عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «خلقَ الله عند المشرق حجابًا من الظُّلمة على البحر السابع على مِقْدار ليالي الدُّنيا كلِّها، فإذا كان غروب الشمس أقبَل ملَكٌ من الملائكة قد وُكِّلَ بالليل، فيقبِضُ قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبِلُ المغرب، فلا يزالُ يُرْسِلُ تلك الظُّلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، وهو يُراعي الشَّفَق، فإذا غاب الشَّفَقُ أرسَل الظُّلمة كلَّها، ثم ينشُرُ جناحيه، فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء، فيُجاوِزان ما شاء الله أن يُجاوِزا في الهواء، فيشُقُّ ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله، حتى يبلُغَ المغرب على قدْرِ ساعات الليل، فإذا بلَغَ المغرب انفجَرَ الصُّبحُ من المشرق، ضمَّ جناحَه، وضمَّ الظُّلمة بعضَها إلى بعض بكفَّيه، حتى يقبِضَ عليها بكفٍّ واحدة مثل قبضتِه حين تناوَلَها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعُها عند المغرب على البحر السابع، فمِن هناك تكون ظلمة الليل، فإذا حوَّلَ ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نَفَخَ في الصُّور، فضوء النهار من قِبَلِ الشمس، وظُلمة الليل من قِبَلِ ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس تجري من مَطْلِعِها إلى مَغْرِبِها حتى يأتي الوقت الذي جعلَ الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلُعُ، ويَستأذِنُ القمر من أين يطلُعُ، فلا يؤذَنُ لهما، فيُحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسِهما إلا قليلٌ من الناس، وهم بقيةُ أهل الأرض، وحمَلةُ القرآن، يقرأُ كلُّ رجلٍ منهم وِرْدَهُ في تلك الليلة، حتى إذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا ليلتُه على حالِها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا الليلة على حالها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرغَ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فلا يعرِف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن، فينادي بعضُهم بعضًا، فيجتمِعون في مساجدهم بالتضرُّع والبكاء والصُّراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال، ثم يرسِلُ الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر، فيقول: إنّ الرب عز وجل أمَرَكما أن ترجعا إلى مغارِبِكما فتطلُعا منها، فإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فيرجِعُ الشمس والقمر فيطلُعان مِن مغارِبهما، فبينا الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، والغافلون في غَفَلاتِهم، إذْ نادى منادٍ: ألا إنّ باب التوبة قد أُغلِقَ، والشمس والقمر قد طلَعا من مغارِبِهما. فينظر الناس فإذا هما أسودان كالعِكْمين، لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ [القيامة:٩]. فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقورَين، يُنازِعُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه استباقًا، ويتصايحُ أهل الدنيا، وتذهَلُ الأُمهات، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنه ينفَعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتَبُ لهم عبادة، وأمّا الفاسقون والفجّار فلا ينفعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتبُ عليهم حسرة، فإذا بلغتِ الشمس والقمر سُرَّةَ السماء -وهو مَنصِفُها- جاءَهما جبريل عليه السلام، فأخَذَ بقرونهما، فردَّهما إلى المغرب، فلا يُغرِبُهما في مغارِبِهما، ولكن يُغرِبُهما مغارِبِها التي في باب التوبة». فقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: وما بابُ التوبة؟ فقال: «يا عمر، خلَقَ الله بابًا للتوبة خلفَ المغرب، وهو من أبواب الجنة، له مِصْراعان من ذهب، مُكَلَّلان بالدُّرِّ والجوهر، ما بين المصراعِ إلى المصراعِ مسيرة أربعين عامًا للراكب المُسْرِع، فذلك الباب المفتوح منذ خلقَ الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طُلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يَتُبْ عبدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدُنْ آدم إلى ذلك اليوم إلا ولَجَتْ تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرفعُ إلى الله». فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، وما التَّوبة النَّصُوح؟ قال: «أن يندمَ العبدُ على الذنب الذي أصاب، فيهرُبَ إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضَّرْع». قال: «فيُغرِبُهما جبريل في ذلك الباب، ثم يَرُدُّ المصراعين، فيلتئمُ ما بينهما، ويصيران كأنّهما لم يكن فيهما صَدْعٌ قطُّ ولا خَلَلٌ، فإذا أُغلِقَ باب التوبة لم تُقبَلْ لعبدٍ بعد ذلك توبة، ولم تنفعْهُ حسنةٌ يعمَلُها بعد ذلك إلا ما كان قبلَ ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾». فقال أُبَيُّ بن كعب: يا رسول الله، فِداكَ أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: «يا أُبَيُّ، إنّ الشمس والقمر يُكسَيانِ بعدَ ذلك ضوء النُّور، ثم يطلُعان على الناس ويَغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأمّا الناس فإنهم حين رأَوْا ما رأَوْا من تلك الآية وعِظَمْها يُلِحُّونَ على الدنيا فيعمُرُونها، ويُجرُون فيها الأنهار، ويغرِسُون فيها الأشجار، ويبنُون فيها البنيان، فأمّا الدنيا فإنه لو نُتِجَ رجلٌ مُهرًا لم يُركَبْ حتى تقوم الساعة من لدُن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم يُنْفَخُ في الصُّور»
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزّعراء- أنه ذُكر عنده الدَّجّال، فقال: يفترق الناس ثلاث فِرق؛ فرقة تَتْبعه، وفرقة تَلحق بأرض آبائها؛ مَنابتَ الشّيح، وفرقة تأخذ شَطّ الفُرات، فيُقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقُرى الشام، فيَبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فَرسٍ أشقر أو أبْلق، فيُقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم إنّ المسيح ينزل فيَقتله، ثم يَخرج يأجوج ومأجوج، فيمُوجون في الأرض، فيُفسدون فيها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]. ثم يَبعث الله عليهم دابة مثل هذه النَّغَفَة، فتَدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيَموتون منها، فتُنتِن الأرض منهم، فيَجْأر أهلُ الأرض إلى الله، فيُرسل الله ماءً، فيُطهّر الأرض منهم، ثم يَبعث ريحًا فيها زمهرير باردة، فلا تَدعُ على وجه الأرض مؤمنًا إلا كُفِئتْ بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم مَلك الصور بين السماء والأرض فيَنفخ فيه، فلا يَبقى خَلْقٌ لله في السماوات والأرض إلا مات إلا مَن شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خَلْقٌ إلا وفي الأرض منه شيء، ثم يُرسل الله ماءً مِن تحت العرش، مَنيًّا كمنيّ الرجال، فتَنبُتُ جسمانهم ولحمانهم مِن ذلك الماء كما تَنبُتُ الأرض من الثَّرى. ثم قرأ عبد الله: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. ثم يقوم مَلَك بالصور بين السماء والأرض، فيَنفخ فيه، فتَنطلِق كلُّ نفسٍ إلى جسدها حتى تَدخل فيه، فيَقومون، فيَجيئون مجيئة رجل واحد قيامًا لربّ العالمين، ثم يَتمَثَّل اللهُ للخَلْق، فيَلقاهم، فليس أحدٌ مِن الخَلْق يعبد من دون الله شيئًا إلا هو مُرتفع له يَتَّبعه، فيَلقى اليهود، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزَيْرًا. فيقول: هل يَسُرّكم الماء؟ قالوا: نعم، فيُريهم جهنم كهيئة السّراب. ثم قرأ عبد الله: ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠]. ثم يَلقى النصارى، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: المسيح. فيقول: هل يَسُرُّكم الماء؟ قالوا: نعم. فيُريهم جهنم كهيئة السّراب، وكذلك لِمَن كان يعبد من دون الله شيئًا. ثم قرأ عبد الله: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. حتى يَمُرّ المسلمون، فيَلقاهم، فيقول: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيَنتهِرهم مرة أو مرتين: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيقول: هل تَعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحان الله، إذا اعترف لنا عَرفناه. فعند ذلك ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، فلا يَبقى مؤمن إلا خَرّ لله ساجدًا، ويَبقى المنافقون ظهورهم طَبقٌ واحد كأنما فيها السَّفافِيدُ، فيقولون: ربّنا. فيقول: قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون. ثم يُؤمر بالصراط، فيُضرب على جهنم، فتَمُرّ الناس بأعمالهم زُمَرًا؛ أوائلهم كلمْح البصر، أو كلمْح البَرْق، ثم كمَرّ الريح، ثم كمَرّ الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يجيء الرجل سَعيًا، حتى يجيء الرجل مشيًا، حتى يجيء آخرهم رجل يَتكفّأ على بطنه، فيقول: يا ربّ، أبطأتَ بي. فيقول: إنما أبطأ بك عملُك. ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى -أو قال: عيسى- ثم يقوم نبيّكم ﷺ رابعًا لا يَشفع أحد بعده فيما يَشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. فليس من نفسٍ إلا تَنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسْرة، فيَرى أهلُ النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عَمِلتم. ويَرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن منّ الله عليكم. ثم يَشفع الملائكة والنّبيّون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيُشَفّعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. فيُخرج من النار أكثر مما أخرَج من جميع الخَلْق برحمته، حتى ما يَترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: قل يا أيها الكفار: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦]. قال: تَرون في هؤلاء أحدًا فيه خير؟ لا، وما يَترك فيها أحدًا فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يُخرج منها أحدًا غَيّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل مِن المؤمنين، فيَشفع، فيقال له: مَن عرف أحدًا فليُخرجه. فيجيء الرجل، فينظر، فلا يَعرف أحدًا، فيقول الرجل للرجل: يا فلان، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك. فيقولون: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾. فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧، ١٠٨]. فإذا قال ذلك أُطبقتْ عليهم، فلم يَخرج منهم بشر
عن علي، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ ذات يوم بغَلَس، وكان يغلِّس ويُسفر، ويقول: «ما بين هذين وقت؛ لكيلا يختلف المؤمنون». فصلّى بنا ذات يوم بغَلَس، فلمّا قضى الصلاةَ التفتَ إلينا، كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم مَن رأى الليلة شيئًا؟». قلنا: لا، يا رسول الله. قال: «لكني رأيت ملَكين أتياني الليلة، فأخذا بضَبْعَيّ، فانطَلَقا بي إلى السماء الدنيا، فمررتُ بمَلك وأمامه آدميٌّ، وبيده صخرة، فيضرب بهامة الآدميّ، فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بمَلك وأمامه آدميّ، وبيد المَلك كَلُّوب من حديد، فيضعه في شِدْقه الأيمن، فيشقّه حتى ينتهي إلى أُذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمَور المِرجل، على فِيه قوم عراة، على حافّة النهر ملائكة بأيديهم مِدْرتان، كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة، فيقع في فِيه، ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكتُ على أنفي من نَتْن ما أجد من ريحهم، قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بتَلٍّ أسود عليه قوم مُخبَّلون، تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخْرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنار مُطبَقة، مُوكَّل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتّبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعِدتُ ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوته حمراء، قلتُ: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنهر عليه جِسران من ذهب وفِضّة، على حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها، من دُرّة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تَطَّرد، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلتُ، فضربتُ بيدي إلى إناء منها، فغرفتُ ثم شربتُ، فإذا أحلى من عسل، وأشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزُّبْد. فقالا لي: أمّا صاحب الصخرة التي رأيتَ يَضرِب بها هامة الآدميّ فيقع دماغه جانبًا وتقع الصخرة في جانب، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلّون الصلاة لغير مواقيتها، يُضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا صاحب الكَلُّوب الذي رأيتَ مَلكًا مُوكَّلًا بيده كَلُّوب من حديد يشقّ شِدْقه الأيمن حتى ينتهي إلى أُذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يُعذَّبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا ملائكة بأيديهم مِدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة فتقع في فِيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر، فأولئك أكَلَة الرِّبا، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار، وأَمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكتَ على أنفك من نَتْن ما وجدتَ من ريحهم، فأولئك الزُّناة، وذلك نَتْن فروجهم، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا التلّ الأسود الذي رأيتَ عليه قومًا مُخبَّلين تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط؛ الفاعل والمفعول به، فهم يُعذَّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا النار المُطبقة التي رأيت مَلكًا مُوكَّلًا بها كلما خرج منها شيء اتّبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تُفرِّق بين أهل الجنة وأهل النار. وأَمّا الروضة التي رأيتها، فتلك جنة المأوى. وأَمّا الشيخ الذي رأيتَ ومَن حوله من الولدان، فهو إبراهيم وهم بنوه. وأَمّا الشجرة التي رأيتَ فطلعتَ إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل علِّيين من النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا. وأَمّا النهر، فهو نهرك الذي أعطاك الله؛ الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي: يا محمد، يا محمد، سل تُعطه. فارتعدتْ فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أنْ أجيب شيئًا، فأخذ أحد المَلكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني، ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تُعطه. قال: قلت: اللهم، إني أسألك أن تُثْبِت شفاعتي، وأنْ تُلْحق بي أهل بيتي، وأنْ ألقاك ولا ذنب لي». قال: «ثم ولي بي». ونزلت عليه هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: «فكما أُعطيتُ هذه كذلك أعطانيها -إن شاء الله تعالى-»
اختُلف في المستثنى في قوله: ﴿إلا من شهد بالحق﴾ على قولين: الأول: أنّه استثنى مِمَّن عبد من دون الله: عيسى وعزيرًا والملائكة، والمعنى: فإنهم يملكون شفاعة بأن يُملِّكها اللهُ إياهم، إذ هم ممن شهد بالحق وهم يعلمونه في كل أحوالهم. الثاني: أنه استثنى في المشفوع فيهم، فكأنه قال: لا يشفع هؤلاء الملائكة وعزير وعيسى إلا فيمن شهد بالحق وهم يعلمون بالتوحيد. وذكر ابنُ عطية (٧/٥٦٧) أن الاستثناء -على القول الأول الذي قاله قتادة، ومقاتل- متصل، وأنه -على القول الثاني الذي قاله مجاهد- منفصل، كأنه تعالى قال: لكن من يشهد بالحق يشفع فيهم هؤلاء. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٦٦٢-٦٦٣) القول الأول الذي قاله قتادة مستندًا إلى دلالة أحوال النزول، والنظائر، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر أنه لا يملِك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عنده لأحد، إلا من شهد بالحق. وشهادته بالحق هو: إقراره بتوحيد الله، وإنما يعني بذلك: إلا من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده. ولم يخْصُص بأن الذي لا يملك تلك الشفاعة منهم بعض من كان يُعبد من دون الله دون بعض، فذلك على جميع مَن كان تعبد قريش من دون الله يوم نزلت هذه الآية وغيرهم، وقد كان فيهم مَن يعبد من دون الله الآلهة، وكان فيهم مَن يعبد من دونه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون في قوله: ولا يملك الذين تدعو قريش وسائر العرب من دون الله الشفاعة عند الله، ثم استثنى -جل ثناؤه- بقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ وهم الذين يشهدون شهادة الحق، فيوحّدون الله، ويخلصون له الوحدانية، على علم منهم ويقين بذلك أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال -جلّ ثناؤه-: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فأثبت تعالى ذكره للملائكة وعيسى وعُزير ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان، باستثنائه الذي استثناه». ورجَّح ابنُ عطية (٧/٥٦٧) القول الأول، فقال: «والتأويل الأول أصوب». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ تيمية (٥/٥٣٤-٥٣٦) أن كلا القولين صحيح، ثم رجَّح القول الثاني الذي قاله مجاهد مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، ودلالة العقل، فقال: «التحقيق في تفسير الآية: أنّ الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقًا، لا يستثنى من ذلك أحد عند الله، فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد. ولا قال: لا يشفع لأحد. بل قال: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾. وكل مَن دُعي من دون الله لا يملك الشفاعة ألبتة، والشفاعة بِإذْنٍ ليست مختصّة بمن عُبد من دون الله؛ وسيّد الشفعاء ﷺ لم يُعبد كما عُبد المسيح. وهو -مع هذا- له شفاعة ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دُعي من دون الله دون من لم يُدع». وانتقد القول الأول بما مفاده الآتي: ١- أنه يفيد أن من دُعي من دون الله لا يملك الشفاعة إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يُدعَوا من دون الله لم تُذكر شفاعتهم لأحد. وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضًا. ٢- أن قوله: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾ يتناول كل معبود من دونه، ويدخل في ذلك الأصنام، فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا. ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس:١٨] فإذا قيل: إنه استثنى الملائكة والأنبياء كان في هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله يشفعون لهم. ٣- إذا كان المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم إذا كانوا صالحين. والقرآن كله يبطل هذا المعنى، ولهذا قال تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء:٢٨] فبيّن أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرّبّ. فعلم: أنه لابد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق. ٤- القرآن إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقًا. وقوله: ﴿من دونه﴾ يحتمل ثلاثة تقديرات: الأول: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿يملكون﴾، والمعنى: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه. الثاني: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿يدعون﴾، والمعنى: لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا. الثالث: أن يكون متصلًا بهما، والمعنى: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه. ورجَّح ابنُ تيمية التقدير الثاني إستنادًا إلى ظاهر الآية، والنظائر؛ لكونه أخّر ﴿الشفاعة﴾ وقدّم ﴿من دونه﴾، ولكثرة نظائره في القرآن؛ كقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ [يونس:١٨]. وانتقد التقديرَ الأول مستندًا للنظائر، حيث إنّ اللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه أو لمن ارتضى ونحو ذلك، لا يقال في هذا المعنى: ﴿من دونه﴾؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه؟! لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه. وأيضًا فإذا قيل: ﴿الذين يدعون﴾ مطلقًا دخل فيه الرّبُّ تعالى، فإنهم كانوا يدعون الله ويدعون معه غيره، ولهذا قال: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان:٦٨]. وذكر أنّ التقدير الثالث وإن كان أجود من الأول إلا أنه يَرِدُ عليه ما يرد على الأول. ثم ذكر أنه مما يضعفهما: أنّ ﴿الشفاعة﴾ لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾، فنفى ملكهم الشفاعة مطلقًا. وهذا هو الصواب
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق، عمن لا يتهم واللفظ له، ومن طريق عبد الصمد بن معقل بنحوه- أنه كان يقول: قال الله -تبارك وتعالى- لإرميا حين بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: يا إرميا، من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نَبَّيْتُك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك. فبعث الله إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدده ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله. قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله تعالى صنع بهم، وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله تعالى إلى إرمياء: أن ائت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم، وعرفهم أحداثهم. فقال إرمياء: إني ضعيف إن لم تُقَوِّني، عاجز إن لم تُبَلِّغْني، مخطئ إن لم تسددني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تُعِزَّني. قال الله -تبارك وتعالى-: أوَلَم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي، وأن القلوب كلها والألسنة بيدي، أقلبها كيف شئت، فتطيعني، وإني أنا الله الذي لا شيء مثلي، قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي، وأنا كلمت البحار، ففهمت قولي، وأمرتها، فعقلت أمري، وحددت عليها بالبطحاء فلا تَعدّى حدِّي، تأتي بأمواج كالجبال، حتى إذا بلغت حدِّي ألبستها مذلة طاعتي خوفًا واعترافًا لأمري؟! إني معك، ولن يصل إليك شيء معي، [وإني] بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي؛ لتبلغهم رسالاتي، ولتستحق بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تقصر عنها فلك مثل وِزْر من تركب في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلق إلى قومك فقُل: إنّ الله ذكر لكم صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يستتيبكم، يا معشر الأبناء، وسلهم كيف وجد آباؤهم مغبة طاعتي، وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي، وهل علموا أن أحدًا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي، أو عصاني فسعد بمعصيتي، فإن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة فتنتابها، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا في مروج الهلكة. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خَوَلًا ليعبدوهم دوني، وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وغرُّوهم مني. أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتي، فادّان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جراءة عليَّ وغرة وفرية عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلو مكاني، وعظم شأني، فهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي، وهل ينبغي لي أن أخلق عبادًا أجعلهم أربابًا من دوني؟! وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد، ويتزينون بعمارتها لغيري؛ لطلب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العلم، ويتعلمون فيها لغير العمل؛ وأما أولاد الأنبياء، فمكثرون مقهورون مغيرون، يخوضون مع الخائضين، ويتمنون عليَّ مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم لي، وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حتى عز أمري، وظهر ديني، فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون، فأطْوَلتُ لهم، وصفحت عنهم، لعلهم يرجعون، فأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتذكرون، فأعذرت في كل ذلك، أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبعدًا مني، فحتى متى هذا؟! أبِي يَتَمَرَّسون؟! أم إيّاي يُخادعون؟! وإني أحلف بعزتي، لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ويضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جبارًا قاسيًا عاتيًا، ألبسه الهيبة، وأنتزع مِن صدره الرأفة والرحمة والبيان، يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب أمثال العجاج، كأن خفيق راياته طيران النسور، وأن حملةَ فُرسانه كريرُ العِقْبان. ثم أوحى الله إلى إرميا: إني مهلك بني إسرائيل بيافث. ويافث أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح. فلما سمع إرميا وحيَ ربه صاح وبكى وشقَّ ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، وقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم لقيت التوراة، ومن شر أيامي يوم ولدت فيه، فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو أشر عليَّ، لو أراد بي خيرًا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل، فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك. فلما سمع الله تضرع الخضِر وبكاءه وكيف يقول ناداه: يا إرميا، أشق ذلك عليك ما أوحيت لك؟ قال: نعم، يا رب، أهلِكْني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فقال الله: وعزتي العزيزة، لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك. ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه، وطابت نفسه، وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق، لا آمر ريي بهلاك بني إسرائيل أبدًا. ثم أتى ملك بني إسرائيل، فأخبره ما أوحى الله إليَّ، فاستبشر وفرح، وقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا، وإن عفا عنا فبقدرته. ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديًا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم، فقلَّ الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها، فقال لهم ملكهم: يا يني إسرائيل، انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله، وقبل أن يُبعَث عليكم قومٌ لا رحمة لهم بكم، وإن ربكم قريب التوبة، مبسوط اليدين بالخير، رحيم بمن تاب إليه. فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه، وإنّ الله قد ألقى في قلب بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب بن دارياس بن نمرود بن فالخ بن عابر بن نمرود -صاحب إبراهيم الذي حاجَّه في ربِّه- أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جدُّه سنحاريب أراد أن يفعل، فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فَصَل سائرًا أتى ملك بني إسرائيل الخبرَ أنّ بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه، فقال: يا إرميا، أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك؟ فقال إرميا للملك: إن ربي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثِق. فلما اقترب الأجل، ودنا انقطاع ملكهم، وعزم الله على هلاكهم؛ بعث الله ملَكًا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا، فاستفته. وأمره بالذي يستفتى فيه، فأقبل الملك إلى إرمياء، وكان قد تمثل له رجلًا من بني إسرائيل، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري. فأذن له، فقال له الملك: يا نبي الله، أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به، لم آت إليهم إلا حسنًا، ولم آلهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطًا لي، فأفتني فيهم، يا نبي الله. فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصِل ما أمرك الله أن تصل، وأبشر بخير. وانصرف عنه، فمكث أيامًا، ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي. فقال له نبي الله: أوما طهُرت لك أخلاقهم بعد، ولم تر منهم الذي تحب؟ فقال: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق، ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس لأهل رَحِمه إلا قد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك. فقال النبي: ارجع إلى أهلك، فأَحْسِن إليهم، أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، وأن يجمعكم على مرضاته، ويجنبكم سخطه. فقام الملَك من عنده، فلبث أيامًا، وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعًا شديدًا، وشقَّ ذلك على ملِك بني إسرائيل، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ الله، أين ما وعدك الله؟ فقال: إني بربي واثق. ثم إن الملَك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك، ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين. فقال له النبي: أوَلَم يَأْنِ لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟! فقال له الملك: يا نبي الله، كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أن ما بهم في ذلك سخطي، فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله، ولا يحبه الله عز وجل. فقال له نبي الله: على أي عمل رأيتهم؟ قال: يا نبي الله، رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد عليهم غضبي، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكن غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق، إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم. فقال إرميا: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا على حقٍّ وصواب فأبْقِهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلِكْهُم. فما خرجت الكلمة من فِي إرميا حتى أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس، فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، فقال: يا ملك السماء ويا أرحم الراحمين، أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي إرميا، إنهم لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولَنا، فاستيقن النبيُّ ﷺ أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسول ربه. ثم إن إرميا طار حتى خالط الوحش، ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابًا، ثم يقدفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه، ثم انصرف راجعًا إلى أرض بابل، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا مَن كان في بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرئيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي، فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمهم فيهم؛ قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمنا كلها، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل. ففعل، وأصاب كل رجل منهم أربعة أغلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشائيل، وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفًا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب ومَن بقي مِن بني إسرائيل، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق، فثلثًا أقر بالشام، وثلثًا سبى، وثلثًا قتل، وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل، فكانت هذه الوقعة الاولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم. فلما ولى بختنصر عنهم راجعًا إلى بابل بمَن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل أرميا على حمار له معه عصير، ثم ذكر قصته حين أماته الله مئة عام، ثم بعثه، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانيال، وهلاك بختنصر، ورجوع من بقي من بني إسرائيل في أيدي أصحاب بختنصر بعد هلاكه إلى الشام، وعمارة بيت المقدس، وأمر عزير وكيف رد الله عليه التوراة
عن وهب بن منبه -وكان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلًا من الروم، ابن عجوز مِن عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه: الإسكندريس، وإنما سمي: ذا القرنين؛ أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ -وكان عبدًا صالحًا- قال الله له: يا ذا القرنين، إنِّي باعثك إلى أُمَم الأرض، منهم أمتان بينهما طول الأرض كلها، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها، وأمم في وسط الأرض، منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأُمَّة عند مغرب الشمس يُقال لها: ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها يقال لها: منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأُمَّة في قُطْر الأرض الأيمن يُقال لها: هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر فأُمَّة يقال لها: تاويل. فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: يا إلهي، أنت قد ندبتني لأمر عظيم، لا يَقْدُرُ قَدْرَه إلا أنت، فأخبِرني عن هذه الأمم التي تبعثني إليها بأيِّ قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي حيلة أكايدهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أعِي قولهم؟ وبأيِّ بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي قلب أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أُدَبِّر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمرهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رِجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أخْصِمُهم؟ وبأيِّ جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أستألفهم؟ فإنّه ليس عندي -يا إلهي- شيءٌ مما ذكرت يقرن لهم، ولا يقوى عليهم، ولا يُطِيقهم، وأنت الربُّ الرحيم الذي لا تُكَلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا تُحَمِّلها إلا طاقتها، ولا تُعْنِتُها، ولا تَفْدَحُها، بل ترأفها وترحمها. فقال له الله عز وجل: إنِّي سأُطَوِّقك ما حَمَّلْتُك، أشرح لك صدرك فيَتَّسِعُ لكل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك فتنفذ كل شيء، وأُدَبِّر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشد لك ظهرك فلا يَهُدُّك شيء، وأشد لك رُكْنَك فلا يغلِبك شيء، وأشدُّ لك قلبك فلا يَرُوعُك شيء، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك يديك فيسطوان فوقَ كلِّ شيء، وأشد لك وطْأَتَك فتَهُدُّ كل شيء، وأُلْبِسُك الهَيْبَة فلا يَرُومُك شيء، وأُسَخِّر لك النور والظُّلْمَة فأجعلهما جندًا من جنودك؛ يهديك النور مِن أمامك، وتحوطك الظُّلْمَة من ورائك. فلمّا قيل له ذلك انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّة التي عند مغرب الشمس، فلمّا بلغهم وجد جمعًا وعددًا لا يحصيه إلا الله، وقُوَّة وبأسًا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأمورًا مشتبهة، وأهواء مُتَشَتِّتة، وقلوبًا مُتَفَرِّقة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطت بهم مِن كل مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وعبادته، فمنهم مَن آمن له، ومنهم مَن صَدَّ عنه، فعمد إلى الذين تَوَلَّوا عنه، فأدخل عليهم الظُّلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودُورهم، وغَشِيَتْهم مِن فوقهم ومِن تحتهم ومِن كلِّ جانبٍ منهم، فماجوا فيها، وتَحَيَّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجُّوا إليه بصوتٍ واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عُنْوَة، فدخلوا في دعوته، فجَنَّدَ مِن أهل المغرب أممًا عظيمة، فجعلهم جندًا واحدًا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم، وتحوشهم من حولهم، والنور أمامه يقوده ويدُلُّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأُمَّة التي في قُطر الأرض الأيمن التي يُقال لها: هاويل. وسخَّر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتِماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملًا أتقنه، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مَخاضة بنى سُفُنًا مِن ألواح صغار أمثال النِّعالِ، فنظَمها في ساعة واحدة، ثم حمل فيها جميع مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فَتَقها، ثم دفع إلى كل إنسان لوحًا فلا يَكْرِثُه حملُه، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيهم كعمله في ناسك، فلما فرغ منهم مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى، حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها، وجَنَّد منها جنودًا كفعله في الأُمَّتين اللتين قبلها، ثم كرَّ مُقبِلًا في ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل، وهي الأُمَّة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان، بينهما عَرْضُ الأرضِ كله، فلما بلغها عمل فيها، وجنَّد منها كفعله فيما قبلها، فلمّا فرغ منها عَطَف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض، من الجن وسائر الناس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مِمّا يلي منقطع أرض الترك نحو المشرق قالت له أُمَّةٌ من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إنّ بين هذين الجبلين خَلْقًا مِن خلق الله كثيرًا، فيهم مشابهة مِن الإنس، وهم أشباه البهائم، وهم يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما يفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها مِن الحيّات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلقٌ يَنْمى نماءَهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم مدة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض، ويُجْلُون أهلَها، ويظهرون عليها، فيُفْسِدون فيها، وليست تَمُرُّ بنا سنةٌ منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم، وننتظر أن يطلع علينا أوائلهم من هذين الجبلين، ﴿فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾، اغدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم، وتَوَسَّط بلادهم، فإذا هم على مقدار واحد؛ أنثاهم وذكرهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع مِنّا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار مِن أيدينا، ولهم أنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل قُوَّة، يُسْمَع لها حركة إذا أكل كحركة الجرَّة من الإبل، أو كقضم البغل المُسِنّ، أو الفرس القوي، وهم هلب، عليهم من الشعَر في أجسادهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به مِن الحرِّ والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبِرَةٌ ظهرها وبطنها، والأخرى زَغِبَةٌ ظهرها وبطنها، تَسَعانِه إذا لبسهما، يلبس إحداهما، ويفترش الأخرى، ويَتَصَيَّف في إحداهما، ويشتو في الأخرى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرف أجلَه الذي يموت فيه وينقطع عمره، وذلك أنّه لا يموت مَيِّتٌ مِن ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت، وتَهَيَّأ له، وهم يُرزقون التِّنِّينَ في زمان الربيع، ويستمطرونه إذا تَحَيَّنوه كما يستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد، فيأكلونه عامَهم كله إلى مثلها مِن قابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا أخصبوا، وعاشوا وسمنوا، ورُئِي أثرُه عليهم، فَدَرَّتْ عليهم الإناث، وشَبِقَت منهم الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا، وجَفَرت منهم الذكور، وأحالَتِ الإناث، وتبيَّن أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عَوِيَّ الذئاب، ويَتَسافَدون حيثما التقوا تَسافُد البهائم. ثم لَمّا عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أُسًّا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يذاب ثم يُصَبُّ عليه، فصار كأنه عِرق مِن جبل تحت الأرض، ثم عَلاه وشَرَّفَه بزُبَرِ الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عِرْقًا مِن نحاس أصفر، فصار كأنه بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِن صُفْرةِ النحاس وحُمرته وسواد الحديد، فلمّا فرغ منه وأحكمه انطلق عامِدًا إلى جماعة الإنس والجن، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أُمَّة مقسطة يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون، ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم مُؤْتَلِفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون، ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يَسْتَبُّون، ولا يقتتلون، ولا يقحطون، ولا يُجْرَدون، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظٌّ ولا غليظ. فلمّا رأى ذلك ذو القرنين مِن أمرهم أعجب منهم، وقال لهم: أخبِروني -أيها القوم- خبرَكم، فإني قد أحصيت الأرض كلها، برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها، فلم أجد فيها أحدًا مثلكم، فأخبِروني خبركم. قالوا: نعم، فسَلْنا عما تريد. قال: أخبِروني ما بالُ قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: عمدًا فعلنا ذلك، لِئَلّا ننسى الموت، ولا يخرج ذِكْرُه مِن قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟ قالوا: ليس فينا مُتَّهم، وليس فينا إلا أمين مُؤْتَمَن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا نَتَظالَم. قال: فما بالكم ليس بينكم حُكّام؟ قالوا: لا نختصم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نتكابر. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لا نتنافس. قال: فما بالكم ولا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا مُتواصِلون مُتراحِمون. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: مِن قِبَل أُلْفَة قلوبِنا، وصلاح ذاتِ بيننا. قال: فما بالكم لا تَسْتَبُّون ولا تقتتلون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا غلبنا طبائعَنا بالعزم، وسُسْنا أنفسنا بالحِلم. قال: فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا لا نتكاذب، ولا نتخادع، فلا يغتاب بعضُنا بعضًا. قال: فأخبِروني مِن أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صحَّت صدورُنا، فنزع الله بذلك الغِلَّ والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا نقسم بالسَّوِيَّة. قال: فما بالكم ليس فيكم فظٌّ ولا غليظ؟ قالوا: مِن قِبَل الذل والتواضع. قال: فما بالكم جعلتم أطول الناس أعمارًا؟ قالوا: مِن قِبَل أنا نتعاطى الحق، ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تُجْرَدون؟ قالوا: من قِبَلِ أنّا وطَّنّا أنفسنا للبلاء منذ كُنّا، وأحببناه وحرصنا عليه؛ فعُرِّينا منه. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل بأنواء النجوم. قال: حدِّثوني، أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالوا: نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمَّن ظلمهم، ويُحْسِنون إلى مَن أساء إليهم، ويحلمون عمَّن جهل عليهم، ويستغفرون لِمَن سبَّهم، ويَصِلون أرحامهم، ويَرُدُّون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويُوفُون بعهودهم، ويَصْدُقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله بذلك أمرَهم، وحفظهم به ما كانوا أحياء، وكان حقًّا عليه أن يخلفهم في تَرِكَتِهم. فقال لهم ذو القرنين: لو كنت مقيمًا لأقمت فيكم، ولكني لم أؤمر بالإقامة
عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثًا حَدَّثَناهُ عن الدجال، وحذَّرَناهُ، فكان مِن قوله أن قال: «إنّه لم تكن فتنة في الأرض مُنذُ ذَرَأ الله ذُرِّيَّة آدم أعظمَ مِن فتنة الدجال، وإنّ الله لم يبعث نبيا إلا حذَّر مِن الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارِجٌ فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حَجِيجٌ لكل مسلم، وإن يخرج مِن بعدي فكُلٌّ حَجِيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كُلِّ مسلم. وإنّه يخرج مِن خَلَّةٍ بين الشام والعراق، فيَعِيث يمينًا، ويَعِيث شمالًا. يا عباد الله، فاثبتوا، وإنِّي سأصِفُه لكم صِفَةً لم يَصِفْها إيّاه نبي قَبْلِي، إنّه يبدأ فيقول: أنا نبي. ولا نبي بعدي، ثم يُثَنِّي فيقول: أنا ربُّكم. ولا ترون ربَّكم حتى تموتوا، وإنّه أعور، وإنّ ربكم عز وجل ليس بأعور، وإنّه مكتوب بين عينيه: كافر. يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب. وإنّ من فتنته أنّ معه جنة ونارًا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتُلِي بناره فليستعن بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم. وإنّ مِن فتنته أن يقول لأعرابيٍّ: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمك، أتشهدُ أنِّي ربُّك؟ فيقول له: نعم. فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه؛ فإنّه ربك. وإنّ مِن فتنته أن يُسَلَّط على نفسٍ واحدة، فيقتلها؛ ينشرها بالمنشار حتى يُلْقى شِقَّتَيْن، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإنِّي أبعثه الآن. ثم يزعم أن له ربًّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدوُّ اللهِ الدجالُ، واللهِ، ما كنتُ أشدَّ بصيرةً بِكَ مِنِّي اليوم. وإنّ مِن فتنته أن يأمر السماء أن تُمْطِر فتُمْطِر، ويأمر الأرض أن تُنبِت فتُنبِت. وإنّ مِن فتنته أن يَمُرَّ بالحيِّ فيُكَذِّبونه، فلا يبقى لهم سائمةٌ إلا هَلَكَتْ، وإنّ مِن فتنته أن يَمُرَّ بالحَيِّ فيُصَدِّقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تُنبِت فتُنبِت، حتى تروح مواشيهم مِن يومهم ذلك أسمنَ ما كانت، وأعظمَه، وأَمَدَّه خَواصِر، وأدَرَّه ضُروعًا. وإنّه لا يبقى من الأرض شيءٌ إلا وطِئَه وظَهَر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنّه لا يأتيها مِن نقب مِن نقابها إلا لقيته الملائكةُ بالسيوف صلْتَةً، حتى ينزل عند الظُّرَيْب الأحمر، عند منقطع السَّبَخَة، فترجُفُ المدينةُ بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافقٌ ولا منافقةٌ إلا خرج إليه، فتنفي الخبثَ منها كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ، ويُدْعى ذلك اليوم يوم الخلاص». فقالت أم شَرِيكٍ بنتُ أبِي العَكَرِ: يا رسول الله، فأين العربُ يومئذ؟ قال: «هم قليل، وجُلُّهم ببيت المقدس، وإمامُهم رجل صالح، فبينما إمامُهم قد تقدَّم يُصَلِّي الصبحَ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمامُ يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تَقَدَّمْ، فَصَلِّ؛ فإنّها لك أُقِيمَتْ. فيصلي بهم إمامُهم، فإذا انصرف قال عيسى: أقيموا الباب. فيُفْتَح، ووراءه الدجالُ، معه سبعون ألف يهودي، كلُّهم ذو سيف مُحَلًّى وساجٍ، فإذا نظر إليه الدجالُ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارِبًا، ويقول عيسى: إنّ لي فيك ضربةً لن تسبقني بها. فيدركه عند باب لُدٍّ الشرقي، فيقتله، فيهزم اللهُ اليهودَ، فلا يبقى شيءٌ مِمّا خلق اللهُ يتوارى به يهوديٌّ إلا أنطق اللهُ الشيءَ، لا حجر، ولا شجر، ولا دابة، ولا حائط -إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق- إلا قال: يا عبدَ الله المسلم، هذا يهوديٌّ، فتعالَ، فاقتله». قال رسول الله ﷺ: «وإنّ أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشَّرَرَةِ، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسِي». فقيل له: يا رسول الله، كيف نُصَلِّي في تلك الأيام القِصار؟ قال: «تُقَدِّرون فيها للصلاة كما تُقَدِّرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلُّوا». قال رسول الله ﷺ: «لَيَكُونَنَّ عيسى ابن مريم في أُمَّتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسِطًا، يدُقُّ الصليب، ويذبح الخنزير، ويَضَع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يُسْعى على شاة ولا بعير، وتُرفَع الشحناء والتباغض، وتُنزَع حُمَةُ كلِّ ذاتِ حُمَةٍ، حتى يُدخِلَ الوليدُ يدَه في فِي الحَيَّةِ فلا تَضُرُّه، ويُنَفِّر الوليدُ الأسدَ فلا يضره، ويكون الذئبُ في الغنم كأنه كلبها، وتُمْلَأُ الأرض من السِّلْم كما يُمْلَأُ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً، فلا يُعْبَد إلا الله، وتضع الحربُ أوزارَها، وتُسْلَب قريش مُلْكَها، وتكون الأرض كفاثُورٍ الفضة، تُنبِت نباتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القِطْفِ مِن العِنَب يُشبِعهم، ويجتمع النفر على الرُّمانة فتُشْبِعُهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات». قيل: يا رسول الله، وما يُرخِص الفرس؟ قال: «لا يُرْكَب لحرب أبدًا». قيل له: فما يُغلِي الثور؟ قال: «لِحرث الأرض كُلِّها، وإنّ قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جوعٌ شديد، يأمرُ اللهُ السماءَ أن تَحْبِس ثُلُثَ مطرِها، ويأمر الأرض أن تَحْبِس ثُلُثَ نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتَحْبِس ثُلُثَي مطرها، ويأمر الأرض فتَحْبِس ثُلُثَي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتَحْبِس مطرَها كُلَّه فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرضَ فتَحْبِس نباتها كُلَّه فلا تُنبِت خضراء، فلا تَبْقى ذاتُ ظِلْفٍ إلا هلكت، إلا ما شاء الله». قيل: فما يُعِيشُ الناسَ في ذلك الزمان؟ قال: «التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام»
اختُلِف في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب﴾ على قولين: الأول: أنّه مِن قول يوسف. واختُلِف القائلون بهذا القول على وجهين: الوجه الأول: أنّ هذه المقالة مِن يوسف هي مُتَّصِلة بقوله للرسول: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير وهو قول ابن جريج. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥/١٠٤) بقوله: «فالإشارة بقوله: ﴿ذلك﴾ -على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن، والتماسه البراءة، أي: هذا ليعلم سيدي أنِّي لم أخنه. الوجه الثاني: أنّ يوسف قال هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾، وهو قول ابن عباس. ولم يذكر ابنُ جرير غيرَ هذا القولَ، واستشهد له باللغة، والنظائر، وأقوال السلف، فقال:»واتَّصَلَ قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ المعَرِّفَة السّامِعِين لمعناه، كاتِّصال قول الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، وذلك أنّ قوله: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ خَبَرُ مبتدإٍ. وكذلك قول فرعون لأصحابه في سورة الأعراف: ﴿فَماذا تَأْمُرُونِ﴾، وهو مُتَّصِلٌ بقول المَلَأِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف:١١٠]"". وعلَّق ابنُ عطية على هذا القول بقوله: «فالإشارة -على هذا- إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا يضعف؛ لأنّه يقتضي حضورُه مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ﴿ائتوني به﴾». ثم بَيَّن أنه على هذا القول يجيء قوله: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ «بتقدير: وليعلم أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». الثاني: أنّه مِن قول المرأة، ذكره ابنُ عطية (٥/١٠٤)، وعلَّق عليه بقوله (٥/١٠٥): «أي: قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أنِّي لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه، والتقدير على هذا التأويل: توبتي وإقراري ليعلم أنِّي لم أخنه، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». واختُلِف في قوله: ﴿وما أبرئ نفسي... ﴾، هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها، وذكر ابنُ عطية (٥/١٠٥) أنّ مَن قال إنها من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: لما قال يوسف: أني لم أخنه بالغيب. قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك. ومَن قال بأنّه مِن قول المرأة وجَّه كلامَها إلى الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببِدْعٍ، ولا ذلك نكير على البشر فأُبرِّئ أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. وانتقد ابنُ تيمية (٤/٤٥-٥٢بتصرف) قولَ مَن قال بأنّ الآيتين مِن قول يوسف، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وغيرهم، فقال: «وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدُلُّ على نقيضه». ورجَّح القولَ بأنّه مِن قول المرأة مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وذلك:١- أنّ حال يوسف الظاهر مِن القرآن أنّه صاحب نفس زكية عفيفة لم تستجب للإغراء الشديد، فكيف يقول: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وهو يعلم أنّ نفسه بريئة زكية غير أمارة. ٢- أنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه، فإنه لم يتقدم مِن يوسف كلام يشير به إليه، ولا تقدم أيضًا ذكرَ عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾. وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أوَّلًا، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إنّ قوله: ﴿ذلك﴾ من قول يوسف، مع أنّه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل؛ لا يَصِحُّ بحال. ٣- أنّ المعنى على هذا التقدير -لو كان هنا ما يشار إليه مِن قول يوسف أو عمله-: إنّ عِفَّتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيزُ أنِّي لم أخنه، ويوسف عليه السلام إنّما تركها خوفًا مِن الله ورجاء لثوابه؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فأخبر أنّه رأى برهان ربه، وأنّه مِن عباده المخلصين. ومَن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه، ولم يكن بذلك مخلصًا، فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحادُ الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على مَن عمل لأجله. ٤- أنّ الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه مَن لذلك عنده قدر، وهذا يناسب لو كان العزيز غيورًا، وللعِفَّة عنده جزاء كثير، والعزيز قد ظهرت عنه مِن قلة الغيرة وتمكين امرأته مِن حبس يوسف مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضي أنّ مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله، فإنّ النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني لأهله؛ بل سلَّطها ومكَّنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت مَن حاله هذا تفعل الفاحشة؛ إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإمّا إهمالًا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله. ٥- أنّ الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب، ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز، فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني. لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه، ولهذا قالت: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾. فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو من باب الظلم والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة. ٦- أنّ النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة كما قال القرآن: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. وقد علِمنا قطعًا أنّ نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء، وأمّا نفس يوسف عليه السلام فإن لم تكن من النفوس المرحومة عن أن تكون أمّارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإنّ مَن تدَّبر قصة يوسف علم أن الذي رُحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن. ٧-أن هذا الكلام فيه -مع الاعتراف بالذنب- الاعتذار بذكر سببه، فإنّ قولها: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ فيه اعتراف بالذنب، وقولها: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ إشارة تطابق لقولها: ﴿أنا راودته﴾، أي: أنا مُقِرَّة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي، ثم بينت السبب فقالت: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا منِّي، ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾. فإن قيل: فهذا كلام مَن يُقِرُّ بأن الزنا ذنب، وأن الله قد يغفر لصاحبه. قيل: نعم، والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: ﴿واستغفري لذنبك﴾. وهذا دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين؛ إذ الفواحش مما اتَّفق اهل الأرض على استقباحها. ٨-أنّ الله لم يذكر عن نبيٍّ ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ويوسف لم يذكر القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، وما نقل عن وقوعه في بعض مقدمات الذنب كحل السراويل ونحوها فهذا ليس مما ينقل عن النبي، بل عن أهل الكتاب، وقولهم في الأنبياء معروف، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف مِن الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لَكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعيَّن أن يكون تائبًا، واللهُ لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف. وانتقد ابنُ القيم (٢/٦٤-٦٥بتصرف) القول بأنه من قول يوسف، ورجَّح أنّه من قول امرأة العزيز مستندًا إلى اللغة، والسياق، وذلك:١- أنّه متصل بكلام المرأة السابق، وهو قولها: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته﴾، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه، والقول في مثل هذا لا يُحْذَف لئلا يوقع في اللبس، فإن غايته أن يحتمل الأمرين، فالكلام الأول أولى به قطعًا. ٢- أنّ يوسف لم يكن حاضرًا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن، والسياق صريح في ذلك فإنّه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾. ٣- أنّ الضمائر كلها في نسق واحد، وذلك قول النسوة: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾، وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾، فهذا هو المذكور أولًا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قولٌ لا دليل عليه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨/٥٠-٥١)
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-، وعن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وذكره محمد بن إسحاق بن يسار، وقد دَخَل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: لَمّا هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة، واستقرت بهم الدار، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وكان مِن أمر بدر ما كان؛ اجتمعت قريش في دار النَّدْوَة، وقالوا: إنّ لنا في أصحاب محمد الذين عند النجاشي ثأرًا بِمَن قُتل منكم ببدر، فاجمعوا مالًا، وأهدوه إلى النجاشي، لعله يدفع إليكم مَن عِندَه من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان مِن ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي مُعَيط مع الهدايا: الأُدُم وغير ذلك، فركبا البحر، وأتيا الحبشة، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلَّما عليه، وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون شاكرون، ولصلاحك مُحِبُّون، وإنّهم بعثونا إليك لِنُحَذِّرك هؤلاء القوم الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل كذّاب، خرج فينا يزعم أنّه رسول الله، ولم يتابعه أحدٌ مِنّا إلا السفهاء، وإنّا كُنّا قد ضَيَّقنا عليهم الأمرَ، وألجأناهم إلى شِعْبٍ بأرضنا، لا يدخل عليهم أحد، ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش، فلمّا اشتد عليهم الأمرُ بَعَثَ إليك ابنَ عمه لِيُفْسِد عليك دينك وملكك ورعيتك، فاحذرهم، وادفعهم إلينا؛ لِنَكْفِيكَهُم. قالوا: وآيةُ ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا يُحَيُّونك بالتحية التي يُحَيِّيك بها الناسُ؛ رغبةً عن دينِك وسُنَّتِك. قال: فدعاهم النجاشيُّ، فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حِزبُ الله. فقال النجاشيُّ: مُرُوا هذا الصّائِح فلْيُعِدْ كلامه. ففعل جعفر، فقال النجاشي: نعم، فليدخلوا بأمان الله وذِمَّته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع كيف يَرطُنُون بحزب الله، وما أجابهم به النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي، وتُحَيُّوني بالتَّحِيَّة التي يُحَيِّيني بها مَن أتاني مِن الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك ومَلَكَك، وإنّما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبيًّا صادِقًا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا، وهي السلام، تَحِيَّةُ أهل الجنة. فعرف النَّجاشيُّ أنّ ذلك حق، وأنّه في التوراةوالإنجيل. قال: أيُّكم الهاتِفُ: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا. قال: فتكَلَّم. قال: إنّك مَلِك مِن ملوك أهل الأرض، ومِن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام، ولا الظلم، وأنا أُحِبُّ أن أُجِيب عن أصحابي، فمُرْ هذين الرجلين فليتكلم أحدُهما ولْيُنصِت الآخر، فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلَّم. فقال جعفر للنجاشي: سَلْ هذا الرجل: أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كُنّا عبيدًا أبَقْنا مِن أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال: بل أحرار كِرام؟ فقال النجاشيُّ: نَجَوْا مِن العبودية. قال جعفر: سلهما: هل أهرقنا دمًا بغير حق فيُقْتَصُّ مِنّا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة. قال جعفر: سلهما: هل أخذنا أموال الناس بغير حقِّ فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو، إن كان قنطارًا فعَلَيَّ قضاؤه. فقال عمرو: لا، ولا قيراطًا. قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كُنّا وهم على دين واحد وأمر واحد؛ على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين، واتَّبَعُوا غيره، ولزمناه نحن، فبَعَثَنا إليك قومُهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ماهذا الدين الذي كنتم عليه، والدين الذي اتبعتموه؟ اصْدُقْنِي. قال جعفر: أمّا الدين الذي كنا عليه وتركناه فهو دين الشيطان وأَمْرُه، كُنّا نكفر بالله - عز وجل -، ونعبد الحجارة، وأما الدِّين الذي تَحَوَّلنا إليه فدينُ الله الإسلام، جاءنا به من الله رسولٌ وكتابٌ مثل كتاب ابن مريم موافقًا له. فقال النجاشي: يا جعفر، لقد تكلمت بأمر عظيم، فعلى رِسْلِك. ثم أمر النجاشي فضرب بالنّاقُوس، فاجتمع إليه كل قِسِّيسٍ وراهب، فلمّا اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيًّا مُرسَلًا؟ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرَنا به عيسى، وقال: مَن آمن به فقد آمَن بي، ومَن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل، ويأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصِلة الرحم، وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ علينا شيئًا مِمّا كان يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم، ففاضت عينا النجاشي وأصحابه مِن الدمع، وقالوا: يا جعفر، زِدْنا مِنهذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورةَ الكهف، فأراد عمرو أن يُغْضِب النجاشيَّ، فقال: إنّهم يشتمون عيسى وأُمَّه. فقال النجاشي: ما تقول في عيسى وأُمِّه؟ فقرأ عليهم جعفرُ سورةَ مريم، فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نَفْثَةً مِن سواكه قدر ما يُقَذِّي العين، وقال: واللهِ، ما زاد المسيحُ على ما تقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا، فأنتم سُيُوم بأرضي -يقول: آمنون-، مَن سَبَّكم أو آذاكم غَرِم. ثم قال: أبشروا ولا تخافوا، ولا دَهْوَرَة اليوم على حزب إبراهيم. قال عمرو: يا نجاشيُّ، ومَن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا مِن عنده ومن اتبعهم. فأنكر ذلك المشركون، وادعوا في دين إبراهيم، ثم رَدَّ النجاشيُّ على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه، وقال: إنما هديتكم إلَيَّ رشوة، فاقبضوها، فإنّ الله مَلَّكَنِي ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا، فكُنّا في خير دار، وأكرم جوار. وأنزل الله - عز وجل - ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله - ﷺ - وهو بالمدينة قوله: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ على مِلَّته وسُنَّته، ﴿وهذا النبي﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، ﴿والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾
اختُلف في فاعل «زكّى» على قولين: الأول: أن يكون هو الله تعالى. الثاني: أن يكون الإنسان وعليه تقع ﴿مَن﴾. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٦٢٩) القول الأول بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زَكّاها الله تعالى، و﴿مَن﴾ تقع على جمع أو أفراد». ووجَّه القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلح مَن زكّى نفسه، أي: اكتسب الزكاء الذي قد خَلَقه الله تعالى له». ثم ذكر حديث سعيد بن أبي هلال السابق، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الحديث يُقوِّي أنّ المُزكِّي هو الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٤) معنى الاحتمال الأول، فقال: «وقيل: قد أفلحتْ نفسٌ زَكّاها الله، وقد خابتْ نفس دسّاها الله. وهذا قول الفراء والزّجّاج، وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس». ثم انتقده -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهو منقطع، وليس هو مراد من الآية، بل المراد بها الأول[يقصد القول بأن فاعل زكى هو الإنسان] قطعًا لفظًا ومعنى. أما اللفظ فقوله: ﴿مَن زَكّاها﴾ اسم موصول، ولا بُدّ فيه مِن عائد على ﴿مَن﴾، فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زَكّاها. كان ضمير الشخص في ﴿زَكّاها﴾ يعود على ﴿مَن﴾، وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته، كما يقال: قد أفلح مَن اتقى الله، وقد أفلح مَن أطاع ربه، وقد أفلح مَن خاف منه. وأمّا إذا كان المعنى: قد أفلح مَن زَكّاه الله. لم يبق في الجملة ضمير يعود على ﴿مَن﴾، فإنّ الضمير على هذا يعود على الله، وليس هو ﴿مَن﴾، وضمير المفعول يعود على النفس المتقدّمة، فلا يعود على ﴿مَن﴾ لا ضمير الفاعل ولا المفعول، فتخلو الصلة من عائد، وهذا لا يجوز. نعم، لو قيل: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه، أو مَن زَكّاها الله له، ونحو ذلك صحّ الكلام، وخفاء هذا على مَن قال به مِن النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحتْ نفس زَكّاها. فإنه هنا كانت تكون زَكّاها صفة لنفس لا صلة، بل قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فالجملة صلة لـ﴿مَن﴾ لا صفة لها. ولا قال أيضًا: قد أفلحتْ النفس التي زَكّاها. فإنه لو قيل ذلك وجعل في ﴿زكاها﴾ ضمير يعود على اسم الله صحّ. فإذا تكلّفوا وقالوا: التقدير ﴿قد أفلح مَن زَكّاها﴾ هي النفس التي زَكّاها. وقالوا: في زَكّى ضمير المفعول يعود على ﴿مَن﴾، وهي تصلح للمذكر والمؤنث، والواحد والعدد، فالضمير عائد على معناها المؤنث، وتأنيثها غير حقيقي، ولهذا قيل: ﴿قد أفلح﴾، ولم يقل: قد أفلحتْ، قيل لهم: هذا مع أنه خروج مِن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، فإنّ قوله: ﴿منكن﴾ دلَّ على أنّ المراد: النساء، فقيل:»تعمل«، وكذا قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] ونحو ذلك، وأمّا هنا فليس في لفظ ﴿مَن﴾ وما بعدها ما يدل على أنّ المراد به النفس المؤنثة، فإنه لم يقل: قد أفلحتْ، ولا قال: قد أفلح من النفوس مَن زَكّاها، وقد تقدّمها قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس:٧-٨]، ثم قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، فتقدّم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدّم دليل على عوده إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يُراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإنّ مثل هذا مما يصان كلام الله عنه، فلو قُدِّر احتمال عود ضمير ﴿زكاها﴾ إلى»نفس«وإلى ﴿مَن﴾ مع أنّ لفظ ﴿من﴾ لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإنّ الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومَن تكلّف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن مُنَزّه عن ذلك، والعدول عما يدُلُّ عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ألبتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى؟! فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور، ولبسط هذا موضع آخر. والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم، والتحذير من تدسيتها، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فلو قُدِّر أنّ المعنى: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر، فلا يقول: مَن جعله الله مؤمنًا. بل يقول: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلًا؛ فكيف بكلام الله؟! ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد، والمدح والذم، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إمّا بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأمّا في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النِّعم. كقوله: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكى﴾ الآية [النور:٢١]، فهذا مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى». ورجَّح ابنُ القيم (٣/٣١٠) -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- الاحتمال الثاني، فقال: «هذا القول هو الصحيح، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علّقه بفعل المفلح، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى آخر الآيات». ثم ذكر حُجّة أصحاب الاحتمال الأول، فقال: «قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهّره، وخسارة مَن خذله، حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدرٍ سابق، وقضاء متقدم. قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة، قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، قالوا: ويشهد له حديث نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها قالت: انتبهت نفسي ليلة، فوجدتُ رسول الله وهو يقول: «ربِّ، أعطِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها، أنت وليّها ومولاها». قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنّ النبي كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ وقف، ثم قال: «اللهم، آتِ نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها». قالوا: وفي هذا ما يبيّن أنّ الأمر كلّه له سبحانه، فإنه هو خالق النفس ومُلهِمها الفجور والتقوى، وهو مُزكِّيها ومُدسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيء، ولا هو مالك من أمر نفسه شيئًا». ثم انتقدهم قائلًا: «هذا القول وإن كان جائزًا في العربية، حاملًا للضمير المنصوب على معنى ﴿مَن﴾ وإن كان لفظها مذكرًا، كما في قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] جمع الضمير وإن كان لفظ ﴿من﴾ مفردًا حملًا على نظمها، فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر، وههنا قد تقدم لفظ ﴿من﴾، والضمير المرفوع في ﴿زَكّاها﴾ يستحقه لفظًا ومعنًى، فهو أولى به، ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه، وأمّا عود الضمير الذي يلي ﴿من﴾ على الموصول السابق، وهو قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾، وإخلاء جاره الملاصق له وهو ﴿من﴾، ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على ﴿من﴾ ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة؛ فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه، فأمّا إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه، ولم تدع الضرورة إليه؛ فالحمل عليه ممتنع. قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه: أحدها: أن فيه إشارة إلى ما تقدّم مِن تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن. الثاني: أنّ فيه زيادة فائدة، وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ إثبات القضاء والقدر السابق، فتضمّنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن؛ كقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٤-٥٦]، وقوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] فتضمّنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية. الثالث: أنّ قولنا يستلزم قولكم دون العكس، فإنّ العبد إذا زَكّى نفسه ودسّاها فإنما يزُكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يُدسِّيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر ألبتة»