محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥١ من سورة المؤمنون في ١٠٥ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥١ من سورة المؤمنون

١٠٥ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الرّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.


يقول تعالى ذكره : وقلنا لعيسى : يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيّبه الله لكم دون الحرام، وَاعْمَلُوا صَالِحا تقول في الكلام للرجل الواحد : أيها القوم كفوا عنّا أذاكم، وكما قال : الّذِينَ قَالَ لهم النّاسُ، وهو رجل واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال : ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل : يا أيّها الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّباتِ وَاعْمَلُوا صَالحا قال : كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
وقوله : إنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يقول : إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾


يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)، وهو رجل واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
وقوله: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾


اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة (وأنَّ) بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل (أن) في موضع خفض، عطف بها على (ما) من قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ)، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك. ويكون

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يأمر تعالى عباده المرسلين، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عَون على العمل الصالح، فقام الأنبياء، عليهم السلام، بهذا أتم القيام. وجمعوا بين كل خير، قولا وعملا ودلالة ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا.
قال الحسن البصري في قوله :﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال : أما والله ما أُمِرُوا بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال : انتهوا إلى الحلال منه.
وقال سعيد بن جبير، والضحاك :﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني : الحلال.
وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن أبي مَيْسَرَةَ بن شُرَحْبِيل : كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
وفي الصحيح :" ما من نبي إلا رعى الغنم ". قالوا : وأنت يا رسول الله ؟ قال :" نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " (١).
وفي الصحيح : أن داود، عليه السلام، كان يأكل من كسب يده(٢).
وفي الصحيحين :" إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان(٣) ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سُدسَه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يَفر إذا لاقى ". (٤)
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضَمْرَة بن حبيب، أن أم عبد الله، أخت(٥) شداد بن(٦) أوس بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها : أنَّى كانت لك الشاة ؟ فقالت : اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان الغد أتته أم عبد الله أخت(٧) شداد فقالت : يا رسول الله(٨)، بعثتُ إليك بلبن مَرثيةً(٩) لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إليَّ الرسول فيه ؟. فقال لها :" بذلك أمرت الرسل، ألا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا " (١٠).
وقد ثبت في صحيح مسلم، وجامع الترمذي، ومسند الإمام أحمد - واللفظ له - من حديث فُضَيْل بن مرزوق، عن عَدِيّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" يا أيها الناس، إنَّ الله طَيِّبٌ لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال :﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، يمد يديه إلى السماء : يا رب، يا رب، فأنَّى يستجاب لذلك " (١١).
وقال الترمذي : حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فُضيل بن مرزوق.
١ - في ف :"وكان"..
٢ - صحيح البخاري برقم (٢٢٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ - صحيح البخاري برقم (٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٤ - صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما..
٥ - في أ :"بنت"..
٦ - في ف :"بنت"..
٧ - في ف، أ :"بنت"..
٨ - في ف :"يا رسول الله صلى الله عليك"، وفي أ :"يا رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٩ - في ف :"مرئته"..
١٠ - ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٢٥) من طريق المعافى بن عمران عن أبي بكر بن أبي مريم به نحوه، وقال :"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي :"قلت : وابن أبي مريم واه"..
١١ - صحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩) والمسند (٦/١٥٩)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ [ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ] (١)﴾، قَالَ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَأُمُّهُ، حِينَ أَوَيَا إِلَى غَوْطَةِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ (٢) :﴿: إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قَالَ: هِيَ الرَّمَلَةُ مِنْ فِلَسْطِينَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الفرْيابي، حَدَّثَنَا رَوّاد (٣) بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْخَوَّاصُ أَبُو عُتْبَةَ، حَدَّثَنَا السَّيْبَانِيُّ (٤)، عَنِ ابْنِ (٥) وَعْلَة، عَنْ كُرَيْب السَّحولي، عَنْ مُرَّة البَهْزِي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِرَجُلٍ: "إِنَّكَ مَيِّتٌ (٦) بِالرَّبْوَةِ" فَمَاتَ بِالرَّمَلَةِ. (٧) وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ العَوْفِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾، قَالَ: الْمَعِينُ الْمَاءُ الْجَارِي، وَهُوَ النَّهْرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٢٤].
وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ : هُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى. وَالْقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَهُوَ أَوْلَى مَا يُفَسَّرُ بِهِ، ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ثُمَّ الْآثَارُ.
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.
يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُرْسَلِينَ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَعِينَ، بِالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ، وَالْقِيَامِ بِالصَّالِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْحَلَالَ عَون عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَقَامَ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، بِهَذَا أَتَمَّ الْقِيَامِ. وَجَمَعُوا بَيْنَ كُلِّ خَيْرٍ، قَوْلًا وَعَمَلًا وَدَلَالَةً وَنُصْحًا، فَجَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْعِبَادِ خَيْرًا.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أُمِرُوا بِأَصْفَرِكُمْ وَلَا أَحْمَرِكُمْ، وَلَا حُلْوِكُمْ وَلَا حَامِضِكُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: انتَهُوا إِلَى الْحَلَالِ مِنْهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحلال.
(١) زيادة من ف.
(٢) في ف: "في قول الله".
(٣) في ف: "داود".
(٤) في ف، أ: "الشيباني" وهو الصحيح.
(٥) في ف، أ: "أبي" وهو الصحيح.
(٦) في ف، أ: "تموت".
(٧) فيه عباد بن عباد له مناكير.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ بْنِ شُرَحْبِيل: كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ". قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ" (١).
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ (٢).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الْقِيَامِ إِلَى اللَّهِ قِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ (٣) يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدسَه، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفر إِذَا لَاقَى" (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرَة بْنِ حَبِيبٍ، أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ، أُخْتَ (٥) شَدَّادِ بْنِ (٦) أَوْسٍ بَعَثَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ عِنْدَ فِطْرِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ، فَرَدَّ إِلَيْهَا رَسُولَهَا: أنَّى كَانَتْ لَكِ الشَّاةُ؟ فَقَالَتِ: اشْتَرَيْتُهَا مِنْ مَالِي، فَشَرِبَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَتَتْهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتُ (٧) شَدَّادٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (٨)، بعثتُ إِلَيْكَ بِلَبَنٍ مَرثيةً (٩) لَكَ مِنْ طُولِ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ، فَرَدَدْتَ إليَّ الرَّسُولَ فِيهِ؟. فَقَالَ لَهَا: "بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ، أَلَّا تَأْكُلَ إِلَّا طَيَّبًا، وَلَا تَعْمَلَ إِلَّا صَالِحًا" (١٠).
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ -وَاللَّفْظُ لَهُ-مِنْ حَدِيثِ فُضَيْل بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَدِيّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيَّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٢]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِّي بِالْحَرَامِ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، فأنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" (١١).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُضيل بْنِ مَرْزُوقٍ.
(١) صحيح البخاري برقم (٢٢٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) في ف: "وكان".
(٤) صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(٥) في أ: "بنت".
(٦) في ف: "بنت".
(٧) في ف، أ: "بنت".
(٨) في ف: "يا رسول الله صلى الله عليك"، وفي أ: "يا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(٩) في ف: "مرئته".
(١٠) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٢٥) من طريق المعافي بن عمران عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ بِهِ نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي: "قلت: وابن أبي مريم واه".
(١١) صحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩) والمسند (٦/١٥٩).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ (١) : دِينُكُمْ -يَا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ-دِينٌ وَاحِدٌ، وَمِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ "الْأَنْبِيَاءِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أَيِ: الْأُمَمُ الَّذِينَ بُعث إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءُ، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أَيْ: يَفْرَحُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُتَهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَاعِدًا: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أَيْ: فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى حِينِ حِينِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطَّارِقِ: ١٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٣].
وَقَوْلُهُ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي: أَيُظَنُّ هَؤُلَاءِ الْمَغْرُورُونَ أَنَّ مَا نُعْطِيهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْنَا وَمَعَزَّتِهِمْ عِنْدَنَا؟! كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، لقد أخطؤوا فِي ذَلِكَ وَخَابَ رَجَاؤُهُمْ، بَلْ إِنَّمَا نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا وَإِنْظَارًا وَإِمْلَاءً؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٤، ٤٥]، وَقَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١١-١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
قَالَ (٢) قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ قَالَ: مُكِرَ وَاللَّهِ بِالْقَوْمِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، يَا ابْنَ آدَمَ، فَلَا تَعْتَبِرِ النَّاسَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَلَكِنِ اعْتَبِرْهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ [بْنُ عُبَيْد، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ محمد، عن مرة الهمداني، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ] (٣) بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَسَم بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ يُعطي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّين إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ (٤) عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ-قَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ-
(١) في ف، أ: "وإن".
(٢) في أ: "وقال".
(٣) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٤) في ف: "يؤمن".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥١ - ٥٦ } ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾
هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة. ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة.
ولهذا، الأعمال الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع، كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم، والكتب السابقة، والعقل، حين بعث الله محمدا ﷺ، يستدلون على نبوته بأجناس ما يأمر به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنه إذا أمر بما أمر به الأنبياء، الذين من قبله، ونهى عما نهوا عنه، دل على أنه من جنسهم، بخلاف الكذاب، فلا بد أن يأمر بالشر، وينهى عن الخير.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥١ - ٥٦} ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾.
هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة. ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة.
ولهذا، الأعمال الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع، كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم، والكتب السابقة، والعقل، حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، يستدلون على نبوته بأجناس ما يأمر به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنه إذا أمر بما أمر به الأنبياء، الذين من قبله، ونهى عما نهوا عنه، دل على أنه من جنسهم، بخلاف الكذاب، فلا بد أن يأمر بالشر، وينهى عن الخير.
ولهذا قال تعالى للرسل: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً﴾ أي: جماعتكم -يا معشر الرسل- جماعة ﴿وَاحِدَةً﴾ متفقة على دين واحد، وربكم واحد.
﴿فَاتَّقُونِ﴾ بامتثال أوامري، واجتناب زواجري. وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، لأنهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فالواجب من كل المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا، ويعملوا به، ولكن أبى الظالمون المفترقون إلا عصيانا، ولهذا قال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أي: تقطع المنتسبون إلى اتباع الأنبياء ﴿أَمْرُهُمْ﴾ أي: دينهم ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ أي: قطعا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ -[٥٥٤]- أي: بما عندهم من العلم والدين ﴿فَرِحُونَ﴾ يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق، مع أن المحق منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما عداهم فإنهم مبطلون.
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: في وسط جهلهم بالحق، ودعواهم أنهم هم (١) المحقون. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى أن ينزل العذاب بهم، فإنهم لا ينفع فيهم وعظ، ولا يفيدهم زجر، وكيف يفيد من يزعم أنه على الحق، ويطمع في دعوة غيره إلى ما هو عليه؟.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم، ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾
(١) في النسختين: هو.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٥ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير — ابن باديس تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
الطيبات
الحلال وقد سبق بيان ما بعد هذا في الأنبياء

إعراب الآية ٥١ من سورة المؤمنون

من كتاب: إعراب القرآن

والوتر. وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يتحدّث بخبرهم ويتعجّب منه ويعتبر به فَبُعْداً مصدر أي أبعدهم الله جلّ وعزّ من ثواب الآخرة.

[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥٠]

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ويقال: بالكسر والفتح، ويقال في معناها رباوة «١»، وقرأ بها ابن أبي إسحاق ويقال: رباوة «٢» ورباوة «٣» بالفتح والكسر. وأحسن ما قيل فيه ما قاله ابن عباس رحمه الله. قال: نبئت أنها دمشق لأن قوله نبئت يدلّ على أنه توقيف.

[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥١]

يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ نعت لأي. كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ قال الحسن: أي من الحلال ويدلّ على هذا ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا وإنّ الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنين» فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] وقال: «يا أيّها الرّسل كلوا من الطّيّبات».

[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥٢]

وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً في هذا ثلاثة أوجه من القراءات: قرأ المدنيون وأبو عمرو وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً «٤» بفتح الهمزة ونصب أمة واحدة، وقرأ الكوفيون بكسر الهمزة ونصب أمة واحدة أيضا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً برفع كلّ شيء ففي فتح الهمزة ثلاثة أقوال: فقول البصريين أن المعنى:
ولأنّ وحذفت اللام، وأن في موضع نصب، وقول الكسائي وهو أحد قولي الفراء «٥» أنّ في موضع خفض نسقا على «ما تعملون» أي إني بما تعملون عليم وبأنّ هذه أمتكم، والقول الثالث قول الفراء «٦» : إنّها في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير:
واعلموا أنّ هذه أمتكم وكسر الهمزة عنده على الاستئناف، وعند الكسائي أنها نسق على أني بما تعملون عليم. أُمَّةً واحِدَةً نصب على الحال. والرفع من ثلاثة أوجه:
على إضمار مبتدأ، وعلى البدل، وعلى خبر بعد خبر.

[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥٣]

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً نصب على الحال، والمعنى مثل زبر. كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كلّ فريق يظنّ أنه على الحق، فهو فرح بما هو عليه وعليه أن يبيّن الحق لأنّه
(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٧، ومختصر ابن خالويه ٩٨.
(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٧، ومختصر ابن خالويه ٩٨.
(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٧، ومختصر ابن خالويه ٩٨.
(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٦.
(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٧.
(٦) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥١ من سورة المؤمنون

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٤ أقوال
١
عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس: أنها بَعَثَت إلى النبي ﷺ بقَدَح لَبَن عند فِطْره وهو صائم، فرَدَّ إليها رسولَها: «أنّى لكِ هذا اللبن؟». قالت: مِن شاة لي. فرد إليها رسولها: «أنّى لكِ الشاة؟». فقالت: اشتريتُها مِن مالي. فشرب منه، فلما كان مِن الغد أتته أمُّ عبد الله، فقالت: يا رسول الله، بعثت إليك بلبن فرددت إلَيَّ الرسول فيه؟! فقال لها: «بذلك أُمِرَت الرسلُ قبلي؛ ألا تأكل إلا طيبًا، ولا تعمل إلا صالِحًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٤‏/‏١٤٠ (٧١٥٩)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٧٨-. وفي إسناد الحاكم أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «ابن أبي مريم واهٍ». وقال أبو نعيم في حلية الأولياء ٦‏/‏١٠٥: «هذه الأحاديث غرائب من حديث ضمرة، تفرَّد بها أبو بكر بن أبي مريم عنه». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٩١ (١٨١٠٠): «رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف». وأورده الألباني في الصحيحة ٣‏/‏١٢٨ (١١٣٦).
٢
عن حنظلة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما جاءني جبريلُ إلّا أمرني بهاتين الدعوتين: اللَّهُمَّ، ارزقني طَيِّبًا، واستعملني صالحًا»١
التخريج
  1. ١أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ٢‏/‏٢٢٧.
٣
عن ثابت وعبد الوهاب بن أبي حفص -من طريق جعفر بن سليمان- قال١: أمسى داودُ عليه السلام صائمًا، فلمّا كان عند إفطاره أُتِي بشربة لبن، فقال: مِن أين لكم هذا اللبن؟ قالوا: مِن شاتنا. قال: ومِن أين ثمنها؟ قالوا: يا نبيَّ الله، مِن أين تسأل؟ قال: إنّا -معاشرَ الرسل- أُمِرنا أن نأكل من الطيبات، ونعمل صالحًا٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر والدر، ولعلها: قالا.
  2. ٢أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٧٦٩).
٤
عن سفيان الثوري -من طريق مبارك أبي حماد- قال:... إيّاك أن تَزْداد بحِلْمه عنك جرأةً على المعصية، فإنّ الله لم يرض لأنبيائه المعصيةَ والحرامَ والظلمَ، فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم﴾، ثم قال للمؤمنين: ﴿يا أيها الدين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة:٢٦٧]، ثم أجملها فقال: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة:١٦٨]١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٧‏/‏٢٤.

تفسير

١٠ أقوال
١
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيُّها الناس، إنّ الله طَيِّب لا يقبل إلا طَيِّبًا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يُطيل السَّفَر أشْعَثَ أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمه حرام، ومَشْرَبه حرام، ومَلْبَسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟!»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٧٠٣ (١٠١٥).
٢
عن حفص بن أبي جبلة، عن النبي ﷺ، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ الآية، قال: «ذاك عيسى ابن مريم يأكل مِن غَزْل أُمِّه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عبدان في الصحابة -كما في الإصابة لابن حجر ٢‏/‏١٨١ (٢١٠٦) ترجمة حفص بن أبي جبلة-، وابن عساكر في تاريخه ٤٧‏/‏٤١٣-٤١٤. وقال ابن حجر عن حفص: «تابعي أرسل حديثًا» فذكره. وقال السيوطي: «مرسل؛ حفص تابعي».
٣
عن حفص الفزاري، مثله، موقوفًا عليه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور.
٤
عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل -من طريق أبي إسحاق السبيعي- في قوله: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾، قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يأكل مِن غَزْل أمه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٥٩، وإسحاق البستي في تفسيره ص٣٩٥، وأبو نعيم في الحلية ٤‏/‏١٤٤، وابن أبي الدنيا في كتاب العيال -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٨‏/‏٩٥ (٤٠٠)-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٧/٥٩) في معنى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ سوى قول عمرو بن شرحبيل.
٥
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله عز وجل: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾، قال: أمرهم ألّا يأكلوا إلا [حلالًا] طَيِّبًا١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه - التفسير ٦‏/‏٣٦٢ (١٥١٥).
٦
قالمجاهد بن جبر، والحسن البصري، وقتادة بن دعامة، وإسماعيل السُّدِّيّ، ومحمد بن السائب الكلبي، في قوله - عز وجل -: ﴿يا أيها الرسل﴾: أراد به محمدًا - ﷺ - وحده١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٧/ ٤٩ دون السدي والكلبي، وتفسير البغوي ٥/ ٤٢٠، وأورد عَقِبه: على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة.
٧
تفسير إسماعيل السُّدِّيّ: قوله: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات﴾، يعني: الحلال من الرزق١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٤٠٣.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الرسل﴾ يعني: [محمدًا] ﷺ، ﴿كلوا من الطيبات﴾ الحلال مِن الرزق، ﴿واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٥٨.
٩
عن سفيان بن عيينة -من طريق ابن أبي عمر- في قوله: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾، قال: الحلال، وأُمِر الناس في هذا بما أُمِرَت به الرسل، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة:١٧٢]١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص٣٩٦.
١٠
قال يحيى بن سلّام: ﴿واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾، هكذا أمَرَ اللهُ الرُّسُلَ١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٤٠٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في المخاطَب بـ«الرسل» في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ على أقوال: الأول: يعني بالرسل: جميعَهم. الثاني: يعني بالرسل: محمدًا ﷺ. الثالث: يعني بالرسل: عيسى عليه السلام. وذكر ابنُ عطية (٦/٢٩٩) أنّ بعض القائلين بأنّ المخاطب هو النبي محمد ﷺ وجَّه ذلك بأنه: «أقام محمدًا ﷺ مقام الرسل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]»، ثم انتقد ذلك التوجيه وغيره قائلًا: «وقيل غير هذا مما لا يَثْبُت مع النظر». ثم وجَّه ابنُ عطية هذا القول بقوله: «والوجْه في هذا أن يكون الخطاب لمحمد ﷺ، وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزًا أنّ هذه المقالة قد خُوطِب بها كلُّ نبي، أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها، وهذا كما تقول لتاجرٍ: يا تُجّار، ينبغي أن تجانبوا الربا. فأنت تُخاطبه بالمعنى، وقد اقترن بذلك أنّ هذه المقالة تصلح لجميع صنفه». ووجَّه القول الثالث قائلًا: «ووجْه خطابه لعيسى عليه السلام ما ذكرناه مِن تقديره لمحمد ﷺ». وقد ذكر ابنُ عطية (٦/٢٩٩-٣٠١) أن قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ يحتمل مخاطبة الرسل متفرقين، ويحتمل مخاطبتهم مجتمعين، فأمّا على احتمال مخاطبتهم متفرقين فذكر أن المعنى: وقلنا يا أيها الرسل. ثم علَّق بقوله: «وكيف كان قول المعنى فلم يخاطبوا قطُّ مجتمعين، وإنما خُوطِب كلُّ واحد في عصره». وأما على احتمال مخاطبتهم مجتمعين فقد ذكر أنه يقوِّيه قوله تعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾، فقال: «هذه الآية تُقوِّي أن قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ إنما هو مخاطبة لجميعهم، بتقدير حضورهم، وتجيء هذه الآية -أي: قوله تعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾- بعد ذلك بتقدير: وقلنا للناس». ثم بيَّن أن قوله: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ وما بعده يجعل قولَ مَن قال: إن المخاطب في ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ محمد ﷺ مُشْكِلًا، فقال: «وإذا قدرت ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ مخاطبة لمحمد ﷺ قلق اتِّصال هذه واتصال قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، أمّا إن قوله: ﴿وأَنا رَبُّكُمْ فاتَّقُونِ﴾ وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾».
التفسير بالمأثور لسورة المؤمنون كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥١ من سورة المؤمنون

١٧ وقفةً في هذه الآية

  • { كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} الشكر مفسر في قوله { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات (واعملوا صالحا)} .

    — محمد الربيعة

  • ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. قدوة حسنة في الدين والدنيا.

    — فرائد قرآنية

  • ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ وتقديم الأمر بأكل الحلال؛ لأن أكل الحلال معين على العمل الصالح.

    — الألوسي

  • "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا.." من طاب مطعمه طاب عمله، ثمرة أكل الحلال الطيب العمل الصالح.

    — نوال العيد

  • ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا..﴾ أكل الحلال ميسر للعمل الصالح؛ ومفهومه أن أكل الحرام معيق عن العمل الصالح..

    — عبدالمحسن المطيري

  • أوصى سفيان الثوري رجلًا فقال: إياك أن تزداد بحلمه عنك جرأة على المعصية؛ فإن الله لم يرض لأنبيائه المعصية والحرام والظلم، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، ثم قال للمؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) (البقرة: ٢٦٧)، ثم أجملها، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: ١٦٨).

    — حلية الأولياء

  • تأمل كيف قرن الله بين أكل الطيبات وعمل الصالحات في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)؛ فأكل الحلال الطيب مما يعين العبد على فعل الصالحات، كما أن أكل الحرام أو الوقوع في المشتبهات مما يثقل العبد عن فعل الصالحات.

    — فهد العبيان

  • (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) أمر الرسل بالأكل من الطيبات فيه رد على الغلاة الذين يمتنعون منها، وفيه رد على الجفاة الذين لا يقتصرون عليها.

    — محمد بن عبدالوهاب

  • "(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) الأمر بإصلاح العمل مع الأكل من الطيبات فيه رد على ثلاث طوائف: ١- من يأكلون الطيبات بلا شكر، والشكر هو العمل المرضي. ٢- من يعمل بغير إخلاص، وهم المراؤون. ٣- من يعمل مخلصًا، لكن على غير السنة. "

    — محمد بن عبدالوهاب

  • ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ وتقديم الأمر بأكل الحلال؛ لأن أكل الحلال معين على العمل الصالح. الألوسي

    — فوائد القرآن

  • تأملات قرآنية من تفسير ابن كثير"....

    — سعد الحجري

  • (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) قرنت الآية بين أكل الطيبات والعمل : فيعان الإنسان على العمل الصالح بمقدار تحريه للحلال .

    — عقيل الشمري

و٥ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٥١ من سورة المؤمنون

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(51) [Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال