عن أنس بن مالك، قال: كُنّا في بيت رجل من الأنصار، فجاء رسول الله ﷺ حتى وقف فأخذ بعِضادتي الباب، فقال: «الأئمة من قريش، ولهم عليكم حقّ، ولكم مثل ذلك، ما إن استُحكموا عَدلوا، وإن استُرحموا رَحموا، وإذا عاهدوا وفَوْا، فمَن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس، لا يقبل الله منهم صَرْفًا ولا عدلًا»
قال ابنُ عطية (٤/٥٩٥): «وقوله: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ظاهره العموم في جميع ما يُحْسِن اللهُ تعالى فيه إلى العباد. وقالت فرقة: كان الله تعالى قد حبس نسلَهم، فمعنى قوله: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أي: الولد. ويحتمل أن خصَّ القوة بالذِّكْرِ إذ كانوا أقوى العوالم، فوُعِدوا بالزيادة فيما بهروا فيه، ثم نهاهم عن التولي عن الحق والإعراض عن أمر الله»
ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٧٦) قول مجاهد، وقدّم له بقوله: «وقوله: ﴿فأنى يبصرون﴾ يقول: فأي وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق، وقد طمسنا على أعينهم؟!». ثم قال: «وقال الذين وجهوا تأويل قوله: ﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم﴾ إلى أنه معني به: العمى عن الهدى؛ تأويل قوله: ﴿فأنى يبصرون﴾: فأنى يهتدون للحق». وذكر قولي ابن عباس
وجَّه ابنُ جرير (٢١/٤٣٦) هذا القول بقوله: «وأحسبه أراد بذلك: أنّ معرفته وعِلْمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه، فشبّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحق في الوزن، ويُعرف مبلغه الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص، فكذلك عِلْم مَن وافى القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان»
قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ اختلف المفسرون فيه على قولين: الأول: معناه: اطرحوا لهم من الكتابة بعضها. ثم اختلفوا في المقدار؛ فقيل: الربع. وقيل: الثلث. وقيل: النصف. وقيل: العشر. وقيل: جزء من الكتابة غير مقدر. والثاني: بل المراد من قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾: هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٢٨٩ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الثاني الذي قاله الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه، ومقاتل بن حيان، وإبراهيم، وبريدة، فقال: «لأنّ قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ أمرٌ مِن الله -تعالى ذِكْرُه- بإيتاء المكاتَبين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أنّ مراده الندب... فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ أنه ندب؛ ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حقَّ لأحدٍ في مال أحد غيره من المسلمين إلا ما أوجبه الله لأهل سُهْمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالًا من مال سيد المكاتب؛ فيفاد أنّ الحق الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فرض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حقَّ في أموالهم لأحد سواها». وذكر ابنُ كثير (١٠/٢٣٠) أنّ القول الأول أشهر
اختُلف في المستثنى في قوله: ﴿إلا من شهد بالحق﴾ على قولين: الأول: أنّه استثنى مِمَّن عبد من دون الله: عيسى وعزيرًا والملائكة، والمعنى: فإنهم يملكون شفاعة بأن يُملِّكها اللهُ إياهم، إذ هم ممن شهد بالحق وهم يعلمونه في كل أحوالهم. الثاني: أنه استثنى في المشفوع فيهم، فكأنه قال: لا يشفع هؤلاء الملائكة وعزير وعيسى إلا فيمن شهد بالحق وهم يعلمون بالتوحيد. وذكر ابنُ عطية (٧/٥٦٧) أن الاستثناء -على القول الأول الذي قاله قتادة، ومقاتل- متصل، وأنه -على القول الثاني الذي قاله مجاهد- منفصل، كأنه تعالى قال: لكن من يشهد بالحق يشفع فيهم هؤلاء. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٦٦٢-٦٦٣) القول الأول الذي قاله قتادة مستندًا إلى دلالة أحوال النزول، والنظائر، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر أنه لا يملِك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عنده لأحد، إلا من شهد بالحق. وشهادته بالحق هو: إقراره بتوحيد الله، وإنما يعني بذلك: إلا من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده. ولم يخْصُص بأن الذي لا يملك تلك الشفاعة منهم بعض من كان يُعبد من دون الله دون بعض، فذلك على جميع مَن كان تعبد قريش من دون الله يوم نزلت هذه الآية وغيرهم، وقد كان فيهم مَن يعبد من دون الله الآلهة، وكان فيهم مَن يعبد من دونه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون في قوله: ولا يملك الذين تدعو قريش وسائر العرب من دون الله الشفاعة عند الله، ثم استثنى -جل ثناؤه- بقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ وهم الذين يشهدون شهادة الحق، فيوحّدون الله، ويخلصون له الوحدانية، على علم منهم ويقين بذلك أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال -جلّ ثناؤه-: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فأثبت تعالى ذكره للملائكة وعيسى وعُزير ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان، باستثنائه الذي استثناه». ورجَّح ابنُ عطية (٧/٥٦٧) القول الأول، فقال: «والتأويل الأول أصوب». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ تيمية (٥/٥٣٤-٥٣٦) أن كلا القولين صحيح، ثم رجَّح القول الثاني الذي قاله مجاهد مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، ودلالة العقل، فقال: «التحقيق في تفسير الآية: أنّ الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقًا، لا يستثنى من ذلك أحد عند الله، فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد. ولا قال: لا يشفع لأحد. بل قال: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾. وكل مَن دُعي من دون الله لا يملك الشفاعة ألبتة، والشفاعة بِإذْنٍ ليست مختصّة بمن عُبد من دون الله؛ وسيّد الشفعاء ﷺ لم يُعبد كما عُبد المسيح. وهو -مع هذا- له شفاعة ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دُعي من دون الله دون من لم يُدع». وانتقد القول الأول بما مفاده الآتي: ١- أنه يفيد أن من دُعي من دون الله لا يملك الشفاعة إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يُدعَوا من دون الله لم تُذكر شفاعتهم لأحد. وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضًا. ٢- أن قوله: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾ يتناول كل معبود من دونه، ويدخل في ذلك الأصنام، فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا. ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس:١٨] فإذا قيل: إنه استثنى الملائكة والأنبياء كان في هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله يشفعون لهم. ٣- إذا كان المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم إذا كانوا صالحين. والقرآن كله يبطل هذا المعنى، ولهذا قال تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء:٢٨] فبيّن أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرّبّ. فعلم: أنه لابد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق. ٤- القرآن إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقًا. وقوله: ﴿من دونه﴾ يحتمل ثلاثة تقديرات: الأول: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿يملكون﴾، والمعنى: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه. الثاني: أن يكون متصلًا بقوله: ﴿يدعون﴾، والمعنى: لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا. الثالث: أن يكون متصلًا بهما، والمعنى: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه. ورجَّح ابنُ تيمية التقدير الثاني إستنادًا إلى ظاهر الآية، والنظائر؛ لكونه أخّر ﴿الشفاعة﴾ وقدّم ﴿من دونه﴾، ولكثرة نظائره في القرآن؛ كقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ [يونس:١٨]. وانتقد التقديرَ الأول مستندًا للنظائر، حيث إنّ اللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه أو لمن ارتضى ونحو ذلك، لا يقال في هذا المعنى: ﴿من دونه﴾؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه؟! لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه. وأيضًا فإذا قيل: ﴿الذين يدعون﴾ مطلقًا دخل فيه الرّبُّ تعالى، فإنهم كانوا يدعون الله ويدعون معه غيره، ولهذا قال: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان:٦٨]. وذكر أنّ التقدير الثالث وإن كان أجود من الأول إلا أنه يَرِدُ عليه ما يرد على الأول. ثم ذكر أنه مما يضعفهما: أنّ ﴿الشفاعة﴾ لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾، فنفى ملكهم الشفاعة مطلقًا. وهذا هو الصواب
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا: لَمّا أُسكن آدم الجنة كان يمشي فيها وحْشًا، ليس له زوج يسكن إليها، فنام نَوْمَة، فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأةٌ قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالت: تَسْكُن إلَيَّ. قالت له الملائكة -ينظرون ما بَلَغ عِلْمُه-: ما اسمها، يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: لِمَ سُمِّيَتْ حَوّاء؟ قال: لأنها خُلِقَتمِن حَيٍّ. فقال الله: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ قالَتِ امرأة عِمْرانَ﴾... وهى حبلى: لئِن نجّاني الله عز وجل ووضعتُ ما في بطني لأجعلنَّه مُحرَّرًا. وبنو ماثان مِن ملوك بني إسرائيل من نسل داود عليه السلام، والمُحَرَّر الذي لا يعمل للدنيا، ولا يتزوَّج، ويعمل للآخرة، ويلزم المحراب، فيعبد الله عز وجل فيه، ولم يكن يُحرَّر في ذلك الزمان إلا الغلمان، فقال زوجها: أرأيتِ إن كان الذي في بطنك أنثى والأنثى عورة، كيف تصنعين؟ فاهتمّت لذلك، فقالت حَنَّة: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنتَ السميع العليم﴾ لدعائهما، العليم بنذرهما، يعني: بالتقبُّل، والاستجابة لدعائهما
عن قتادة بن دِعامة: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فجَعل عدة الطلاق ثلاثَ حِيَض، ثم إنّه نسخ منها المطلَّقة التي طُلِّقت ولم يَدْخُلْ بها زوجُها، فقال في سورة الأحزاب [٤٩]: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾، فهذه تزَوَّج إن شاءت من يومها. وقد نَسَخ من الثلاثة، فقال: ﴿واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق:٤]، فهذه العجوز التي لا تحيض، والتي لم تحِض، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرها في شيء. ونَسَخَ من الثلاثة قروءَ الحامل، فقال: ﴿أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤]، فهذه ليست من القُروء في شيء، إنما أجلُها أن تضَعَ حملها
عن إسماعيل السُّدِّيّ، في قوله: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية، قال: بلغنا: أن هذه الآية أُنزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، فأراد أن يزوِّجها زيد بن حارثة، فكرهتْ ذلك، ثم إنها رضيتْ بما صنع رسول الله ﷺ، فزوَّجها إياه، ثم أعلم الله نبيه بعد أنها مِن أزواجه، فكان يستحي أن يأمر زيد بن حارثة بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب بعض ما يكون بين الناس، فيأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه؛ أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه. وكان رسول الله ﷺ قد تبنّى زيدًا