عن ابن أبي مُليكة، قال: قدِم أعرابيٌّ في زمانِ عمر، فقال: مَن يُقرِئُني مِمّا أنزَل اللهُ على محمد؟ فأقرَأه رجلٌ براءة، فقال: أنّ اللهَ بَريءٌ من المشركين ورسولِه. بالجرِّ، فقال الأعرابي: أوَقد بَرِئ اللهُ من رسولِه؟! إن يكنِ اللهُ برِئ من رسولِه فأنا أبرأُ منه. فبلَغ عمرَ مقالةُ الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابيُّ، أتَبْرَأُ مِن رسولِ الله ﷺ؟! قال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي قدِمتُ المدينة ولا علْمَ لي بالقرآن، فسألتُ: مَن يُقرِئُني؟ فأقرأني هذا سُورة براءة، فقال: أنّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه. فقلتُ: أوَقد بَرِئَ اللهُ من رسولِه؟! إن يكُنِ اللهُ برِئ من رسولِه فأنا أبرأُ منه. فقال عمر: ليس هكذا، يا أعرابي. قال: فكيف هي، يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾. فقال الأعرابي: وأنا -واللهِ- أبرأُ مِمّا برِئ اللهُ ورسولُه منه. فأمَر عمرُ بن الخطاب ألّا يُقرِئَ الناسَ إلا عالمٌ باللغة، وأمَر أبا الأسود فوضع النحو
عن عائشة -من طريق أبي سَلمة بن عبد الرحمن- قالتْ: كنتُ أجعلُ لرسول الله ﷺ حصيرًا يُصلِّي عليه مِن الليل، فتَسمَّع الناسُ بصلاته، فاجتمعتْ جماعةٌ مِن الناس، فلمّا رأى اجتماعَهم كَرِه ذلك، فخشي أن يُكتب عليهم، فدَخل البيتَ كالمُغضَب، فجَعلوا يتَنَحْنَحون ويتَسَعّلون، حتى خَرج إليهم، فقال: «يا أيها الناس، إنّ الله -تبارك وتعالى- لا يَملّ حتى تَملُّوا -يعني: من الثواب-؛ فاكْلَفوا من العمل ما تُطيقون، فإنّ خير العمل أدْومه وإن قَلّ». ونزلت عليه: ﴿يا أيُّها المزمل قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ السورة، فكُتبتْ عليهم، وأُنزِلَتْ بمنزلة الفريضة، حتى إن كان أحدهم ليَربط الحبل فيَتعلّق به، فلمّا رأى الله -جلّ وعزّ- ما يَكْلَفون مما يَبتغون به مِن وجه الله ورضاه وضَع ذلك عنهم، فقال: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ﴾ إلى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠]، فرَدّهم إلى الفريضة، ووضَع عنهم النّافلة، إلا ما تَطوّعوا به
عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فقَد الرجلَ من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه؛ فإن كان غائبًا دعا له، وإن كان شاهدًا زاره، وإن كان مريضًا عاده، ففقَد رجلًا من الأنصار في اليوم الثالث، فسأل عنه، فقيل: يا رسول الله، تركناه مثل الفرْخ لا يدخل في رأسه شيء إلا خرج من دُبُره. قال: «عودوا أخاكم». فخرجنا مع رسول الله ﷺ نعوده، فلما دخلنا عليه قال رسول الله ﷺ: «كيف تجدك؟». قال: لا يدخل في رأسي شيء إلا خرج من دُبُري. قال: «ومِمّ ذاك؟». قال: يا رسول الله، مررتُ بك وأنتَ تُصلِّي المغرب، فصلّيتُ معك وأنتَ تقرأ هذه السورة: ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ إلى آخرها: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾، فقلتُ: اللهم، ما كان مِن ذنب أنتَ مُعَذِّبي عليه في الآخرة فعَجِّل لي عقوبته في الدنيا؛ فنزل بي ما ترى. قال رسول الله ﷺ: «بئس ما قلتَ، ألا سألتَ الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ويَقِيك عذاب النار». فأمره النبيُّ ﷺ، فدعا بذلك، ودعا له النبيُّ ﷺ، فقام كأنما نَشِط من عِقال
رجّح ابنُ كثير (١٠/٥١١-٥١٢) مستندًا إلى السياق أن الذين أرسل عليهم حاصبًا هم عاد، وأن الذين أخذتهم الصيحة ثمود، وأن الذي خسف به قارون، وأن الذين أغرقوا فرعون ووزيره هامان، وجنوده، ثم قال: «وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ الآية، أي: من هؤلاء المذكورين». ثم انتقد مستندًا إلى ضعف الأثر وإلى السياق ما ورد في قول ابن عباس من طريق ابن جريج، فقال: «قد روي أن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قال: قوم لوط، ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ قال: قوم نوح. وهذا منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق». وانتقد كذلك قول قتادة أنه فسر ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قوم لوط. وأنه فسر: ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ أنهم قوم شعيب بقوله: «وهذا بعيدٌ أيضًا؛ لِما تقدم»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: الكبائرُ: الإشراك بالله؛ لأنّ الله يقول: ﴿من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة:٧٢]، والإيأس من روح الله؛ لأنّ الله يقول: ﴿لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف:٨٧]، والأمن لمكر الله؛ لأنّ الله يقول: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف:٩٩]، وعقوق الوالدين؛ لأنّ الله جعل العاقَّ جبارًا عصِيًّا، وقتل النفس التي حرم الله؛ لأنّ الله يقول: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ إلى آخر الآية [النساء:٩٣]، وقذف المحصنات؛ لأنّ الله يقول: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور:٢٣]، وأكل مال اليتيم؛ لأنّ الله يقول: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء:١٠]، والفرار من الزحف؛ لأنّ الله يقول: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ إلى قوله: ﴿وبئس المصير﴾ [الأنفال:١٦]، وأكل الرِّبا؛ لأنّ الله يقول: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون﴾ الآية [البقرة:٢٧٥]، والسِّحر؛ لأنّ الله يقول: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة:١٠٢]، والزِّنا؛ لأنّ الله يقول: ﴿يلق أثاما﴾ الآية [الفرقان:٦٨]، واليمين الغموس الفاجرة؛ لأنّ الله يقول: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ الآية [آل عمران:٧٧]، والغلول؛ لأنّ الله يقول: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران:١٦١]، ومنع الزكاة المفروضة؛ لأنّ الله يقول: ﴿فتكوى بها جباههم﴾ الآية [التوبة:٣٥]، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة؛ لأنّ الله يقول: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة:٢٨٣]، وشرب الخمر؛ لأنّ الله عدل بها الأوثان، وترك الصلاة مُتَعَمِّدًا؛ لأنّ رسول الله ﷺ قال: «مَن ترك الصلاة متعمدًا فقد بَرِئ مِن ذمة الله ورسوله»، ونقض العهد، وقطيعة الرحم؛ لأنّ الله يقول: ﴿لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ [الرعد:٢٥]
عن أم سلمة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢]. قال: «حُور: بِيض، عِين: ضخام العيون، شَفر الحوراء بمنزلة جَناح النّسور». وفي لفظ ابن مردويه: «شَفر الجُفون بمنزلة جَناح النّسر». قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤]. قال: «صفاؤهنّ صفاء الدُّر في الأصداف التي لم تمسّه الأيدي». قلت: يا رسول الله، أخبرِني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾. قال: «خَيْرات الأخلاق، حِسان الوجوه». قلت: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩]. قال: «رِقّتهن كرقَّة الجِلدة التي في داخل البيضة مما يلي القشر». قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة:٣٧]. قال: «هُنّ اللواتي قُبِضن في دار الدنيا عجائز رُمْصًا شُمْطًا، خلقهنّ الله بعد الكِبر، فجعلهنّ عذارى، عُربًا متعشِّقات مُحبّبات، أترابًا على ميلاد واحد». قلتُ: يا رسول الله، أنساء الدنيا أفضل أم الحُور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحُور العين؛ كفضل الظِّهارَةِ على البِطانة». قلت: يا رسول الله، وبِمَ ذاك؟ قال: «بصلاتهنّ وصيامهنّ وعبادتهنّ الله، ألبس الله وجوههنّ النور، وأجسادهنّ الحرير، بِيض الألوان، خُضر الثياب، صُفر الحلي، مَجامرُهنّ الدُّرّ، وأمشاطهنّ الذهب. يقلن: ألا نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ألا ونحن المُقيمات فلا نَظْعن أبدًا، ألا ونحن الراضيات فلا نَسخط أبدًا، طُوبى لمن كُنّا له وكان لنا». قلت: يا رسول الله، المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت، فتدخل الجنة، ويدخلون معها، مَن يكون زوجها؟ قال: «يا أُمّ سلمة، إنها تُخيّر، فتختار أحسنهم خُلقًا، فتقول: أي ربّ، إنّ هذا كان أحسنهم معي خُلقًا في دار الدنيا، فزوّجنيه. يا أُمّ سلمة، ذهب حُسن الخُلق بخير الدنيا والآخرة»
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «خلقَ الله عند المشرق حجابًا من الظُّلمة على البحر السابع على مِقْدار ليالي الدُّنيا كلِّها، فإذا كان غروب الشمس أقبَل ملَكٌ من الملائكة قد وُكِّلَ بالليل، فيقبِضُ قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبِلُ المغرب، فلا يزالُ يُرْسِلُ تلك الظُّلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، وهو يُراعي الشَّفَق، فإذا غاب الشَّفَقُ أرسَل الظُّلمة كلَّها، ثم ينشُرُ جناحيه، فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء، فيُجاوِزان ما شاء الله أن يُجاوِزا في الهواء، فيشُقُّ ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله، حتى يبلُغَ المغرب على قدْرِ ساعات الليل، فإذا بلَغَ المغرب انفجَرَ الصُّبحُ من المشرق، ضمَّ جناحَه، وضمَّ الظُّلمة بعضَها إلى بعض بكفَّيه، حتى يقبِضَ عليها بكفٍّ واحدة مثل قبضتِه حين تناوَلَها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعُها عند المغرب على البحر السابع، فمِن هناك تكون ظلمة الليل، فإذا حوَّلَ ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نَفَخَ في الصُّور، فضوء النهار من قِبَلِ الشمس، وظُلمة الليل من قِبَلِ ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس تجري من مَطْلِعِها إلى مَغْرِبِها حتى يأتي الوقت الذي جعلَ الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلُعُ، ويَستأذِنُ القمر من أين يطلُعُ، فلا يؤذَنُ لهما، فيُحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسِهما إلا قليلٌ من الناس، وهم بقيةُ أهل الأرض، وحمَلةُ القرآن، يقرأُ كلُّ رجلٍ منهم وِرْدَهُ في تلك الليلة، حتى إذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا ليلتُه على حالِها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا الليلة على حالها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرغَ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فلا يعرِف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن، فينادي بعضُهم بعضًا، فيجتمِعون في مساجدهم بالتضرُّع والبكاء والصُّراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال، ثم يرسِلُ الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر، فيقول: إنّ الرب عز وجل أمَرَكما أن ترجعا إلى مغارِبِكما فتطلُعا منها، فإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فيرجِعُ الشمس والقمر فيطلُعان مِن مغارِبهما، فبينا الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، والغافلون في غَفَلاتِهم، إذْ نادى منادٍ: ألا إنّ باب التوبة قد أُغلِقَ، والشمس والقمر قد طلَعا من مغارِبِهما. فينظر الناس فإذا هما أسودان كالعِكْمين، لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ [القيامة:٩]. فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقورَين، يُنازِعُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه استباقًا، ويتصايحُ أهل الدنيا، وتذهَلُ الأُمهات، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنه ينفَعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتَبُ لهم عبادة، وأمّا الفاسقون والفجّار فلا ينفعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتبُ عليهم حسرة، فإذا بلغتِ الشمس والقمر سُرَّةَ السماء -وهو مَنصِفُها- جاءَهما جبريل عليه السلام، فأخَذَ بقرونهما، فردَّهما إلى المغرب، فلا يُغرِبُهما في مغارِبِهما، ولكن يُغرِبُهما مغارِبِها التي في باب التوبة». فقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: وما بابُ التوبة؟ فقال: «يا عمر، خلَقَ الله بابًا للتوبة خلفَ المغرب، وهو من أبواب الجنة، له مِصْراعان من ذهب، مُكَلَّلان بالدُّرِّ والجوهر، ما بين المصراعِ إلى المصراعِ مسيرة أربعين عامًا للراكب المُسْرِع، فذلك الباب المفتوح منذ خلقَ الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طُلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يَتُبْ عبدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدُنْ آدم إلى ذلك اليوم إلا ولَجَتْ تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرفعُ إلى الله». فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، وما التَّوبة النَّصُوح؟ قال: «أن يندمَ العبدُ على الذنب الذي أصاب، فيهرُبَ إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضَّرْع». قال: «فيُغرِبُهما جبريل في ذلك الباب، ثم يَرُدُّ المصراعين، فيلتئمُ ما بينهما، ويصيران كأنّهما لم يكن فيهما صَدْعٌ قطُّ ولا خَلَلٌ، فإذا أُغلِقَ باب التوبة لم تُقبَلْ لعبدٍ بعد ذلك توبة، ولم تنفعْهُ حسنةٌ يعمَلُها بعد ذلك إلا ما كان قبلَ ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾». فقال أُبَيُّ بن كعب: يا رسول الله، فِداكَ أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: «يا أُبَيُّ، إنّ الشمس والقمر يُكسَيانِ بعدَ ذلك ضوء النُّور، ثم يطلُعان على الناس ويَغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأمّا الناس فإنهم حين رأَوْا ما رأَوْا من تلك الآية وعِظَمْها يُلِحُّونَ على الدنيا فيعمُرُونها، ويُجرُون فيها الأنهار، ويغرِسُون فيها الأشجار، ويبنُون فيها البنيان، فأمّا الدنيا فإنه لو نُتِجَ رجلٌ مُهرًا لم يُركَبْ حتى تقوم الساعة من لدُن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم يُنْفَخُ في الصُّور»
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ رجلًا مِمّن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا ﴿تَبارَكَ﴾، فلما وُضع في حُفرته أتاه المَلَك، فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنكِ من كتاب الله، وأنا أكره مساءتكِ، وإني لا أملك لكِ ولا له ولا لنفسي ضَرًّا ولا نَفعًا، فإنْ أردتِ هذا به فانطلِقي إلى الرّبّ، فاشفعي له. فانطلَقتْ إلى الرّبّ، فتقول: يا ربِّ، إنّ فلانًا عَمد إلَيّ مِن بين كتابك، فتعلَّمني، وتلاني، أفتحرقه أنتَ بالنار وتُعذِّبه وأنا في جوفه؟! فإن كنتَ فاعلًا به فامحُني مِن كتابكَ. فيقول: ألا أراكِ غضبتِ. فتقول: وحُقَّ لي أنْ أغضب. فيقول: اذهبي، فقد وهبتُه لكِ، وشَفّعتُكِ فيه. فتجيء، فَتَزبُر المَلك، فيَخرج كاسِفَ البال، لم يحْلَ منه بشيء، فتجيء، فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبًا بهذا الفم فرُبّما تلاني، ومرحبًا بهذا الصدر فرُبّما وعاني، ومرحبًا بهاتين القدمين فرُبّما قامتا بي. وتُؤنسه في قبره مخافة الوحْشة عليه». فلمّا حَدّث رسول الله ﷺ هذا الحديث لم يبقَ صغير ولا كبير ولا حُرّ ولا عبد إلا تعلَّمها، وسمّاها رسول الله ﷺ المُنجِية
بيّن ابن جرير (٢٤/٥٦٢) أنّ جميع الناس مؤمنهم وكافرهم يرون جزاء أعمالهم في الآخرة، فأمّا المؤمن فيغفر الله سيئاته وأمّا الكافر فيَردّ حسناته ويُعذَّب بسيئاته. ثم ذكر قول مَن قال: إنّ المؤمن يُعجّل له عقوبة سيئاته في الدنيا، ويُؤخّر له ثواب حسناته، والكافر يُعجّل له ثواب حسناته، ويُؤخّر له عقوبة سيئاته. ولم يعلّق عليه. وقال ابنُ عطية (٨/٦٦٩): «وقال بعض الناس وبعض المفسرين: رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى الخير كلّه مَن كان مؤمنًا، والكافر لا يرى في الآخرة خيرًا؛ لأنّ خيره قد عُجِّل له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضًا تُعجّل له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها، فيجيء من مجموع هذا أنّ مَن عمل من المؤمنين مِثقال ذرّة من خير أو شرّ رآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيرًا في الآخرة. ومنه حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله من البِرّ وصِلة الرَّحِم وإطعام الطعام، أله في ذلك أجر؟ قال: «لا، إنه لم يقل قطّ: ربّ، اغفر لي خطيئتي يوم الدين»»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان رسول الله ﷺ آخى بين المسلمين مِن المهاجرين والأنصار، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة، وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وقال لسائر أصحابه: تآخَوْا، وهذا أخي. يعني: علي بن أبي طالب. قال: فأقامَ المسلمون على ذلك حتى نزَلت سورة الأنفال، وكان مما شَدَّد الله به عَقْدَ نبيِّه ﷺ قول الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ إلى قوله: ﴿لهم مغفرة ورزق كريم﴾، فأَحْكَم الله تعالى بهذه الآيات العَقْدَ الذي عَقَدَ رسول الله ﷺ بين أصحابه مِن المهاجرين والأنصار، يَتوارثُ الذين تآخَوْا دونَ مَن كان مُقِيمًا بمكة مِن ذوي الأرحام والقَرابات، فمكَث الناسُ على ذلك العَقْدِ ما شاء الله، ثم أنزَل الله الآية الأخرى فنَسَخَت ما كان قبلَها، فقال: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام﴾ والقَرابات، ورجَع كلُّ رجلٍ إلى نَسَبِه ورَحِمِه، وانقطَعَت تلك الوِراثة