سورة الشعراء — الآية ١٧٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذ قال لهم شعيب﴾ ولم يكن شعيب مِن نسبهم، فلذلك لم يقل عز وجل: أخوهم شعيب. وقد كان أُرسِل إلى أُمَّة غيرهم أيضًا إلى ولد مدين، وشعيب مِن نسلهم، فمِن ثمَّ قال في هذه السورة: ﴿إذ قال لهم شعيب﴾ ولم يقل: أخوهم. لأنه ليس من نسلهم، ﴿ألا تتقون﴾ يقول: ألا تخشون الله عز وجل؟! ﴿إني لكم رسول أمين*فاتقوا الله وأطيعون﴾ فيما آمركم به مِن النصيحة، ﴿وما أسألكم عليه﴾ يعني: على الإيمان ﴿من أجر﴾ يعني: مِن جُعْل، ﴿إن أجري﴾ يعني: ما جزائي ﴿إلا على رب العالمين﴾

سورة الحج — الآية ٥٢

عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: خرج النبي ﷺ إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ إذ قال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. فألقى الشيطانُ على لسانه، فقال: «تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى». حتى إذا بلغ آخرَ السورة سجد، وسجد أصحابه، وسجد المشركون لذكر آلهتهم، فلمّا رفع رأسه حملوه، فاشْتَدُّوا به بين قُطْرَيْ مكة يقولون: نبيُّ بني عبد مناف. حتى إذا جاءه جبريلٌ عرض عليه، فقرأ ذَيْنِك الحرفين، فقال جبريل: معاذ الله أن أكون أقرأتُك هذا! فاشتد عليه؛ فأنزل الله وطَيَّب نفسه: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآيات

سورة القمر — الآية ٤٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق مقسم- قال: جاء العاقب والسيد، وكانا رأسي النصارى بنجران، فتكلّما بين يدي النبيِّ ﷺ بكلام شديد في القَدَر، والنبيُّ ﷺ ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله: ﴿أكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالله من قبلكم، ﴿أمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول، في أول الكتاب، إلى قوله: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ الذين كفروا وكذّبوا بالقَدَر قبلكم، ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول، في أُمّ الكتاب، ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ يعني: مكتوب. إلى آخر السورة

سورة البقرة — الآية ٢٤٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لَمّا قال لهم نبيُّهم: إن الله اصطفى طالوتَ عليكم، وزاده بسطة في العلم والجسم. أبَوْا أن يُسَلِّموا له الرياسة، حتى قال لهم: ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم﴾. وكان موسى حين ألقى الألواح تَكَسَّرَتْ، ورُفِع منها، وجمع ما بقي، فجعله في التابوت. قال ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج، عن يَعْلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير-: إنّه لم يَبْقَ من الألواح إلا سُدُسُها. وكانت العَمالِقَةُ قد سَبَت ذلك التابوتَ، والعَمالِقَةُ فِرْقَةٌ مِن عادٍ، كانوا بأرِيحا، فجاءت الملائكةُ بالتابوت تَحْمِلُه بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه، حتى وضَعَتْه عند طالوت، فلمّا رأوا ذلك قالوا: نعم. فسلَّموا له، وملَّكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالًا قدَّموا التابوت بين أيديهم

سورة البقرة — الآية ٢٦٠

عن الحسن البصري، قال: أخَذ ديكًا وطاووسًا وغرابًا وحمامًا، فقطَع رؤوسَهن وقوائمَهن وأجْنِحَتَهن، ثم أتى الجبلَ، فوضَع عليه لحمًا ودمًا وريشًا، ثم فرَّقه على أربعة أجْبال، ثم نُودِي: أيَّتُها العظامُ المُتَمزِّقةُ، واللحومُ المُتَفَرِّقةُ، والعروقُ المتقطِّعةُ، اجتَمِعْن يردّ الله فيكُنَّ أرواحَكنَّ. فوثَب العَظْمُ إلى العظمِ، وطارتِ الريشةُ إلى الريشة، وجرى الدمُ إلى الدمِ، حتى رجع إلى كُلِّ طائر دمُه ولحمُه وريشُه. ثم أوْحى الله إلى إبراهيم: إنّك سألْتَني كيف أُحْيي الموتى، وإنِّي خلقتُ الأرض، وجعلتُ فيها أربعةَ أرْياح: الشمال، والصَّبا، والجنوب، والدَّبُورَ، حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصُّور، فيجتمع مَن في الأرض مِن القَتْلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال، ثم قرأ: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ [لقمان:٢٨]

سورة التوبة — الآية ١٢٢

عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية: كان نبيُّ الله إذا غزا بنفسه لم يَحِلَّ لأحدٍ من المسلمين أن يتَخَلَّف عنه، إلا أهل العذر، وكان إذا أقام فأُسِرَّت السرايا لم يَحِلَّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا أسرى، فنزل بعده قرآنٌ تلاه نبيُّ الله على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية؛ قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: إنّ الله أنزل بعدكم على نبيِّه قرآنًا. فيُقْرِئونهم، ويُفَقِّهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يقول: إذا أقام رسول الله ﷺ، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعني بذلك: أنّه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبيُّ الله قاعِدٌ، ولكن إذا قعد نبيُّ الله تَسَرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس

سورة المائدة — الآية ٦٩

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: الذين صدَّقوا، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ يعني: اليهود، ﴿والصّابِئُونَ﴾ هم قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح، وفارقوا هذه الفرق الثلاث، وزعموا أنهم على دين نوح عليه السلام، وأخطأوا لأن دين نوح عليه السلام كان على دين الإسلام، ﴿والنصارى﴾ إنما سموا نصارى لأنهم ابتدعوا هذا الدين بقرية تُسَمّى: ناصرة، قال الله عز وجل: ﴿مَن آمَنَ﴾ مِن هؤلاء ﴿بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وأدّى الفرائض من قبل أن يُبعث محمد ﷺ فله الجنة، ومَن بقي منهم إلى أن يبعث محمد ﷺ فلا إيمان له إلا أن يُصَدِّق بمحمد ﷺ، فمَن صَدَّق بالله عز وجل أنّه واحد لا شريك له، وبما جاء به محمد ﷺ، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال ﴿فلا خوف عليهم﴾

سورة الفرقان — الآية ٢٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأحسن مقيلا﴾، يعني: القائلة، وذلك أنّه يخفف عنهم الحساب، ثم يقيلون من يومهم ذلك في الجنة مقدارَ نصف يوم من أيام الدنيا فيما يشتهون مِن التُّحَف والكرامة، فذلك قوله تعالى: ﴿وأحسن مقيلا﴾ مِن مقيل الكفار، وذلك أنّه إذا فرغ مِن عرض الكفار أُخْرِجَ لهم عُنق مِن النار يحيط بهم، فذلك قوله في الكهف [٢٩]: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾، ثم خرج من النار دخان ظل أسود، فيتفرق عليهم مِن فوقهم ثلاث فرق، وهم في السرادق، فينطلقون يستظِلُّون تحتها مِمّا أصابهم مِن حَرِّ السرادق، فيأخذهم الغَثَيان والشِّدَّة مِن حرِّه، وهو أخفُّ العذاب، فيقِيلون فيها لا مقيل راحة، فذلك مقيل أهل النار، ثم يدخلون النار أفواجًا أفواجًا

ظاهر قول مقاتل وقول الضحاك السابق عليه تفسيرُ الإسراف في الآية بالخطايا الكبار، وقد نقل ابنُ تيمية (٢‏/‏١٥٦) أنّ بعض العلماء فرَّق بين الذنوب وبين الإسراف، فقال: «قيل: إنّ الذنوب هي الصغائر، والإسراف هو الكبائر». ثُمَّ علَّق بقوله: «والتحقيق: أنّ الذنوب اسمُ جنس، والإسراف: تعدي الحد، ومجاوزة القصد، كما في لفظ الإثم والعدوان، فالذنوب كالإثم، والإسراف كالعدوان، كما في قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ ومجاوزة قدر الحاجة، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله، فهذا كله ذنب، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبع لهواه، والإسراف كالذي يغضب لله، فيعاقب أكثر مما أمر الله، والآية في سياق قتال المشركين، وما أصابهم يوم أحد»

ذكر ابنُ جرير (١١‏/‏٦٢١-٦٢٢) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «فقد أخبر من ذكرنا مِن هؤلاء: أنّ هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعتذار بالباطل. فأمّا بالحق -على ما قاله مَن حكينا قوله من هؤلاء- فغيرُ جائز أن يوصَفوا به». وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٣٨٢-٣٨٣) على هذا القول بقوله: «وكلُّ هذه الفرقة قرأ: ﴿المعذّرون﴾ بشد الذال، فمنهم مَن قال: أصله: المعتذرون، نقلت حركة التاء إلى العين، وأدغمت التاء في الذال، والمعنى: معتذرون بكذب، ومنهم من قال: هو من التعذير، أي: الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع». ثم قال: «فالآية إلى آخرها في هذا القول إنما وصَفَت صنفًا واحدًا في الكفر ينقسم إلى أعرابيٍّ وحضريٍّ»