقِياتٍ دَنَسٌ عند الله، ومنه يكون الحَوَلُ والخَبَلُ. فذكر المسلمون ذلك لرسول الله ﷺ، وقالوا: إنّا كُنّا في الجاهلية وبعد ما أسلمنا نأتي النساء كيف شِئْنا، وإنّ اليهودَ عابَتْ علينا. فأكذب اللهُ اليهودَ، وأُنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾. يقول: الفرجُ مَزْرَعَةُ الولد، ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾: من بين يديها، ومن خلفها في الفَرْج
عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن مروان السدي، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: لَمّا قَدِم رسول الله ﷺ المدينة؛ قال عمرُ لعبد الله بن سَلام: لقد أنزل الله على نبيّه: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾، فكيف -يا عبد الله- هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سَلام: يا عمر، لقد عرفتُه فيكم حين رأيتُه، كما أعرف ابني إذا رأيتُه مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفةً بمحمّد منّي بِابْنِي. فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: أشهد أنَّه رسولٌ حقٌّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا، وما أدري ما تصنع النساء! فقال له عمر: وفقك الله، يا ابن سَلام، فقد صَدَقْتَ وأَصَبْتَ
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: إنّما نزَل تحريمُ الخمر في قبيلَتين من قبائل الأنصار، وشَرِبوا، فلمّا أن ثَمِل القومُ عَبِث بعضُهم ببعض، فلما أن صَحَوا جعَل يَرى الرجلُ منهم الأثرَ بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول: صنَع بي هذا أخي فلان -وكانوا إخوةً ليس في قلوبهم ضغائن-، واللهِ، لو كان بي رَءوفًا رحيمًا ما صنَع بي هذا. حتى وقَعتِ الضغائنُ في قلوبهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. فقال ناسٌ مِن المُتَكَلِّفين: هي رِجسٌ، وهي في بطنِ فلانٍ قُتِل يومَ بدر، وفلان قُتِل يوم أُحُد! فأنزَل الله هذه الآية: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية
عن أنس بن مالك -من طريق قتادة- قال: بينا أُدِيرُ الكأسَ على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسُهيل بن بيضاء، وأبي دُجانة، حتى مالت رءوسُهم مِن خليطِ بُسْر وتمر، فسمِعْنا مناديًا يُنادي: ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت. قال: فما دخَل علينا داخلٌ ولا خرَج مِنّا خارجٌ حتى أهرَقْنا الشرابَ، وكسَرْنا القِلالَ، وتوضَّأ بعضُنا، واغْتَسَل بعضُنا، وأَصبْنا مِن طِيب أُمِّ سُلَيم، ثم خرَجنا إلى المسجد، وإذا رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. فقال رجل: يا رسول الله، فما مَنزِلةُ مَن مات مِنّا وهو يشرَبُها؟ فأنزل الله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية
عن أبي الطُّفَيْل، قال: لَمّا غزا رسولُ الله - ﷺ - غزوة تبوك نزل الحِجْر، فقال: «يا أيها الناس، لا تسألوا نبيَّكم الآياتِ، هؤلاء قومُ صالح سألوا نبيَّهم أن يبعث لهم آيةً، فبعث الله لهم الناقة آيةً، فكانت تَلِجُ عليهم يوم وُرُودِهم الذي كانوا يَتَرَوَّوْنَ منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يَتَرَوَّوْن مِن مائهم قبل ذلك لَبَنًا، ثم تخرج مِن ذلك الفَجِّ، فعَتَوْا عن أمر ربِّهم وعقروها، فوعدهم اللهُ العذابَ بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا مِن الله غير مكذوب، فأهلك اللهُ مَن كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، فمنعه حرمُ الله مِن عذاب الله». قالوا: ومن ذلك الرجل، يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال». (٦/ ٤٦١)