عن أبي جعفر الباقر، قال: السجل: ملك، وكان هاروت وماروت مِن أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أمِّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خلقَ آدم وما فيه مِن الأمور، فأَسَرَّ ذلك إلى هاروت وماروت، فلما قال تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة:٣٠]. قال: ذلك استطالة على الملائكة
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله عز وجل: ﴿كلا﴾ لا تمنعهم الآلهةُ مِن الله، ثم استأنف فقال: ﴿سيكفرون بعبادتهم﴾ يقول: سَتَبْرَأُ الآلهةُ في الآخرة مِن كلِّ مَن كان يعبدها في الدنيا، ﴿ويكونون عليهم ضدا﴾ يقول: تكون آلهتهم يومئذ لهم أعداء. كقوله سبحانه: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: للناس، وكقوله سبحانه: ﴿وما ذبح على النصب﴾ [المائدة:٣]، يعني: للنُّصُبِ
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ يعني بالثمرات: لأنها جماعة ثمر. يعني بالسكر: ما حرم من الشراب مما يسكرون من ثمره، يعني: النخيل والأعناب، ﴿ورِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني: طيبًا -نسختها الآية التي في المائدة، كقوله عز وجل: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥]، يعني: طيبة بها أنفسهم- بما لا يسكر منها من الشراب وثمرتها؛ فهذا الرزق الحسن
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النّاس عَلَيْها﴾، قال: الإسلام مُذْ خلقهم الله مِن آدم جميعًا يُقِرُّون بذلك. وقرأ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا﴾ [الأعراف:١٧٢]. قال: فهذا قول الله: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:٢١٣] بعد
عن عبد الله بن عباس، عن النبيّ ﷺ، قال: «لا يدخل الجنة مُدْمن الخمر، ولا العاقّ، ولا المنّان». قال ابن عباس: شقّ ذلك عَلَيَّ؛ لأن المؤمنين يُصيبون ذنوبًا، حتى وجدتُ ذلك في كتاب الله في العاقّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾، وقال: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنِّ والأَذى﴾ [البقرة:٢٦٤]، وقال: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة:٩٠]
قال مقاتل بن سليمان: قال رجل للنبي ﷺ حين نزلت: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]: فما عِدّة المرأة التي لا تَحيض؟ وقال خَلّاد الأنصاري: ما عِدّة مَن لم تَحض مِن صِغر؟ وما عِدّة الحُبلى؟ فأَنزل اللهُ عز وجل في اللاتي قَعدن عن المَحِيض واللائي يئسن من المَحِيض: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، قال: أُقِّتَتْ ليوم القيامة. وقرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة:١٠٩]، قال: والأجَل الميقات. وقرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وقرأ: ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٥٠]، قال: إلى يوم القيامة. قال: لهم أجلٌ إلى ذلك اليوم حتى يَبْلغوه
قال مالك بن أنس: وإنما السعي في كتاب الله العمل والفعل، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس:٨-٩]، وقال: ﴿ثم أدبر يسعى﴾ [النازعات:٢٢]، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾. قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عنى: العمل والفعل
وجَّه ابنُ كثير (١/٤٠٧) قول مجاهد، فقال: «وكأنّه يريد أنه ليس من زِيّ هذا السحاب، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا، كما قال ابن عباس: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾، قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر»
قال ابنُ كثير (٧/٣٩٢ بتصرف): «كأنّ هذا -والله أعلم- لَمّا اشتد بهم البلاء مِن قِبَلِ فرعون وقومه، وضيَّقوا عليهم، أُمِرُوا بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة:١٥٣]، وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمْرٌ صَلّى». ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ أي: بالثواب، والنصر القريب»