عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد] -من طريق التَّيْمِيّ- في قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، قال: لَمّا فرغ من البيت جاءه جبريل عليه السلام، فأراه الطواف بالبيت -وأَحْسَبُه قال: والصفا والمروة-، ثم انطلقا إلى العَقَبَة، فعرض لهما الشيطان، قال: فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، فرمى، وكَبَّر، وقال لإبراهيم: ارْمِ، وكَبِّر. قال: فرَمَيا، وكَبَّرا معَ كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، فرَمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتَيا الجمرة القُصْوى، قال: فعرض لهما الشيطان. قال: فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، وقال: ارْمِ، وكَبِّر. فرمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتى به إلى منى، فقال: ههنا يَحْلِق الناس رؤوسهم. ثم أتى به جمعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاةَ. ثم أتى به عرفات، فقال: عرفتَ؟ قال: نعم. قال: فمِن ثَمَّ سُمِّيت: عرفات
قال يزيد بن شجرة: مرَّ رسولُ الله ﷺ ذات يوم ببعض الأسواق بالمدينة، وإذا غلام أسود قائم ينادى عليه لِيُباع فيمَن يزيد، وكان الغلام يقول: مَن اشتراني فعلى شرط. قيل: ما هو؟ قال: لا يمنعني مِن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ. فاشتراه رجلٌ على هذا الشرط، وكان يراه رسول الله ﷺ عند كلّ صلاة مكتوبة، ففَقَده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟». فقال: محمومٌ، يا رسول الله. فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده». فقاموا معه، فعادوه، فلما كان بعد أيام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟». فقال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به. فقام، ودخل عليه وهو في بَرحائه، فقُبض على تلك الحال، فتولى رسول الله ﷺ غسله وتكفينه ودفْنه، فدخل على أصحابه مِن ذلك أمْر عظيم، فقال المهاجرون: هجرنا ديارنا وأموالنا وأهلينا فلم يَر أحدٌ منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي هذا الغلام. وقالت الأنصار: آويناه ونصرناه وواسيناه بأموالنا فآثرَ علينا عبدًا حبشيًّا! فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾
وجَّه ابنُ تيمية (٤/٣٤٦) قول من قال بأن معنى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فصل بأمر ربك، فقال: «وتوجيه هذا أن قوله:»بحمده«أي: بكونه محمودًا، كما قد قيل في قول القائل: سبحان الله وبحمده؛ قيل: سبحان الله ومع حمده أسبِّحه، أو أسبِّحه بحمدي له، وقيل: سبحان الله وبحمده سبَّحناه، أي: هو المحمود على ذلك، كما تقول: فعلتُ هذا بحمد الله، وصلينا بحمد الله، أي: بفضله وإحسانه الذي يَستحقُّ الحمدَ عليه، وهو يرجع إلى الأول، كأنه قال: بحمدِنا لله فإنه المستحق لأن نحمده على ذلك. وإذا كان ذلك بكونه المحمود على ذلك فهو المحمود على ذلك، حيث كان هو الذي أمَر بذلك وشَرَعَه، فإذا سبَّحنا سبَّحنا بحمده، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٤]. وقد يكون القائل الذي قال:»فسبح بحمد ربك«أي: بأمره؛ أراد: المأمور به، أي: سبّحه بما أمرك أن تُسبِّحه به، فيكون المعنى: سَبِّح التسبيحَ الذي أمركَ ربُّك به، كالصلاة التي أمرك بها. وقولنا: صليتُ بأمر الله، وسبَّحتُ بأمر الله. يتناول هذا وهذا، يتناول أنه أمرَ بذلك ففَعَلْتُه بأمْرِه لم أبتدعْه، وأني فعلتُ بما أمرني به لم أبتدعْ»
ذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/٤٩٢)، وكذا ابنُ كثير (١٢/٦) إلى أنّ الصافات: نوع من الملائكة استنادًا إلى أقوال السلف، فقال ابنُ جرير: «أما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات: جمع جمع، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل». وقال في موضع لاحق (١٩/٤٩٤): «الله -تعالى ذكره- ابتدأ القسم بنوع من الملائكة، وهم الصافون، بإجماع من أهل التأويل». وذَكَرَ ابنُ عطية (٧/٢٧٠) قولًا آخر، فقال: «قالت فرقة: أراد: كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير: والجماعات الصافات». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل أن يعم جميع هذه المذكورات». وذَكَرَ ابنُ القيم (٢/٣٦٥) قولًا آخر استنادًا إلى النظائر، فقال: «الصافات: الطير، كما قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ ويَقْبِضْن﴾ [الملك:١٩]، وقال تعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور:٤١]». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل ذلك كله، وإن كان أحق مَن دخل فيه وأولى الملائكة؛ فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد، وما ذكر مِن غير الملائكة فهو من آثار الملائكة، وبواسطتها كان»
اختُلف في الذي رآه النبي ﷺ على قولين: الأول: أنه رأى ربَّه عز وجل. وهو قول ابن عباس، وعكرمة وما في معناه. الثاني: أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته التي خُلِق عليها. وهو قول عائشة، وابن مسعود رضي الله عنهم، وما في معناه. ورجَّح ابنُ عطية (٨/١١٠-١١٢) القول الثاني مستندًا إلى السنة، من حديث عائشة رضي الله عنها [من طريق مسروق الآتي في تفسير قوله: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾]، فقال: «وحديث عائشة عن النبي ﷺ قاطع لكل تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ مِن ألفاظ القرآن». وعلَّق ابنُ تيمية (٦/١٣١) على القول الأول بقوله: «وليس قولُ ابن عباس أنّه رآه مُناقِضًا لهذا -أي: للقول الثاني-، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه قال: «رأيتُ ربي -تبارك وتعالى-». لكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمّا احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربّه -تبارك وتعالى- تلك الليلة في منامه. وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه حقًّا، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ ولا بد»
رَجَّح ابن جرير (٤/٦٣٠) مستندًا إلى ظاهر السنة نسبة الشكِّ إلى إبراهيم عليه السلام في قُدْرَةِ الله على إحياء الموتى، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بتأويل الآية: ما صَحَّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ أنّه قاله، وهو قوله: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم، قال: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾». وأن تكون مسألتُه ربَّه ما سأله أن يُرِيَه من إحيائه الموتى لعارضٍ من الشيطان عرَض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا». ثم ساق أثر ابن زيد. وانتَقَدَه ابنُ عطية (٢/٤٩-٥٠) مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وترجم الطبري في تفسيره فقال: وقال آخرون: سأل ذلك ربَّه لأنّه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. وأدخل تحت الترجمة أثرَ ابن عباس من طريق أيوب، وأثرَ عطاء بن أبي رباح من طريق ابن جريج، وذكر حديث أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم» الحديث. ثُمَّ رجّح الطبريُّ هذا القول الذي يجري مع ظاهر الحديث. وما ترجم به الطبريُّ عندي مردودٌ، وما أدخل تحت الترجمة مُتَأوَّل». ثُمَّ وجَّه (٢/٥٠-٥١) أدلة ابن جرير على ما يراه، فبيّن أنّ قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى، وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾. أي: أنّ الإيمان كافٍ لا يحتاج بعده إلى تنقيح وبحث. وأمّا قول عطاء بن أبي رباح: «دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس» فمعناه: مِن حُبِّ المعاينة، وذلك أنّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أُخبرت به، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الخبر كالمعاينة». وأمّا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمعناه: أنّه لو كان شكٌّ لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، فالحديث مبنيٌّ على نفي الشك عن إبراهيم. والذي رُوِي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ذلك محض الإيمان» إنّما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشكُّ فهو تَوَقُّفٌ بين أمرين لا مَزِيَّة لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل عليه السلام"". ورَجَّح (٢/٥١-٥٢) مستندًا إلى ألفاظ الآية، والدلالات العقلية أنّ سؤال إبراهيم عليه السلام لم يكن سببه الشكَّ في قدرة الله تعالى، وإنّما طلب المعاينة لما جُبِلَت عليه النفوسُ البشرية من رؤية ما أُخْبِرت، فليس الخبرُ كالمعاينة، فاستدل -إضافة إلى ما سبق- بأنّ الشك يبعد على مَن ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخُلَّة؟! والأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر التي فيها رَذِيلَةٌ إجماعًا، واستدل أيضًا بأن سؤال إبراهيم عليه السلام وسائرَ ألفاظ الآية لم تُعْطِ شكًّا؛ وذلك أنّ الاستفهام بـ«كيف» إنما هو عن حال شيءٍ موجودٍ مُتَقَرِّر الوجود عند السائل والمسؤول، فـ﴿كَيْفَ﴾ في هذه الآية إنّما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء مُتَقَرِّر، ولكن لما وُجِد أن بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبَّر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصلح، فيلزم من ذلك أنّ الشيء في نفسه لا يصح. مثال ذلك: أن يقول مُدَّعٍ: أنا أرفعُ هذا الجبلَ. فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول: أفرِضُ أنك ترفعه، أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك، وحمله على أن يبين الحقيقة، فقال له: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾، فكمل الأمر، وتخلص من كل شك، ثم علَّل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. وذكر ابنُ القيم (١/١٩٢-١٩٣) أنّ المعنى الذي عبّر عنه النبي ﷺ بالشك: هو طلبُ أن يكون اليقين عيانًا، والمعلوم مشاهدًا، ثم قال: «وهو ﷺ لم يشك، ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة». وبيّن أن هذا أحد الأقوال في معنى الحديث، ثم ذكر قولًا ثانيًا نحو قول ابن عطية، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا القول صحيحٌ أيضًا، أي: لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكًّا، وإنما طلب ما طلبه طمأنينة». وعلَّق ابنُ كثير (٢/٤٥٥) على الحديث بقوله: «فليس المراد ههنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف»
اختُلِف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فيهن﴾ على قولين: أحدهما: أنّ الضمير يعود على الاثني عشر شهرًا، والمعنى: فلا تظلموا في الأشهر كلِّها أنفسكم. وثانيهما: أنّ الضمير يعود على الأشهر الأربعة، والمعنى: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة الحُرُم أنفسكم. وهذا قول قتادة. أو فلا تظلموا -في تصييركم حرامَ الأشهر الأربعة حلالًا، وحلالها حرامًا- أنفسَكم. وهذا قول الحسن بن محمد، ومحمد بن إسحاق. ورجَّحَ ابنُ جرير (١١/٤٤٦) عودَ الضمير على الأشهر الأربعة استنادًا إلى الأشهر، والأفصحِ لغة، فقال: «أولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قولُ مَن قال: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسَكم، باستحلال حرامها؛ فإنّ الله عظَّمها وعظَّم حرمتها. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويله لقوله: ﴿فلا تظلموا فيهن﴾، فأخرج الكناية عنه مُخْرَج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة. وذلك أنّ العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة -إذا كَنَتْ عنه-: فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون، ولأربعة أيام بقين. وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين قالت: فعلنا ذلك لثلاث عشرة خلت، ولأربع عشرة مضت. فكان في قوله -جل ثناؤه-: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، وإخراجِه كناية عدد الشهور التي نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم فيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة، الدليلُ الواضح على أن الهاء والنون من ذكر الأشهر الأربعة، دون الاثني العشر؛ لأنّ ذلك لو كان كناية عن الاثني عشر الشهر؛ لكان: فلا تظلموا فيها أنفُسكم». ثُمَّ قال (١١/٤٤٧-٤٤٨ بتصرف) عن القولِ الأول: «ذلك وإن كان جائزًا فليس الأفصحَ الأعرفَ في كلام العرب، وتوجيهُ كلام الله إلى الأفصح الأعرف أوْلى مِن توجيهه إلى الأنكر. فإن قال قائل: فإن كان الأمرُ على ما وصفتَ فقد يجب أن يكون مباحًا لنا ظُلْم أنفسِنا في غيرهن مِن سائر شهور السنة؟ قيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرامٌ علينا في كل وقتٍ وزمانٍ، ولكنَّ الله عظَّم حُرْمَة هؤلاء الأشهر، وشرَّفهن على سائر شهور السنة، فخصّ الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصّهن بالتشريف، وذلك نظيرُ قوله: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة:٢٣٨]، ولا شك أنّ الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، ولم يُبِح تَرْك المحافظة عليهنَّ بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولكنه -تعالى ذِكْرُه- زادَها تعظيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا، وفي تضييعها تشديدًا. فكذلك ذلك في قوله: ﴿منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾»
عن وهب بن منبه -من طريق داود- قال: قال الحواريُّون: يا عيسى، مَن أولياءُ الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى عليه الصلاةُ والسلامُ: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناسُ إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجلِ الدنيا حين نظر الناسُ إلى عاجِلها، وأماتوا منها ما يخشون أن يُميتَهم، وتركوا ما علِموا أن سيترُكُهم، فصار اسْتكثارُهم منها استِقلالًا، وذكرهم إيّاها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، وما عارضهم مِن نائلها رفضوه، وما عارضهم مِن رفعتِها بغير الحقِّ وضعوه، وخَلَقَتِ الدنيا عندهم فليسوا يُجَدِّدونها، وخَرِبت بينهم فليس يعمرونها، وماتت في صدورهم فليس يُحْيُونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتَهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يَبْقى لهم، رفضوها فكانوا برَفْضها هم الفَرِحين، باعُوها فكانوا ببيعها هم المُرْبِحين، ونظروا إلى أهلها صَرْعى قد خَلَتْ فيهم المثُلاتُ، فأحَبُّوا ذِكْرَ الموت، وتركوا ذِكْرَ الحياة، يُحِبُّون الله تعالى، ويستضيئون بنوره ويُضِيئُونَ به، لهم خبرٌ عجيبٌ، وعندهم الخبرُ العجيبُ، بهم قام الكتابُ، وبه قاموا، وبهم نطق الكتابُ، وبه نطقوا، وبهم عُلِم الكتابُ، وبه عُلِموا، ليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أمانِيَّ دون ما يرجُون، ولا خوفًا دون ما يحذرون
زاد ابنُ عطية (٨/٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣/٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»
عن أنس بن مالك، قال: خرج عمرُ بنُ الخطاب مُتَقَلِّدًا بالسيف، فلقِيَهُ رجلٌ مِن بني زُهْرَة، فقال له: أين تغدو، يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا. قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زُهْرَة؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صَبَأتَ وتركت دينك! قال: أفلا أدُلُّك على العجب؟ إنّ أختك وخَتَنَك قد صَبَوا وتركا دينك. فمشى عمرُ ذامِرًا حتى أتاهما وعندهما خَبّابٌ، فلما سمع خبّاب بحِسِّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهَيْنَمَةُ التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرأون طه، فقالا: ما عدا حديثًا تحدَّثنا به. قال: فلعلَّكما قد صَبَوتُما. فقال له خَتَنُه: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك؟ فوَثَب عمرُ على خَتَنِه، فوَطِئه وطأ شديدًا، فجاءت أختُه لتدفعه عن زوجها، فنَفَحَها نَفَحَة بيده، فدمّى وجهَها، فقال عمر: أعطُوني الكتابَ الذي هو عندكم فأقرأه. فقالت أختُه: إنّك رجس، وإنّه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فتوضأ. فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ: ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾. فقال عمر: دُلُّوني على محمد. فلما سمع خبّابٌ قولَ عمر خرج من البيت، فقال: أبشِر، يا عمر، فإنِّي أرجو أن تكون دعوةَ رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: «اللَّهُمَّ، أعِزَّ الإسلامَ بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام». فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ، فأسلم