رجَّحَ ابنُ جرير (٢‏/‏٤٧٥ بتصرف) أنّ القائلين ذلك هم النصارى، مستندًا إلى سياق الآيات، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بالصحة والصواب قول القائل: إن الله عنى بقوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ النصارى دون غيرهم؛ لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه، وادعائهم له ولدًا، فقال مُخْبِرًا عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقوله: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ تَمَنَّوْا على الله الأباطيل، فقالوا جهلًا منهم بالله وبمنزلتهم عنده وهم بالله مشركون: ﴿لولا يكلمنا الله﴾ كما يُكَلِّم رسولَه وأنبياءَه، أو تأتينا آية كما أتتهم». واستدركَ على ذلك ابن كثير (٢‏/‏٤٠) بقوله: «وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر»

علّق ابن عطية (٢‏/‏٤٥٩) بقوله: «قد قال بعض الناس: إنّ قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ حيث وقع إنما هو مكِّيٌّ؛ فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيًّا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدنيٌّ وإن نزل في مكة، أو في سفر من أسفار النبي ﷺ. وقال النحاس: هذه السورة مكية. قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أنّ فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري: آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء:١٧٦] ذكرها في تفسير سورة براءة من رواية البراء بن عازب، وفي البخاري عن عائشة أنّها قالت: ما نزلت سورةُ النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ. تعني: قد بنى بها»

قال ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٢٦ بتصرف): «وقوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا﴾ فيه دلالة على صِحَّة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء [٩٣]: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾، فإنّ هذه وإن كانت مدنية إلا أنّها مُطلَقة، فتحمل على مَن لم يتُب؛ لأنّ هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء:٤٨، ١١٦]. وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بصحة توبة القاتل، كما ذكر مُقَرَّرًا مِن قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقُبِل منه، وغير ذلك من الأحاديث»

أفادت الآثارُ تفسيرَ السلف للذِّكر بأنه القرآن، وقد ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧١) في معنى الذكر قولًا آخر أن المراد به: محمد ﷺ. ثم علّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: يحتمل أن يريد بـ»الذكر«: محمد ﷺ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق:١٠]، فيكون وصفه بالمحدث مُتَمَكِّنًا». يعني: فيكون وصف الذكر بالمحدث -على القول بأنه محمد ﷺ- له نفسه على الحقيقة، لا يحتاج إلى تأويل؛ بخلاف القول بأنه القرآن فإنه يحتاج إلى أن يقال: محدث الإتيان، أي: مجيء القرآن للبشر كان شيئًا بعد شيء، لا هو في نفسه. ثم رجّح القول الأول لأنّه الأفصح بقوله: «والقول الأول أفصح»

اختُلف في معنى قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ على قولين: أحدهما: هربًا في الأرض مِن الفزع. والثاني: انصرافهم إلى النّار. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٢٠) القول الأول استنادًا لموافقته ما جاء في الخبر عن النبي ﷺ، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي روي عن رسول الله ﷺ -حديث أبي هريرة في تفسير آية: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ﴾-، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحق، وبه قال جماعة من أهل التأويل». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٤١) أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ معناه على بعض الأقاويل في التنادي: «تفرّون هروبًا من الفزع، وعلى بعضها: تفرّون مدبرين إلى النار»

سورة التوبة — الآية ١٩

عن محمد بن سيرين -من طريق أشعث بن سوّار- قال: قدِم عليُّ بن أبي طالب مكةَ، فقال للعباس: أيْ عمِّ، ألا تُهاجِرُ! ألا تلحَقُ برسول الله ﷺ! فقال: أعمُرُ المسجدَ الحرام، وأحجُبُ البيت. فأنزل الله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾ الآية. وقال لقوم قد سمّاهم: ألا تهاجرون! ألا تَلحَقون برسول الله ﷺ! فقالوا: نقيمُ مع إخوانِنا، وعشائرِنا، ومساكنِنا. فأنزل الله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم﴾ الآية كلها [التوبة:٢٤]

سورة هود — الآية ١٠٨

عن إسماعيل السُّدِّيّ، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا﴾ الآية، قال: فجاء بعد ذلك مِن مشيئة الله ما نسخها، فأُنزِل بالمدينة: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا﴾ إلى آخر الآية [النساء:١٦٨]، فذهب الرجاءُ لأهل النار أن يخرجوا منها، وأوجب لهم خلود الأبد. وقوله: ﴿وأما الذين سعدوا﴾ الآية، قال: فجاء بعد ذلك مِن مشيئة الله ما نسخها، فأُنزِل بالمدينة: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات﴾ إلى قوله: ﴿ظلًا ظليلًا﴾ [النساء:١٢٢]، فأَوْجَب لهم خلودَ الأَبَد

سورة المائدة — الآية ١٠١

عن أبي هريرة، قال: خطَبنا رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها الناس، كتَب اللهُ عليكم الحجَّ». فقام عُكّاشةُ بن مِحصَنٍ الأسَدي، فقال: أفي كلِّ عامٍ، يا رسول الله؟ فقال: «أما إني لو قلتُ: نعم. لوَجَبَت، ولو وجَبَت ثم ترَكتُم لضلَلتم، اسكُتوا عني ما سكَتُّ عنكم؛ فإنما هلَك مَن كان قبلكم بسؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم». فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى آخر الآية

سورة النمل — الآية ١٢

قال مقاتل بن سليمان: يقول الله -تبارك وتعالى- لمحمد ﷺ: ﴿في تسع آيات﴾، يعني: أعطي تسع آيات؛ اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، والطمس، فآيتان منهما أعطي موسى عليه السلام بالأرض المقدسة؛ اليد والعصا حين أرسل إلى فرعون، وأعطي سبع آيات بأرض مصر حين كذَّبوه، فكان أولها اليد، وآخرها الطمس، يقول: ﴿إلى فرعون﴾ واسمه: فيطوس، ﴿وقومه﴾ أهل مصر؛ ﴿إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ يعني: عاصين

سورة المؤمنون — الآية ٥١

عن سفيان الثوري -من طريق مبارك أبي حماد- قال:... إيّاك أن تَزْداد بحِلْمه عنك جرأةً على المعصية، فإنّ الله لم يرض لأنبيائه المعصيةَ والحرامَ والظلمَ، فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم﴾، ثم قال للمؤمنين: ﴿يا أيها الدين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة:٢٦٧]، ثم أجملها فقال: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة:١٦٨]