سورة إبراهيم — الآية ٤٣

عن عُليّ بن رباح، عن رجل سمع عبادة بن الصامت يقول: إنّا كنا في المسجد نقترئ، معنا أبو بكر الصديق، ونحن أُمِّيُّون يُقْرِئ بعضُنا بعضًا، فخرج عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول تَتْبَعه نُمْرُق وزُرْبية، ثم وُضِعَتا له، فاتَّكَأَ، فقال: يا أبا بكر، ألا تقول لمحمد: يأتينا بآية كما جاء بها الأولون؛ جاء صالح بالناقة، وجاء موسى بالألواح، وجاء داود بالزبور، وجاء عيسى بالمائدة. وعبد الله بن أبي بن سلول رجل جدِل، صبيح، فصيح، فبكى أبو بكر، فخرج رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: قوموا نستغيث بنبِي الله مِن هذا المنافق. فقال رسول الله: «إنه لا يُقام لي، إنما يُقام لله، إنّ جبريل أتاني، فقال: اخرج، فحدّث بنعمة الله التي أنعم بها عليك، وبفضيلته التي فُضِّلْتَ بها. فبشَّرني بعشر لم يُؤْتَها نبيٌّ قبلي، فقال: إنّ الله بعثني إلى الناس جميعًا، وأمرني أن أُنذِر الجن، وإنّ الله لَقّاني كلامه وأنا أُمِّيٌّ، فقد أُوتِي داود الزبور، وموسى الألواح، وعيسى الإنجيل، وإنّ الله قد غفر لي ذنبي ما تقدَّم منه وما تأخر، وإنّ الله أعطاني الكوثر، وإنّ الله أمَدَّني بالملائكة، وأتاني النصر، وجعل بين يديَّ الرعب، وجعل حوضي أعْظَم الحياض، ورفع ذِكْرِي في التأذين، وبعثني يوم القيامة مقامًا محمودًا، والناس ﴿مهطعين، مقنعي رؤوسهم﴾...

سورة هود — الآية ٧٧

عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد- يقول: كان أهل سدوم الذين فيهم لوط قومًا قد اسْتَغْنَوْا عن النِّساء بالرجال، فلمّا رأى اللهُ ذلك بعث الملائكةَ لِيُعَذِّبوهم، فأتوا إبراهيم، وكان مِن أمره وأمرهم ما ذكر اللهُ في كتابه، فلمّا بشَّروا سارة بالولد قاموا، وقام معهم إبراهيم يمشي، قال: أخبِروني لِمَ بُعِثْتُم؟ وما خطبكم؟ قالوا: إنّا أُرْسِلنا إلى أهل سدوم لِنُدَمِّرها، وإنّهم قوم سوء قد اسْتَغْنَوا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ قالوا: إذن لا نُعَذِّبَهم. فجعل ينقص حتى قال: أهل البيت؟ قالوا: فإن كان فيها بيت صالح؟ قال: فلوط وأهل بيته؟ قالوا: إنّ امرأتَه هواها معهم. فلمّا يئِس إبراهيمُ انصرف، ومَضَوْا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط، فلمّا رأتهم امرأته أعجبها حسنُهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية: إنّه قد نزل بنا قوم لم يُرَ قومٌ قطُّ أحسن منهم ولا أجمل. فتسامعوا بذلك، فغشوا دار لوط مِن كل ناحية، وتَسَوَّروا عليهم الجدران، فلقيهم لوط، فقال: يا قومِ، لا تفضحوني في ضيفي، وأنا أُزَوِّجكم بناتي؛ فهُنَّ أطهر لكم. فقالوا: لو كُنّا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن. فقال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾. فَوَجَدَ عليه الرسل، قالوا: إنّ ركنك لشديد، ﴿وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾

سورة محمد — الآية ١٥

عن محمد بن السّائِب الكلبي، في قوله: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية، قال: حدثني أبو صالح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا أُسرِي بي، فانطلق بي الملَك، فانتهى بي إلى نهر الخمر، فإذا عليه إبراهيم عليه السلام، فقلتُ للملَك: أيُّ نهرٍ هذا؟ فقال: هذا نهر دِجلة. فقلتُ له: إنّه ماء. قال: هو في ماءٍ في الدنيا، يسقي اللهُ به مَن يشاء، وهو في الآخرة خمرٌ لأهل الجنة». قال: «ثم انطلقتُ مع المَلك إلى نهر الرُّبّ، فقلتُ للمَلك: أيُّ نهر هذا؟ قال: هو جَيْحُون، وهو الماء غير آسِن، وهو في الدنيا ماء، يسقي الله به مَن يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسِن. ثم انطلق بي، فأبلغني نهر اللّبن الذي يلي القِبلة، فقلتُ للمَلك: أيُّ نهر هذا؟ قال: هذا نهر الفُرات. فقلتُ: هو ماء؟ قال: هو ماء، يسقي الله به مَن يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذُرّية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم. ثم انطلَق بي، فأبلغني نهر العسل الذي يخرج مِن جانب المدينة، فقلتُ للمَلك الذي أُرسل معي: أي نهر هذا؟ قال: هذا نهر مِصر. قلت: ماء هو؟ قال: هو ماء، يسقي الله به مَن يشاء، وهو في الآخرة عسل لأهل الجنة». ﴿ولَهُمْ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ يقول: في الجنة، ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ يقول: لذنوبهم

سورة القيامة — الآية ٢٣

عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ علّمه دعاء، وأَمَره أن يَتعاهده، ويَتعاهد به أهله كلّ يوم، قال: «قُلْ حين تُصبح: لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك وسَعْدَيْك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم، ما قلتُ من قول أو حَلفتُ من حَلِف أو نَذرتُ من نَذْر فمشيئتك بين يدي ذلك، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، لا حَوْل ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم، ما صلَّيتُ من صلاة فعلى مَن صَلَّيتَ، وما لعنتُ من لعْنٍ فعلى مَن لَعنتَ، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، تَوفّني مُسلمًا وأَلْحقني بالصالحين، أسألك -اللهم- الرضا بعد القضاء، وبَرْد العَيْش بعد الموت، ولذّة النّظر إلى وجهك، وشَوقًا إلى لقائك، من غير ضراءَ مُضِرّة، ولا فتنةٍ مُضِلّة، أعوذ بك أنْ أظلِم أو أُظلَم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكسِب خطيئة أو ذنبًا لا تَغفره، اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشهدك -وكفى بك شهيدًا- أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك المُلك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أنّ وعدك حقٌّ، ولقاءك حقٌّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنتَ تَبعث مَن في القبور، وأشهد أنك إن تَكِلني إلى نفسي تَكِلني إلى وهنٍ وعوْرة وذنبٍ وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كلّه، إنه لا يَغفر الذّنوب إلا أنت، وتُب عليّ إنك أنت التواب الرحيم»

قال ابنُ جرير (٤/ ٦٥٨-٦٥٩): «يعني -تعالى ذكره- بذلك: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾ يقول: لا تبطلوا أجور صدقاتكم ﴿بالمن والأذى﴾ كما أبطل كفر الذي ينفق ماله ﴿رئاء الناس﴾ وهو مراءاته إياهم بعمله، وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله -تعالى ذكره-، فيحمدونه عليه، وهو مريد به غير الله، ولا طالب منه الثواب، وإنما ينفقه كذلك ظاهرًا ليحمده الناس عليه، فيقولوا: هو سخِيٌّ كريم، وهو رجل صالح. فيحسنوا عليه به الثناء، وهم لا يعلمون ما هو مُسْتَبْطِن من النية في إنفاقه ما أنفق، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله -تعالى ذكره- واليوم الآخر. وأما قوله: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ فإنّ معناه: ولا يُصَدِّق بوحدانية الله وربوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمُجازًى على عمله، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده، وهذه صفة المنافق، وإنما قلنا: إنّه منافق؛ لأنّ المظهر كفرَه والمعلن شركه معلومٌ أنّه لا يكون بشيء من أعماله مرائيًا؛ لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه، والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان إذا كان معلنًا كفره لا لله، ومن كان كذلك فغير كائن مرائيًا بأعماله». واستدلَّ له بقولِ أهل التأويل، ولم يورد إلا أثر عمرو بن حُرَيْث هذا

انتقد ابنُ جرير (١٣‏/‏٦٠٢) مستندًا إلى السياق قول الحسن من طريق أبان بن أبي عياش، وقول علي بن صالح، وسفيان، أنّ معنى: ﴿لأزيدنكم﴾ أي: مِن طاعتي، فقال: «ولا وجْه لهذا القول يُفْهَم؛ لأنه لم يَجْرِ للطاعة في هذا الموضع ذكرٌ، فيقال: إن شكرتموني عليها زدتكم منها، وإنما جرى ذِكْرُ الخبر عن إنعام الله على قوم موسى بقوله: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]، ثم أخبرهم أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم، فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلام: زادهم من نِعَمِه، لا مِمّا لم يَجْرِ له ذِكْرٌ من الطاعة». غير أنّه ذكر له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «إلّا أن يكون أُريد به: لئن شكرتم فأطعتموني بالشكر لأزيدنكم مِن أسباب الشكر ما يعينكم عليه، فيكون ذلك وجْهًا». ورجَّح ابنُ عطية (٥‏/‏٢٢٦) قول سفيان والحسن، وانتقد تضعيفَ ابن جرير له، فقال: «وحكى الطبريُّ عن سفيان، وعن الحسن أنهما قالا: معنى الآية: لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. وضعَّفه الطبري، وليس كما قال: بل هو قويٌّ حسنٌ، فتأمَّله». ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏٢٢٥) عن بعض العلماء قولهم: «الزيادة على الشكر ليست في الدنيا، وإنما هي من نعم الآخرة، والدنيا أهون من ذلك». ثم علَّق عليه بقوله: «وصحيحٌ جائزٌ أن يكون ذلك، وأن يزيد الله تعالى المؤمن على شكره من نِعَم الدنيا، وأن يزيده أيضًا منهما جميعًا»

اختُلِف في زمان التثبيت المذكور في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الذِينَ ءامَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ على قولين: الأول: أنّ المقصود بالتثبيت في الحياة الدنيا زمن السؤال في القبر. الثاني: أنّ المقصود بالتثبيت في الحياة الدنيا زمن الحياة على وجه الأرض بالإيمان والعمل الصالح، وفي الآخرة زمن المساءلة في القبر. ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٦٥٧)، وكذا ابنُ عطية (٥‏/‏٢٤٧) القولَ الثاني، وهو قول طاووس وقتادة، مستندًا إلى السُّنَّة، فقال ابنُ جرير: «والصواب من القول في ذلك: ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ في ذلك، وهو أنّ معناه: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وذلك تثبيته إيّاهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد ﷺ، ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ بمثل الذي ثبَّتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يُسألون عن الذي هم عليه مِن التوحيد والإيمان برسوله ﷺ». وقال ابنُ عطية: «وقال طاووس وقتادة وجمهور من العلماء: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هي مُدَّة حياة الإنسان، ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ هي وقت سؤاله في القبر، وقال البراء بن عازب وجماعة: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هي وقت سؤاله في قبره، ورواه البراء عن النبي ﷺ في لفظ مُتَأَوَّل؛ لأنّ ذلك في مدة وجود الدنيا، وقوله: ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ هو يوم القيامة عند العرض. والأول أحسن، ورجَّحه الطبري»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٤١) في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قراءتان: الأولى: (يُدْعَوْنَ) بضم الياء وفتح العين، على ما لم يُسَمَّ فاعله، وعلَّق عليها بقوله: «و﴿أمْواتٌ﴾ يراد به الذين يدعون من دون الله، ورفع على ابتداء خبر مضمر تقديره: هم أموات، ويجوز أن يكون خبرًا لقوله: ﴿والَّذِينَ﴾ بعد الخبر في قوله: ﴿لا يَخْلُقُونَ﴾، ووصفهم بالموت مجازًا، وإنما المراد أنهم لم يقبلوا حياةً قط ولا اتَّصفوا بها». الثانية: ﴿يَدعُون﴾ بفتح الياء وضم العين، وعلَّق على هذه القراءة بأنه «يجوز أن يراد بالأموات الكفار الذين ضميرهم في ﴿يَدعُون﴾، شبَّههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال غير مهتدين، ويستقيم -على هذا- فيهم قوله: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، والبعث هنا: هو الحشر من القبور». ثم نقل ابنُ عطية عن فرقة: أن الضمير في: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ للكفار، ونقل عن فرقة أخرى: أن الضمير في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ للأصنام، و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: أيّان يُبعَث الكفار، وذكر احتمالًا آخر: «أن يكون الضميران للأصنام، [ويكون البعث الإثارة، ] كما تقول: بعثت النائم من نومه. إذا نبهته، وكما تقول: بعث الراعي سهمه. فكأنه وصفهم بغاية الجمود، أي: وإن طلبتَ حركاتهم بالتحريك لم يشعروا بذلك». ثم وجَّه قول الفرقة الأولى بقوله: «وعلى تأويل من يرى الضميرين للكفار ينبغي أن يُعتَقد في الكلام الوعيد، أي: وما يشعر الكفار متى يُبعَثون إلى التعذيب، ولو اختصر هذا المعنى لم يكن في وصفهم بأنهم لا يشعرون وأيان يبعثون طائل؛ لأن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث»

اختُلف في المراد بالذِّكْر على قولين: الأول: أنّه ذِكْر العذاب، فالمعنى: أفنُمْسِكُ عن عذابكم ونترُكُكم على كفركم؟!. الثاني: أنه القرآن، فالمعنى: أفنُمْسِكُ عن إنزال القرآن من أجل أنكم لا تؤمِنون به؟! ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٥٠) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأول الذي قاله ابن عباس، والسُّدّيّ، ومجاهد، وأبو صالح، ومقاتل، فقال: «لأنّ الله -تبارك وتعالى- أتْبَع ذلك خبرَه عن الأمم السالفة قبل الأُمَّة التي توعّدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلّ بها مِن نقمته، ففي ذلك دليلٌ على أنّ قوله: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا﴾ وعيدٌ منه للمخاطبين به مِن أهل الشِّرك؛ إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم». وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٣٣-٥٣٤): ""قوله تعالى: ﴿صَفْحًا﴾ انتصابه كانتصاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٨٨]، فيحتمل أن يكون بمعنى: العفو والغفر للذنب، فكأنه يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوًا عنكم وغفرًا لإجرامكم أن كنتم، أو من أجل أن كنتم قومًا مسرفين، هذا لا يصلح، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، ويحتمل قوله: ﴿صَفْحًا﴾ أن يكون بمعنى: مغفولًا عنه، أي: نتركه يمرُّ لا تؤخذون بقوله ولا بتدبُّره ولا تُنَبهون عليه، وهذا المعنى نظير قول الشاعر:تمر الصبا صفحًا بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي إن يهب هبوبهاأي: تمر مغفولًا عنها، فكأن هذا المعنى: أفنترككم سدًى، وهذا هو منحى قتادة وغيره، ومن اللفظة قول كثير:صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلة فمَن ملّ منها ذلك الوصل ملّت""

اختُلف في قوله: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ على أقوال: الأول: أنّ العمل في ليلة القدر بما يرضي الله خيرٌ مِن العمل في غيرها ألف شهر. الثاني: أنّ ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر. الثالث: أنّ قيام هذه الليلة خير من عمل ذلك الرجل المذكور خبره في نزول قوله: ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾. الرابع: أنّ الألف شهر هي مدة مُلك بني أُميّة بعد النبي ﷺ. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٤٧) القول الثاني، فقال: «وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول مَن قال: عملٌ في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر». ولم يذكر مستندًا. ووافقه ابنُ كثير (٨‏/‏٤٤٣) مستندًا إلى النظائر، فقال: «وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر -وليس فيها ليلة القدر- هو اختيار ابن جرير، وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله ﷺ: «رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل». وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة ونية صالحة: «أنه يُكتب له عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك». وانتقد ابنُ جرير الأقوال الأخرى لعدم وجود دليل يشهد لها، فقال: «وأمّا الأقوال الأخر فدعاوى معانٍ باطلة، لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التنزيل»