عن أبي هريرة: أنّ أحبار يهود اجتمعوا في بيت المِدْراس حين َقدِم رسول الله ﷺ المدينة، وقد زنى رجل بعد إحصانه بامرأةٍ من يهود وقد أُحْصِنت، فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فاسألوه كيف الحكمُ فيهما، وولُّوه الحكم فيهما، فإن عَمِل فيهما بعملكم من التَّجْبِيهِ –والتَّجْبِيهُ: الجلد بحبل من لِيف مَطْلِيٍّ بقارٍ، ثم تُسوَّدُ وُجوهُهما، ثم يُحمَلان على حمارَيْن، وُجوهُهما من قِبَل أدْبار الحمار- فاتَّبِعوه؛ فإنما هو ملِكٌ سَيِّدُ قومٍ، وإن حكَم فيهما بالرَّجْم فإنّه نبي، فاحذروه على ما في أيديكم أن يَسْلُبَكم. فأتَوْه، فقالوا: يا محمد، هذا رجلٌ قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد ولَّيناك الحكمَ فيهما. فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارهم في بيت المِدْراس، فقال: «يا معشر يهود، أخرِجوا إلَيَّ علماءكم». فأخرجوا إليه عبد الله بن صُورِيا، وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يَهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤُنا. فسألهم رسول الله ﷺ، ثم حصَّل أمرَهم، إلى أن قالوا لعبد الله بن صُوريا: هذا أعلمُ مَن بَقِيَ بالتوراة. فخلا به رسول الله ﷺ، وكان غلامًا شابًّا مِن أحدثِهم سِنًّا، فألَظَّ به رسول الله ﷺ المسألة، يقول: «يا ابن صُورِيا، أنشُدُك اللهَ وأُذَكِّرُك أيّامَه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنّ الله حكم في مَن زنى بعد إحصانه بالرَّجم في التوراة؟». فقال: اللَّهُمَّ نعم، أما واللهِ، يا أبا القاسم، إنّهم لَيعرِفون أنّك نبي مُرْسَل، ولكنهم يحسدونك. فخرج رسول الله ﷺ، فأمرَ بهما، فرُجِما عند باب مسجده، ثم كفر بعد ذلك ابن صُورِيا، وجحد نُبُوَّةَ رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ الآية
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا أهلك الله عادًا وتَقَضّى أمرُها عَمِرَتْ ثمود بعدها، واستُخْلِفوا في الأرض، فنزلوا فيها، وانتشروا، ثم عَتَوْا على الله، فلمّا ظهر فسادهم وعبدوا غير الله بعث إليهم صالحًا، وكانوا قومًا عربًا، وهو من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم موضعًا رسولًا. وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْحٍ، وهو وادي القُرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلًا فيما بين الحجاز والشام، فبعث الله إليهم غلامًا شابًّا، فدعاهم إلى الله، حتى شَمِطَ وكَبِرَ، لا يتبعه منهم إلا قليلٌ مستضعفون، فلما ألَحَّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة؛ سألوه أن يريَهم آيةً تكون مِصْداقًا لِما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا هذا -وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله، في يوم معلوم من السنة-، فتدعو إلهك، وندعو آلهتنا، فإن استُجِيب لك اتَّبَعْناك، وإن استُجِيب لنا اتَّبَعْتنا. فقال لهم صالح: نعم. فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جُندَعُ بن عمرو بن جَوّاسِ بن عمرو بن الدُّمَيْلِ -وكان يومئذ سيِّدَ ثمود وعظيمَهم-: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة -لِصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثِبةُ- ناقةً مُخْتَرَجَةً جَوْفاءَ وبْراء -والمُخترجَةُ: ما شاكَلَت البُخْتَ من الإبل. وقالت ثمودُ لصالح مثل ما قال جُنْدَعُ بن عمرو-، فإن فَعَلْتَ آمنّا بك، وصدَّقْناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقٌّ. وأخذ عليهم صالحٌ مواثيقهم: لَئِن فعلتُ وفَعل اللهُ لَتُصَدِّقُنِّي، ولَتُؤْمِنُنَّ بي؟ قالوا: نعم. فأَعْطَوه على ذلك عهودَهم، فدعا صالحٌ ربَّه بأن يخرجها لهم من تلك الهَضْبةِ كما وصَفوا
عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدِم على النبيِّ ﷺ وفدُ نجران سِتُّون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا مِن أشرافهم، فكلَّم رسولَ الله ﷺ منهم أبو حارثة بن عَلْقَمة، والعاقب عبد المسيح، والأَيْهَم السيِّد، وهو من النصرانيّة على دين الملك مع اختلاف من أمرهم؛ يقولون: هو الله. ويقولون: هو ولد الله. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. كذلك قول النصرانية، فهم يحتجّون في قولهم، يقولون: هو الله بأنّه كان يُحْيِي الموتى، ويُبْرِئُ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا، وذلك كلّه بإذن الله ليجعله آيةً للناس. ويحتجّون في قولهم بأنّه ولد بأنهم يقولون: لم يكن له أب يُعْلَم، وقد تكلم في المهد شيئًا لم يصنعه أحدٌ مِن ولد آدم قبله. ويحتجّون في قولهم أنّه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ، وأمرتُ، وقضيتُ، وخلقتُ. ولكنه هو وعيسى ومريم، ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن، وذكر الله لنبيه فيه قولهم، فلمّا كلّمه الحبران قال لهما رسول الله ﷺ: «أسلِما». قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتُما، منعكما من الإسلام دعاؤُكما لله ولدًا، وعبادتُكما الصليبَ، وأكلُكما الخنزيرَ». قالا: فمَن أبوه، يا محمد؟ فصَمَتَ، فلم يُجِبْهما شيئًا؛ فأنزل الله في ذلك مِن قولهم واختلافِ أمرِهم كلِّه صدرَ سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فافتتح السورة بتنزيه نفسِه مما قالوه، وتوحيده إياها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، وردّ عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه مِن الأنداد، واحتجاجًا عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرّفهم بذلك ضلالته؛ فقال: ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ أي: ليس معه غيره شريك في أمره، ﴿الحي﴾ الذي لا يموت، وقد مات عيسى في قولهم، ﴿القيّوم﴾ القائم على سلطانه لا يزول، وقد زال عيسى
عن عبد الله بن عباس، قال: كان مِن أمر زيد بن حارثة أنّه كان في أخواله بني معن من بني ثُعل من طيئ، فأصيب في غِلمة مِن طيئ، فقُدِم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوَّق بها، فأوصته عمتُه خديجة أن يبتاع لها غلامًا ظريفًا عربيًّا إن قدر عليه، فلما جاء وجد زيدًا يُباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه، فقدم به عليها، وقال لها: إنِّي قد ابتعت لك غلامًا ظريفًا عربيًّا، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني. فلما رأته خديجة أعجبها، فأخذته، فتزوجها رسول الله ﷺ وهو عندها، فأعجب النبي ﷺ ظرفه، فاستوهبه منها، فقالت: أهبه لك، فإن أردت عتقه فالولاء لي. فأبى عليها، فوهبته له؛ إن شاء أعتق وإن شاء أمسك، قال: فشَبَّ عند نبي الله ﷺ. ثم إنه خرج في إبل أبي طالب إلى الشام، فمَرَّ بأرض قومه، فعرفه عمُّه، فقام إليه، فقال: مَن أنت، يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة. قال: مِن أنفسهم. قال: لا. [قال]: فحُرٌّ أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك. قال: لِمَن؟ قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال له: أعربيٌّ أنت أم عجمي؟ قال: بل عربي. قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب. قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ود. قال: ويحك، ابن من أنت؟ قال: ابن حارثة بن شَراحيل. قال: وأين أُصِبت؟ قال: في أخوالي. قال: ومَن أخوالك؟ قال: طيِّئ. قال: ما اسم أمك؟ قال: سُعدى. فالتزمه، وقال: ابن حارثة! ودعا أباه، وقال: يا حارثة، هذا ابنك. فأتاه حارثة، فلمّا نظر إليه عرفه، قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يُؤثِرُني على أهله وولده، ورُزِقتُ منه حُبًّا، فلا أصنع إلا ما شئتُ. فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله ﷺ، فقال له حارثة: يا محمد، أنتم أهل حرم الله وجيرانه وعند بيته، تَفُكُّون العاني، وتُطْعِمون الأسير، ابني عبدك، فامْنُن علينا، وأحسن إلينا في فدائه؛ فإنك ابن سيد قومه، فإنّا سنرفع لك في الفداء ما أحببتَ. فقال له رسول الله ﷺ: «أُعطيكم خيرًا مِن ذلك». قالوا: وما هو؟ قال: «أُخَيِّره، فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه». فقالوا: جزاك الله خيرًا، فقد أحسنت. فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: «يا زيدُ، أتعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وعمي وأخي. فقال رسول الله ﷺ: «فأنا مَن قد عرفتَه، فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا مَن تعلم». فقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحدًا أبدًا، أنت مِنِّي بمكان الوالد والعم. قال له أبوه وعمه: يا زيد، أتختار العبودية على الربوبية؟ قال: ما أنا بِمُفارِق هذا الرجل. فلما رأى رسول الله ﷺ حِرصَه عليه قال: «اشهدوا أنه حُرٌّ، وإنّه ابني يرثني وأرثه». فطابت نفسُ أبيه وعمه لِما رأوا مِن كرامته عليه، فلم يزل في الجاهلية يُدعى: زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾، فدُعِي: زيد بن حارثة
عن السُّدِّي، في قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان رجلًا من جُندَيْسابورَ، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقًا له مُؤاخيًا، لا يقضي واحدٌ منهما أمرًا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعًا، فبينما هما في الصيد إذ رُفع لهما بيت من عباءةٍ، فأتياه، فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه، وهو يبكي، فسألاه: ما هذا؟ فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أُعْلِمَكما. فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فيه: أن لا تسرق، ولا تزني، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقَصَّ عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزل الله على عيسى، فوقع في قلوبهما، وتابعاه، فأسلما، وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام. فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه، حتى كان عيدٌ للملك، فجمع طعامًا، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك رسولًا، فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس، فأبى الفتى، وقال: إني عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك. فلما أكثر عليه من الرسل أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم، فبعث الملك إلى ابنه، ودعاه، وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار ليس تَحِلُّ ذبائحُكم. فقال له الملك: مَن أمرك هذا؟ فأخبره أنّ الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب، فقال: ماذا يقول ابني؟ قال: صدق ابنك. قال له: لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا. فأَجَّلَه أجلًا، فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين فأنا في بِيعَة بالموصل مع ستين رجلًا نعبد الله، فائتونا فيها. فخرج الراهب، وبقي سلمان وابن الملك، فجعل سلمان يقول لابن الملك: انطلق بنا. وابن الملك يقول: نعم. وجعل ابن الملك يبيع متاعه، يريد الجهاز، فلما أبطأ على سلمان خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه، وهو رب البِيعَة، وكان أهل تلك البِيعة أفضل مرتبة من الرهبان، فكان سلمان معه يجتهد في العبادة، ويتعب نفسه، فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به، هو أفضل أو الذي أصنع؟ قال: لا، بل الذي تصنع. قال: فخَلِّ عني. ثم إن صاحب البِيعة دعاه، فقال: أتعلم أن هذه البِيعة لي، وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أُخْرِج منها هؤلاء لفعلت، ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البِيعة إلى بِيعة أخرى، هم أهون عبادةً من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق. فقال له سلمان: أي البِيعتين أفضل أهلًا؟ قال: هذه. قال سلمان: فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها، وأوصى صاحب البِيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبد معهم، ثم إنّ الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس، فدعا سلمان، فقال: إني أريد أن آتي بيت المقدس، فإن شئت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم. قال له سلمان: أيهما أفضل؛ أنطلق معك أو أقيم؟ قال: لا، بل تنطلق معي. فانطلق معه، فمَرُّوا بمُقْعَد على ظهر الطريق مُلْقًى، فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان، ارحمني رحمك الله. فلم يكلمه، ولم ينظر إليه، وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، وقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يومًا حزينًا، فقال له الشيخ: ما لك، يا سلمان؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به مَن كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم. فقال له الشيخ: لا تحزن، فإنّه قد بقي نبيٌّ ليس مِن نبيٍّ بأفضلَ تبعًا منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه، ولا أراني أدركه، وأمّا أنت فشابٌّ، فلعلك أن تدركه، وهو يخرج في أرض العرب، فإن أدركته فآمِن به، واتَّبِعْه. قال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء. قال: نعم، وهو مختوم في ظهره بخاتم النبوة، وهو يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المُقْعَد، فناداهما، فقال: يا سيد الرهبان، ارحمني رحمك الله. فعَطَف إليه حماره، فأخذ بيده فرفعه، فضرب به الأرض، ودعا له، وقال: قم بإذن الله. فقام صحيحًا يشتدُّ، فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد، وسار الراهب فتغيب عن سلمان، ولا يعلم سلمان، ثم إنّ سلمان فَزِع، فطلب الراهب، فلقيه رجلان من العرب من كَلْب فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نِعْمَ راعي الصِّرْمَة هذا! فحمله فانطلق به إلى المدينة، قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط. فاشترته امرأة من جُهَينَة، فكان يرعى عليها هو وغلام لها، يَتَراوَحان الغنم، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمان يجمع الدراهم، ينتظر خروج محمد ﷺ، فبينما هو يومًا يرعى إذ أتاه صاحبه يَعْقُبُه، فقال له: أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة اليوم رجل يزعم أنه نبي؟ فقال له سلمان: أقِمْ في الغنم حتى آتيك. فهبط سلمان إلى المدينة، فنظر إلى النبي ﷺ ودارَ حوله، فلما رآه النبي ﷺ عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلَّمه، ثم انطلق، فاشترى بدينار؛ ببعضه شاة فشواها، وببعضه خبزًا، ثم أتاه به، فقال: «ما هذا؟». قال سلمان: هذه صدقة. قال: «لا حاجة لي بها، فأخرجْها فليأكُلْها المسلمون». ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزًا ولحمًا، ثم أتى به النبي ﷺ، فقال: «ما هذا؟». قال: هذه هدية. قال: «فاقعد فكل». فقعد، فأكلا منها جميعًا، فبينما هو يحدثه إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ: «يا سلمان، هم من أهل النار». فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدَّقوك واتَّبعوك. فأنزل الله هذه الآية: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾
عن عروة بن الزبير، وعبيد الله بن كعب بن مالك، ومحمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن كعب القرظي، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن غيرهم -من طريق محمد ابن إسحاق- ﴿إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: أنه كان من حديث الخندق أنّ نفرًا مناليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ -؛ خرجوا حتى قدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنّكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥]. فلما قالوا ذلك لقريش سرَّهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم له مِن حرب رسول الله - ﷺ -، فاجتمعوا لذلك، واتَّعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المُري في بني مُرة، ومشعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه مِن قومه من أشجع، فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذَنَبِ نَقَمى إلى جانب أُحد، وخرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرُفعوا في الآطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القُرظي صاحب عَقْد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادَعرسول الله - ﷺ - على قومه، وعاهَدَه على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب، افتح لي. قال: ويحك، يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، إني قد عاهدت محمدًا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا. قال: ويحك، افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: واللهِ، إن أغلقت دوني إلا تخوفت على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: يا كعب، جئتك بعِزِّ الدهر، وببحر طِمٍّ؛ جئتك بقريش على قاداتها وساداتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قاداتها وساداتها حتى أنزلتهم بذنب نَقَمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدًا ومن معه. فقال له كعب بن أسد: جئتني -واللهِ- بذُلِّ الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق ليس فيه شيء، فدعني ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أرَ من محمد إلا صدقًا ووفاءً. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاهم عهدًا من الله وميثاقًا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله - ﷺ -، فلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله - ﷺ - سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم أخي بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحَنوا لي لَحْنًا أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس». فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله - ﷺ -، وقالوا: لاعهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلًا فيه حِدَّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومَن معهما إلى رسول الله - ﷺ -، فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عُضَل والقارة، أي: كغدر عُضَل والقارة بأصحاب رسول الله - ﷺ - أصحاب الرجيع؛ خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: «الله أكبر، أبشروا، يا معشر المسلمين». وعَظُم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوُّهم مِن فوقهم، ومِن أسفل منهم، حتى ظنُّ المسلمون كل ظنٍّ، ونجم النفاق مِن بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعِدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إنّ بيوتنا لَعورة من العدو -وذلك عن مِلئٍ مِن رجال قومه-، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة. فأقام رسول الله - ﷺ - بضعًا وعشرين ليلة قريبًا مِن شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُك﴾ على ثلاثة أقوال: أولها:أن المعنى: ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من الكوافر. وهذا قول مجاهد، وأبي رزين. والثاني: أن المعنى: ولا أن تبدل بأزواجك اللواتي هن في حبالك أزواجًا غيرهن؛ بأن تطلقهن وتنكح غيرهن. وهذا قول الضحاك. والثالث: أن المعنى: ولا أن تبادل من أزواجك غيرك؛ بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته. وهذا قول ابن زيد. واختار ابنُ جرير (١٩/١٤٣) القولَ الثانيَ، وانتَقَدَ الأولَ مستندًا لدلالة العقل، وقال: «إنما قلنا ذلك أولى بالصواب لِما قد بَيَّنا قبلُ من أنّ قول الذي قال: معنى قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾: لا يحل لك اليهودية أو النصرانية والكافرة. قول لا وجه له. فإذ كان ذلك كذلك، فكذلك قوله: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ كافرةً لا معنى له؛ إذ كان مِن المسلمات من قد حرّم عليه بقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ الذي دللنا عليه قبل». وانتَقَدَ أيضًا القولَ الثالثَ؛ للقراءة المجمع عليها، والواقع، فقال: «أما الذي قاله ابن زيد في ذلك أيضًا فقول لا معنى له؛ لأنه لو كان بمعنى المبادلة لكانت القراءة والتنزيل: ولا أن تُبادل بهن من أزواج، أو: ولا أن تُبدِّل بهن -بضم التاء-، ولكن القراءة المجمع عليها: ﴿ولا أن تَبَدَّل بهن﴾ بفتح التاء، بمعنى: ولا أن تستبدل بهن، مع أن الذي ذكر ابن زيد من فعل الجاهلية غير معروف في أمة نعلمه من الأمم: أن يبادل الرجل آخر بامرأته الحرة، فيقال: كان ذلك مِن فِعْلهم فنهى رسول الله ﷺ عن فِعْل مثله!». وكذا انتَقَدَه ابنُ عطية (٧/١٣٦)، فقال: «هذا قول ضعيف، أنكره الطبري وغيره في معنى الآية، وما فعلت العرب قط هذا، وما رُوِي من حديث عيينة بن حصن أنّه دخل على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فقال: مَن هذه الحميراء؟ فقال رسول الله ﷺ: «هذه عائشة». فقال عيينة: يا رسول الله، إن شئت نزلت لك عن سيدة العرب جمالًا ونسبًا. فليس بتبديل، ولا أراد ذلك، وإنما احتقر عائشة لأنها كانت صبية، فقال هذا القول». وذهب ابنُ كثير (١١/٢٠٠) إلى ما ذهب إليه ابنُ جرير
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ غدا يومًا إلى النَّضِير ليسألهم كيف الدِّية فيهم، فلمّا لم يروا مع رسول الله كثيرَ أحد أبْرموا بينهم على أن يقتلوه، ويأخذوا أصحابه أسارى؛ ليذهبوا بهم إلى مكة، ليبيعوهم مِن قريش. فبينما هم على ذلك جاءَ جاءٍ مِن اليهود مِن المدينة، فلمّا رأى أصحابَه يأتمرون بأمر النبي ﷺ قال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن نقتل محمدًا، ونأخذ أصحابه. فقال لهم: وأين محمد؟ قالوا: هذا محمد قريب مِنّا. فقال لهم صاحبهم: واللهِ، لقد تركتُ محمدًا داخل المدينة. فأُسقط بأيديهم، وقالوا: قد أُخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه مِن العهد. فانطلق منهم ستون حَبْرًا، ومنهم حُييّ بن أخطَب، والعاصي بن وائل، حتى دخلوا على كعب، وقالوا: يا كعب، أنت سيد قومك ومدحهم، احكم بيننا وبين محمد. فقال لهم كعب: أخبِروني ما عندكم. قالوا: نُعتِق الرّقاب، ونذبح الكَوْماء، وإنّ محمدًا انبتر مِن الأهل والمال. فشَرَّفهم كعبٌ على رسول الله ﷺ، فانقلبوا؛ فأنزل الله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥١-٥٢]. وأنزل الله عليه فيما أرادوا أن يقتلوه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ﴾ الآية [المائدة:١١]. فقال رسول الله ﷺ: «مَن يَكْفِيني كعبًا؟». فقال ناسٌ من أصحابه فيهم محمد بن مَسْلَمة: نحن نكفيكه، يا رسول الله، ونَستحلّ منك شيئًا. فجاءوه، فقالوا: يا كعب، إنّ محمدًا كَلّفنا الصدقة، فبِعْنا شيئًا. -قال عكرمة: فهذا الذين استحلّوه من رسول الله ﷺ- فقال لهم كعب: ارهنوني أولادكم. فقالوا: ذاك عارٌ فينا غدًا؛ قبيح أن يقولوا: عبدُ وسْقِ شعير. قال كعب: فاللَّأْمَة -قال عكرمة: وهي السلاح-. فأصلحوا أمرهم على ذلك، فقالوا له: موعد ما بيننا وبينك القابلة. حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه، ورسول الله ﷺ في المُصلّى يدعو لهم بالظَّفَر، فلما جاءوه نادَوه: يا كعب. وكان عروسًا، فأجابهم، فقالت امرأتُه -وهي بنت عُمير-: أين تنزل؟ قد أيقنتُ الساعة ريح الدّم. فهبط وعليه مِلْحَفة مُوَرَّسة، وله ناصية، فلمّا نزل إليهم قال القوم: ما أطيبَ ريحكَ! ففرح بذلك، فقام إليه محمد بن مَسْلَمة، فقال قائل المسلمين: أشِمُّونا من ريحه. فوضع يدَه على ثوب كعب، وقال: شُمُّوا. فشَمّوا، وهو يظن أنهم يُعجبون بريحه، ففرح بذلك، فقال محمد بن مَسْلَمة: بَقيتُ أنا أيضًا. فمضى إليه، فأخذ بناصيته، ثم قال: اجلدوا عنقه. فجلدوا عنقه، ثم إنّ رسول الله ﷺ غدا إلى النَّضِير، فقالوا: ذَرنا نبكِ سيدَنا. قال: «لا». قالوا: فحَزَّة على حَزَّة. قال: «نعم، حَزَّة على حَزَّة». فلما رَأَوا ذلك جعلوا يأخذون مِن بطون بيوتهم الشيء ليَنجُوا به، والمؤمنون يُخرِبون بيوتهم مِن خارجٍ ليدخلوا عليهم، فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء -قال عكرمة: والجلاء يُجلَون منهم- لقَتَلهم بأيديهم. وقال عكرمة: إنّ ناسًا مِن المسلمين لَمّا دخلوا على بني النَّضِير أخذوا يَقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة:٢٠٥]. وقال قائل من المسلمين: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ [التوبة:١٢١]، ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠]. فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ وهي النخلة، ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ قال: ما قَطعتم فبإذني، وما تَركتم فبإذني
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني: قتلى بدرٍ؛ مَن قُتِل المسلمين يومئذ، وهم أربعة عشر رجلًا؛ سِتَّةٌ مِن المهاجرين: مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -فقال النبي ﷺ يوم بدر: «سيِّدُ شهداءِ أُمَّتِي مِهْجَع». وهو أول قتيل قُتِل يوم بدر-، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، وعمير بن أبي وقاص بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وذو الشماليل عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن نضلة بن عبد عمرو القيساني، و[عاقل] بن بكير، وصفوان بن بيضاء. وثمانية من الأنصار: حارثة بن سراقة، ويزيد بن الحارث بن جشم، ومُعَوِّذ بن الحارث، وعوف بن الحارث بن رفاعة ابنا عفراء -الاسم اسم أمهما عفراء-، ورافع بن المعلى، وسعد بن حنتمة، وعمرو بن الحمام بن الجَموح، ومبشر بن عبد المنذر. فقال رجل: يا ليتنا نعلم ما لقي إخوانُنا الذين قُتِلوا ببدر. فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني: قتلى بدر ﴿أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ الثمار في الجنة، وذلك أنّ الله تعالى جعل أرواح الشهداء طيرًا خضرًا ترعى في الجنة، لها قناديل مُعَلَّقة بالعرش تَأْوِي إلى قناديلها، فاطَّلع الله عز وجل عليهم، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: أولسنا نسرح في الجنة حيث نشاء؟! ثم اطَّلع عليهم أخرى، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ ثم اطَّلَع الثالثة، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: ربَّنا، نريد أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا، فنقاتل في سبيلك مرة أخرى لِما نرى من كرامتِك إيّانا. ثم قالوا فيما بينهم: ليت إخواننا الذين في دار الدنيا يعلمون ما نحن فيه من الكرامة والخير والرزق، فإن شهدوا قتالًا سارعوا بأنفسهم إلى الشهادة. فسمع الله عز وجل كلامَهم، فأوحى إليهم: أنِّي منزل على نبيكم ومُخْبِرٌ إخوانَكم بما أنتم فيه، فاستبشِروا بذلك. فأنزل الله عز وجل يُحَبِّبُ الشهادةَ إلى المؤمنين: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني: قتلى بدر ﴿أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ من الثمار
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج عن عطاء، ومقاتل بن سليمان عن الضحاك-: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ يريد: إنّ الذين جاءوا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم، ﴿لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم﴾ يريد: خيرًا لرسول الله ﷺ، وبراءة لسيدة نساء المؤمنين، وخيرًا لأبي بكر، وأم عائشة، وصفوان بن المعطل، ﴿لكل امرىء منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره﴾ يريد: إشاعتَه ﴿منهم﴾ يريد: عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، ﴿له عذاب عظيم﴾ يريد: في الدنيا؛ جلده رسول الله ﷺ ثمانين، وفي الآخرة مصيره إلى النار، ﴿لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا أفك مبين﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ استشار فيها أسامةَ وبريرةَ وأزواجَ النبي ﷺ، فقالوا خيرًا، وقالوا: هذا كذب عظيم، ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين، ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ يريد: الكذب بعينه، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يريد: فلولا ما منَّ الله به عليكم وستركم... ﴿هذا بهتان عظيم﴾ يريد [بالبهتان]: الافتراء، مثل قوله في مريم: ﴿بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٦]، ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله﴾ يريد: مسطحًا، وحمنة، وحسان، ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ التي أنزلها في عائشة، والبراءة لها، ﴿والله عليم﴾ بما في قلوبكم مِن الندامة فيما خضتم به، ﴿حكيم﴾ حَكَم في القذف ثمانين جلدة، ﴿ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ يريد: بعد هذا ﴿في الذين آمنوا﴾ يريد: المحصنين والمحصنات من المصدقين؛ ﴿لهم عذاب أليم﴾ وجيع ﴿في الدنيا﴾ يريد: الحد، ﴿و﴾في ﴿الآخرة﴾ العذاب في النار، ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ سوء ما دخلتم فيه، وما فيه من شدة العذاب، وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا، ﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ يريد: لولا ما تفضل الله به عليكم، ﴿ورحمته﴾ يريد: مسطحًا، وحمنة، وحسان، ﴿وأن الله رؤوف رحيم﴾ يريد: من الرحمة رؤوف بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحق، ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يريد: صَدَّقوا بتوحيد الله، ﴿لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ يريد: الزلّات؛ ﴿فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾ يريد بالفحشاء: عصيان الله. والمنكر: كل ما يكره الله، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يريد: ما تفضل الله به عليكم ورحمكم؛ ﴿ما زكي منكم من أحد أبدا﴾ يريد: ما قبل توبة أحد منكم أبدًا، ﴿ولكن الله يزكي من يشاء﴾ فقد شئتُ أن أتُوبَ عليكم، ﴿والله سميع عليم﴾ يريد: سميع لقولكم، عليم بما في أنفسكم مِن الندامة في التوبة، ﴿ولا يأتل﴾ يريد: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم والسعة﴾ يريد: ولا يحلف أبو بكر ألّا يُنفِق على مِسْطَح ﴿أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ فقد جعلت فيك -يا أبا بكر- الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله، فتعطف -يا أبا بكر- على مسطح، فله قرابة، وله هجرة ومسكنة ومشاهد رضيتها منه يوم بدر، ﴿ألا تحبون﴾ يا أبا بكر ﴿أن يغفر الله لكم﴾ يريد: فاغفِر لمسطح، ﴿والله غفور رحيم﴾ يريد: فإنِّي غفور لمن أخطأ، رحيم بأوليائي، ﴿ان الذين يرمون المحصنات﴾ يريد: العفائف ﴿الغافلات المؤمنات﴾ يريد: المُصَدِّقات بتوحيد الله وبرسله. وقد قال حسان بن ثابت في عائشة: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُوم الغَوافِل فقالت عائشة: لكنَّك لست كذلك. ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ يقول: أخرجهم من الإيمان. مثل قوله في سورة الأحزاب [٦١] للمنافقين: ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾، ﴿والذي تولي كبره﴾ يريد: كِبَر القَذْفِ وإشاعته؛ عبد الله بن أبي سلول الملعون، ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ يريد: أنّ الله ختم على ألسنتهم، فتَكَلَّمت الجوارح، و[شهدت] على أهلها، وذلك أنهم قالوا: تعالوا نحلف بالله ما كنا مشركين. فختم الله على ألسنتهم، فتكلمت الجوارح بما عملوا، ثم شهدت ألسنتهم عليهم بعد ذلك، ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ يريد: يجازيهم بأعمالهم بالحق، كما يجازي أولياءه بالثواب كذلك يجازي أعداءَه بالعقاب. كقوله في الحمد: ﴿مالك يوم الدين﴾ يريد: يوم الجزاء، ﴿ويعلمون﴾ يريد: يوم القيامة ﴿ان الله هو الحق المبين﴾ وذلك أنّ عبد الله بن أبي كان يشك في الدنيا، وكان رأس المنافقين، فذلك قوله: ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾، ويعلم ابن سلول ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ يريد: انقطع الشك، واستيقن حيث لا ينفعه اليقين، ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ يريد: أمثال عبد الله بن أبي، ومَن شك في الله، ويقذف مثل سيدة نساء العالمين، ﴿والطيبات للطيبين﴾ عائشة طَيَّبها اللهُ لرسوله؛ أتى بها جبريل في سَرَقَةٍ من حرير قبل أن تُصَوَّر في رَحِم أُمِّها، فقال له: عائشة بنت أبي بكر زوجتُك في الدنيا، وزوجتك في الجنة؛ عِوَضًا من خديجة. وذلك عند موتها، فسُرَّ بها رسولُ الله ﷺ، وقَرَّ بها عَيْنًا، ﴿والطيبون للطيبات﴾ يريد: رسول الله ﷺ، طَيَّبه اللهُ لنفسه، وجعله سيِّد ولد آدم، والطيبات يريد: عائشة، ﴿أولئك مبرؤن مما يقولون﴾ يريد: بَرَّأها الله مِن كذب عبد الله بن أبي، ﴿لهم مغفرة﴾ يريد: عصمة في الدنيا، ومغفرة في الآخرة، ﴿ورزق كريم﴾ يريد: رزق الجنة، وثواب عظيم