سورة المزمل — الآية ٢

عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنه قال: وقال في سورة المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشَدُّ وطْئًا وأَقْوَمُ قِيلًا﴾، فنَسَخَتْها الآية التي تليها: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠]

رجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٥٩٦-٥٩٨) مُستدلًا بالقرآنِ أنّ المراد بعهد الله هنا: عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله. قال: «وعهدُه إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، كما قال -جَلَّ ثناؤه-: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ وأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:١٢]». وأثبت ابنُ عطية (١‏/‏١٩٤-١٩٥) الخلافَ دون ترجيح

سورة البقرة — الآية ٢١٣

عن زيد بن أسلم -من طريق ابنه عبد الرحمن- في قوله: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾: فاختلفوا في يوم الجمعة؛ فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أُمَّة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أُمَّةَ محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم؛ فقالت اليهود: كان يهوديًّا. وقالت النصارى: كان نصرانيًّا. وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى؛ فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك

سورة المائدة — الآية ٢

عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حَجّاج- قوله: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾، قال: ينهى عن الحجاج أن تُقْطَع سُبُلُهم. قال: وذلك أن الحُطَم قَدِم على النبي ﷺ لِيَرْتاد وينظر، فقال: إنِّي داعية قومي، فاعرض علَيَّ ما تقول. قال له: «أدعوك إلى الله أن تعبده ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت». قال الحُطَم: في أمرك هذا غِلْظَة، أرجع إلى قومي، فأذكر لهم ما ذكرت؛ فإن قَبِلوه أقبلت معهم، وإن أدبروا كنت معهم. قال له: «ارجع». فلَمّا خرج قال: «لقد دخل عَلَيَّ بوجه كافر، وخرج من عندي بعَقِبَيْ غادر، وما الرجل بمسلم». فمَرَّ على سَرْح لأهل المدينة، فانطلق به، فطلبه أصحاب رسول الله ﷺ، ففاتهم، وقَدِم اليمامة، وحضر الحج، فجَهَّز خارجًا، وكان عظيم التجارة، فاستأذنوا أن يَتَلَقَّوه ويأخذوا ما معه، فأنزل الله عز وجل: ﴿لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾

قال ابنُ عطية (٧‏/‏٣٠٤ بتصرف): «قوله تعالى: ﴿إن هذا﴾ يحتمل أن يشير إلى ما في القصة مِن امتحان واختبار بالشدة، ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية، وإنقاذ من تلك الشدة في إنفاذ الذبح، فيكون البلاء بمعنى: النعمة... وإلى كل احتمال قد أشارت فرقةٌ من المفسرين». وقال ابنُ كثير (١٢‏/‏٤٣): «استدل بهذه الآية والقصة جماعةٌ مِن علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن مِن الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة؛ لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولًا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم:٣٧]». وبنحوه ابنُ عطية (٧‏/‏٣٠٥)

سورة النساء — الآية ٩٠

عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾. وقال في الممتحنة: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (٨)﴾ وقال فيها: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم﴾ إلى: ﴿فأولئك هم الظالمون (٩)﴾. فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (١) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (٢)﴾، فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك. وقال في التي تليها: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾. ثم نسخ واستثنى، فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ إلى قوله: ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٥، ٦]

سورة النساء — الآية ١٢٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: أصاب الناس سَنَةٌ جَهَدُوا فيها، فحشروا إلى باب إبراهيم عليه الصلاة والسلام يطلبون الطعام، وكانت الميرة لهم كُلَّ سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى مصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريد لنفسه احتملنا ذلك له، وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة. فرجع رسل إبراهيم، فمرُّوا ببطحاء، فقالوا: لو احتملنا مِن هذه البطحاء ليرى الناس أنّا قد جئنا بالميرة، إنا نستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة. فملأوا تلك الغَرائِرَ رملًا، ثم إنهم أتوا إبراهيم عليه السلام وسارة نائمة، فأعلموه ذلك، فاهتم إبراهيم عليه السلام لمكان الناس، فغلبته عيناه، فنام، واستيقظت سارة، فقامت إلى تلك الغرائر، ففتحتها، فإذا هو أجود حُوّارى يكون، فأمرت الخبّازين، فخبزوا، وأطعموا الناس، واستيقظ إبراهيم عليه السلام، فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارةُ، مِن أين هذا الطعام؟ قالت: مِن عند خليلك المصري. فقال: بل مِن عند خليلي الله، لا من عند خليلي المصري. فيومئذ اتخذه الله خليلًا

سورة النور — الآية ٥١

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال الله عز وجل: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾، وقد ذُكِر لنا: أنّ عبادة بن الصامت كان عقبيًا بدريًّا أحد نقباء الأنصار. وذُكِر لنا: أنّه بايع رسولَ الله ﷺ على أن لا يخاف في الله لومةَ لائم، وأنّه لَمّا حضره الموتُ دعا ابنَ اخته جنادة بن أبي أمية، فقال: ألا أنبئك ماذا عليك، وماذا لك؟ قال: بلى. قال: فإنّ عليك السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك، ومَنشَطِك ومَكْرَهِك، وأَثَرَةٍ عليك، وعليك أن تُقيم لسانك بالعدل، وأن لا تُنازِع الأمرَ أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحًا، فما أُمِرت به مِن شيء يُخالف كتاب الله فاتَّبع كتاب الله. وذُكِر لنا: أنّ أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة. قال: وقد ذُكِر لنا: أنّ عمر بن الخطاب كان يقول: عروة الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لِمَن ولّاه الله أمرَ المسلمين

سورة الزمر — الآية ١٠

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله إذا أحبَّ عبدًا أو أراد أن يصافيه صبَّ عليه البلاء صبًّا، ويَحُثُّه عليه حثًّا، فإذا دعا قالت الملائكة: صوت معروف. قال جبريل: يا ربّ، عبدك فلان اقضِ حاجته. فيقول الله: دَعْه، إنِّي أحب أن أسمع صوته. فإذا قال: يا ربّ. قال الله: لبّيك عبدي وسعديك، وعِزَّتي، لا تدعوني بشيء إلا استجبتُ لك، ولا تسألني شيئًا إلا أعطيتُك؛ إما أن أُعَجِّل لك ما سألتَ، وإما أن أدَّخر لك عندي أفضل منه، وإما أن أدفع عنك من البلاء أعظم منه». ثم قال رسول الله ﷺ: «وتُنصب الموازين يوم القيامة، فيأتون بأهل الصلاة، فيُوفَّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام، فيُوفَّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة، فيُوفَّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج، فيُوفَّون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء، فلا يُنصب لهم ميزان، ولا يُنشر لهم ديوان، ويُصبّ عليهم الأجر صبًّا بغير حساب، حتى يتمنى أهلُ العافية أنهم كانوا في الدنيا تُقرض أجسادهم بالمقاريض؛ مما يذهب به أهلُ البلاء من الفضل، وذلك قوله: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾»

نقل ابنُ عطية (٣‏/‏٥٣٦) في قوله تعالى: ﴿وناداهُما﴾ عن الجمهور أن «هذا النداء نداءُ وحيٍ بواسطة». ثم علَّق عليه بقوله: «ويُؤَيِّد ذلك أنّا نتلقى من الشرع أنّ موسى عليه السلام هو الذي خُصِّص بين العالَم بالكلام، وأيضًا ففي حديث الشفاعة أنّ بني آدم المؤمنين يقولون لموسى يوم القيامة: «أنت خصَّك الله بكلامه، واصطفاك برسالته؛ اذهب فاشفع للناس». وهذا ظاهره أنه مُخَصَّص... ويُؤَيَّد أنّه نداء وحي اشتراكُ حواء فيه، ولم يُرْوَ قطُّ أنّ الله عز وجل كلم حواء». ونَقَل عن فرقة قولهم: «بل هو نداء تكليم». ثم علَّق عليه بقوله: «وحُجَّة هذا المذهب أنّه وقع في أول ورقة من تاريخ ابن أبي خيثمة أنّ رسول الله ﷺ سُئِل عن آدم. فقال: «نبيٌّ مُكَلَّم». وأيضًا فإنّ موسى خُصِّص بين البشر الساكنين في الأرض، وأمّا آدم إذ كان في الجنة فكان في غير رتبة سكان الأرض، فليس في تكليمه ما يُفْسِد تخصيص موسى عليه السلام... ويُتَأَوَّل قوله عليه الصلاة والسلام: «نبيٌّ مُكَلَّم». أنه بمعنى: مُوصَل إليه كلام الله -تبارك وتعالى-»