ذكر ابنُ جرير (١٠/٣٢٩) قولين للسلف في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى عفو﴾: أحدهما: أنّ معناه: حتى كثروا. وهو قول جمهور السلف. وثانيها: أن معناه: حتى سروا وفرحوا، وهو قول قتادة. وقد رجّح ابنُ جرير القول الأول مستندًا إلى لغة العرب، قال: ""قوله: ﴿حتى عفوا﴾ يقول: حتى كثروا، وكذلك كل شيء كثر فإنه يقال فيه: قد عفا، كما قال الشاعر:ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم""
ذكر ابنُ القيم (٢/٣٥٨-٣٥٩) قول مقاتل، وعلّق عليه بقوله: «وكأنّ مقاتلًا أراد التمثيل والبيان، على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوعٍ أو فردٍ مِن أفراد مدلولها، تقريبًا وتمثيلًا، لا حصرًا وإحاطة». وذكر ابنُ القيم قولًا عن ابن عباس أنه قال: آثارهم: ما أثروا من خير أو شر، كقوله: ﴿ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر﴾ [القيامة:١٣]. وبيّن أن هذا القول أعمُّ من قول مقاتل
جمع ابنُ جرير (٢١/٥٩٢) بين تفسير ريب المنون بالموت، أو بحوادث الدهر، فذكر أن المعنى: بل يقول المشركون: هو شاعر نتربّص به حوادث الدهر، يكفيناه بموت أو حادثة مُتلفة. ثم قال: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت عباراتهم عنه». وقال ابنُ عطية (٨/٩٦): «و﴿المَنُون﴾ من أسماء الموت. وبه فسّر ابن عباس. ومن أسماء الدهر أيضًا. وبه فسّر مجاهد»
علَّق ابنُ كثير (١٣/٢٥٥ بتصرف) على هذه الرواية بأنه: «تكلّم كثيرٌ مِن الناس في متنها، وذكروا أشياء فيها مِن الغرابة، فإن صح فهو محمولٌ على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية؛ فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: ﴿ولَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم:١٣-١٤]، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: إنّ أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتُُهم وسيئاتُهم، فوقفوا هنالك على السور، فإذا رأوا أصحاب الجنة عرفوهم ببياض وجوهم، وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد وجوهم. ثم قال: ﴿لم يدخُلُوها وهم يطمعون﴾ في دخولها. ثم قال: إنّ الله أدخل أصحاب الأعراف الجنةَ
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- أنه سئل عن قوله: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾. فقرأ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة، قال: هذا لإيلاف قريش؛ صنعتُ هذا بهم لألفةِ قريش؛ لئلا أُفرِّق أُلْفَتهم وجماعتهم، إنما جاء صاحب الفيل ليستبيد حريمهم فصنع الله بهم ذلك
قال ابنُ عطية (٧/٦٣٨): «هذه السورة مدنية بإجماع، غير أنّ بعض الناس قال في قوله تعالى: ﴿وكَأَيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد:١٣]: إنها نزلت بمكة في وقت دخول النبي فيها عام الفتح أو سنة الحُديبية. وما كان مثل هذا فهو معدود في المدني؛ لأن المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها»
عن أبي موسى الأشعري، قال: نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة، ثُمَّ رُفِعَت، وحُفِظ منها: (إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم). وفي لفظ: (لَيُؤَيِّدَنَّ اللهُ هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة من خلاق، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتَمَنّى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، إلا من تاب فيتوب الله عليه، والله غفور رحيم)
عن زيد بن أسْلَم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص- أنّه قال: وقال: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾، فنَسخ، واسْتَثْنى منها؛ فأَحَلَّ من المشركات نساءَ أهل الكتاب في سورة المائدة [٥]، قال الله: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر- أنّه قال: وقال في سورة النساء: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾، فنسختها آية الميراث، لكل امرئ نصيبه. وقال في أموال اليتامى: ﴿من كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾، ثم قال لِمن أكله ظلمًا: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء:١٠]