اختُلف في الذين أُمِر بمسألتهم رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وسْئَلْ مَن أرْسَلْنا﴾ على قولين: الأول: أنهم مؤمنو أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل. الثاني: أنهم الأنبياء الذين جُمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس. وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥١) على القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق أبي صالح، ومجاهد، والسُّدّيّ، وقتادة، والضحاك، وعطاء، والحسن، والمقاتلان بقوله: «لأنّ المفهوم أنه لا سبيل إلى سؤاله الرسل إلا بالنظر في آثارهم وكتبهم وسؤال من حفظها، وفي قراءة ابن مسعود، وأبي بن كعب: (وسْئَلِ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا)، فهذه القراءة تؤيد هذا المعنى. وكذلك قوله: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف:٨٢] مفهوم أنه لا يسأل إلا أهلها، ومما ينظر الى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء:٥٩]، فمفهوم أن الردّ إنما هو إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن المحاورة في ذلك إنما هو لتبّاعهم وحفظة الشرع». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٠‏/‏٦٠٦). ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٦٠٦) القول الأول، فقال: «وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عني به: سل مؤمني أهل الكتابين». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية أن فرقة قالت: أراد: أن اسأل جبريل. وانتقده بقوله: «وفيه بُعد». ونقل أن فرقة قالت: أراد: واسألني، أو واسألنا عمّن أرسلنا. وعلَّق عليه بقوله: «والأَولى -على هذا التأويل- أن يكون: ﴿مَن أرْسَلْنا﴾ استفهامًا أمره أن يسأل به، كأن سؤاله: يا رب، مَن أرسلت قبلي من رسلك؟ أجعلت في رسالته الأمر بآلهة يعبدون؟ ثم ساق السؤال محكي المعنى، فردّ المخاطبة إلى محمد ﷺ في قوله: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾». وساق ابنُ القيم (٢‏/‏٤٣٨-٤٣٩) القولين، ثم علق بقوله: «وعلى كل تقدير فالمراد: التقرير لمشركي قريش وغيرهم ممن أنكر النبوات والتوحيد، وأن الله أرسل رسلًا، أو أنزل كتابًا، أو حرّم عبادة الأوثان، فشهادة أهل الكتاب بهذا حجة عليهم، وهي من أعلام صِحَّة رسالته ﷺ»

سورة البقرة — الآية ١٩٨

في حديث جابر الطويل عن صفة حج الرسول ﷺ، قال:... ثُمَّ ركب القَصْواء حتى أتى المَوْقِف، فجعل بَطْنَ ناقته القَصْواء إلى الصَّخَرات، وجعل جَبَل المُشاةِ بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يَزَلْ واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفْرة قليلًا حين غاب القُرْص، وأَرْدَف أسامةَ خلفه، فدفع رسول الله ﷺ وقد شَنَقَ للقَصْواء الزِّمام، حتى إنّ رأسها لَيُصِيب مَوْرِكَ رَحْلِه، وهو يقول بيده اليمنى: «السكينة، أيها الناس». كُلَّما أتى جبلًا من الجبال أرْخى لها قليلًا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فجَمَع بين المغرب والعشاء بأذانٍ واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجرَ حين تبيَّن له الصبح، ثم ركب القَصْواء حتى أتى المشعر الحرام، فرَقِي عليه، فاستقبل الكعبة، فحَمِد الله وكَبَّره ووَحَّدَه، فلم يزل واقفًا حتى أسْفَر جِدًّا، ثم دفع قبل أن تَطْلُعَ الشمس

سورة التوبة — الآية ١٢٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾، وذلك أنّ الله عاب في القرآن مَن تَخَلَّف عن غزاة تبوك، فقالوا: لا يرانا اللهُ أن نتخلف عن النبيِّ ﷺ في غزاته، ولا في بَعْث سَرِيَّةٍ. فكان النبي ﷺ إذا بعث سَرِيَّةً رَغِبوا فيها رَغْبَةً في الأجر؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ﴾ يعني: ما ينبغي لهم ﴿لِيَنْفِرُوا﴾ إلى عدوهم ﴿كافَّةً﴾ يعني: جميعًا، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ يعني: فهلّا نفر ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ﴾ يعني: من كل عُصْبَةٍ منهم ﴿طائِفَةٌ﴾، وتُقِيم طائفةٌ مع النبي ﷺ، فيتَعَلَّمون ما يُحْدِث اللهُ عز وجل على نبيه ﷺ مِن أمرٍ، أو نهيٍ، أو سُنَّة، فإذا رجع هؤلاء الغُيَّب تَعَلَّموا من إخوانهم المقيمين، فذلك قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يعنى: المقيمين، ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعنى: ولِيُحَذِّروا إخوانهم ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ من غزاتهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ يعني: لكي يحذروا المعاصي التي عملوا بها قبل النهي

سورة الشعراء — الآية ٦٣

قال مقاتل بن سليمان: قوله عز وجل: ﴿فكان كل فرق كالطود العظيم﴾، يعني: كالجبلين المقابلين، كل واحد منهما على الآخر، وفيهما كُوًى مِن طريق إلى طريق لينظر بعضهم إلى بعض إذا ساروا فيه؛ ليكون آنس لهم إذا نظر بعضهم إلى بعض، فسلك كل سبط مِن بني إسرائيل في طريق لا يخالطهم أحدٌ مِن غيرهم، وكانوا اثني عشر سِبْطًا، فساروا في اثني عشر طريقًا، فقطعوا البحر، وهو نهر النيل بين أيْلَة ومصر، نصف النهار، في ست ساعات من النهار يوم الاثنين، وهو يوم العاشر من المحرم، فصام موسى عليه السلام يوم العاشر شُكرًا لله عز وجل حين أنجاه الله عز وجل، وأغرق عدوه فرعون، فمِن ثَمَّ تصومه اليهود، وسار فرعون وقومه في تمام ثمانية ساعات، فلمّا توسطوا البحرَ تَفَرَّقَتِ الطُّرُق عليهم، فأغرقهم الله عز وجل أجمعين، فذاك قوله تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾

سورة الحشر — الآية ١٠

عن علي بن الحسين بن علي -من طريق ابنه محمد- قال: جلس إلَيَّ قومٌ مِن أهل العراق، فذكروا أبا بكر وعمر، فمَسُّوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان، فقلت لهم: أخبِروني؛ أنتم من المهاجرين ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم الصادقون﴾؟ قالوا: لا، لسنا منهم. قال: فأنتم مِن الذين قال الله عز وجل: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾؟ قالوا: لا، لسنا منهم. قال: فقلت لهم: وأما أنتم فقد تبرّأتم وشهدتم وأقررتم أن تكونوا منهم، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾، قوموا عنِّي، لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم مِن أهله

جمع ابنُ جرير (١‏/‏٦١٥-٦١٦) بين قَوْلَيِ ابن عباس من طريق ابن إسحاق بسنده ومن طريق الضحاك، وقول قتادة من طريق مَعْمَر، وقول السُّدي وابن جريج وابن زيد الواردة في معنى «البر» بكونها متقاربة، ومندرجة تحت العموم الذي أفادته ألفاظ الآية، فقال: «وجميع الذي قيل في تأويل هذه الآية متقارب المعنى؛ لأنهم وإن اختلفوا في صفة البِرِّ الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، فهم متَّفقون في أنهم كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضًا من القول أو العمل، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم، فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذن: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه؟! فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم. معيِّرَهم بذلك، ومقبِّحًا لهم قبيحَ ما أتَوا به». وزاد ابن عطية (١‏/‏٢٠٠) نقلًا عن فرقة قولهم في معنى الآية: «كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏١٦٠-١٦١): «قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ الآية، الخطاب للمؤمنين المُصَدِّقين، جُدِّد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول، ونُهُوا عن التولي عنه، وهذا قول الجمهور. ويكون هذا متناصرًا مع قول من يقول: إن الخطاب بقوله: ﴿وإن تنتهوا﴾ هو للمؤمنين. فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه. وأما على قول مَن يقول: إن المخاطبة بـ﴿وإن تنتهوا﴾ هي للكفار. فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج رسول الله ﷺ، وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم. وقالت فرقة: الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان محتملًا على بُعْد فهو ضعيف جدًّا؛ لأجل أن الله وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان، والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء. وقيل: إن الخطاب لبني إسرائيل. وهذا أجنبي من الآية»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الضمير يعود على الدين، وإظهاره أن تصير الأديان كلها دينًا واحدًا، وهو الإسلام، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام. وثانيها: أنّ الضمير يعود على الدين، وإظهاره أن يجعله أعلاها وأظهرها، وإن كان معه غيره كان دونه. وثالثها: أنّ الضمير يعود على الرسول ﷺ، وإظهاره على الدين كله أن يطلعه ويعلمه الشرائع كلها، والحلال والحرام. وعلَّقَ ابنُ عطية (٤‏/‏٢٩٩) على القول الأول بقوله: «كأنّ هذه الفرقة رأت الإظهار على أتم وجوهه، أي: حتى لا يبقى معه دين آخر». وعلَّقَ على القول الثاني بقوله: «هذا لا يحتاج إلى نزول عيسى، بل كان هذا في صدر الأمة، وهو حتى الآن -إن شاء الله-». واسْتَدْرَكَ على القول الثالث، ومالَ إلى الثاني مستندًا إلى السياق، ودلالة العقل بقوله: «هذا التأويل وإن كان صحيحًا جائزًا فالآخرُ أبرعُ منه، وأَلْيَقُ بنظام الآية، وأحرى مع كراهية المشركين»

ذكر ابنُ جرير (١٦‏/‏١١١) هذه القراءة، وقراءةَ مَن قرأ ﴿كيد ساحر﴾، ثم علّق عليهما قائلًا: «والقول في ذلك عندي: أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أنّ الكيد: هو المكر والخدعة، فالساحر مكره وخدعته مِن سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته: تخيله إلى المسحور على خلاف ما هو به في حقيقته، فالساحر كائد بالسحر، والسحر كائد بالتخييل، فإلى أيهما أضفت الكيد فهو صواب». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏١١٠) في قراءة قوله: ﴿كيد﴾ قراءتين؛ أحدهما ترفعها، والأخرى تنصبها، ووجّه الآية عليهما، فقال: «وقرأت فرقة (كَيْدَ) بالنصب (سِحْرٍ)، وهذا على أن»ما«كافة، و(كَيْدَ) منصوب بـ﴿صَنَعُوا﴾، ورفع ﴿كيد﴾ على أن»ما«بمعنى: الذي». وبنحو توجيه ابن عطية قراءة النصب في (كَيْدَ) قال ابنُ جرير (١٦‏/‏١١٢)، ثم انتقدها مستندًا لمخالفتها إجماع القراء بقوله: «وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها؛ لإجماع الحُجَّة مِن القُرّاء على خلافها»

ذكر ابنُ القيم (٢‏/‏١٩٧-١٩٨بتصرف) في تفسير قوله: ﴿من قبل﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أن معناه: حال صغره. الثاني: أن معناه: في سابق عِلْمِنا. الثالث: أنّ معناه: من قبل نزول التوراة. وقد رجّح القولَ الثالث مستندًا إلى السياق، فقال: «وأصحُّ الأقوال في الآية أنّ المعنى: من قبل نزول التوراة. فإنّه سبحانه قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، ولهذا قطعت قبل عن الإضافة وبُنِيَت؛ لأن المضاف منويٌّ معلوم، وإن كان غير مذكور في اللفظ، فالسياق إنما يقتضي: مِن قبل ما ذُكِر». وانتقد ابنُ القيم مستندًا إلى ظاهر الآية والدلالة العقلية القولَ الثاني، فقال: «وقيل: المعنى بقوله: ﴿من قبل﴾ أي: في سابق علمنا، وليس في الآية ما يدل على ذلك، ولا هو أمر مختص بإبراهيم، بل كل مؤمن فقد قدّر الله هُداه في سابق علمه»