ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٢٩٦-٢٩٧) أنّ أبا عبيدة قال بأن قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ معناه: يحدون. ثم علَّق بقوله: «يريد: مِن قولك: رجل محدود، أي: محروم لا يصيب خيرًا، وكأنّه من الإفك الذي هو الكذب، فكأنّ المأفوك هو الذي تكذبه أراجيه فلا يلقى خيرًا». ثم قال: «ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ابتداء تقرير، أي: بأي سبب ومن أي جهة يصرفون عن الحق بعد ما تبين لهم؟!»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٩) في قوله: ﴿لا جرم﴾ أربعة أقوال: الأول: أنها بمعنى: حقَّ. الثاني: أن تكون بمعنى: لا بُدَّ، أو: لا شك. الثالث: أن تكون ﴿لا﴾ ردٌّ عليهم ولما تقدم مِن كُلِّ ما قبلها، وتكون ﴿جَرَم﴾ بمعنى: كسَبَ، والمعنى: كسب فعلُهم ﴿أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾. الرابع: أن تكون بمعنى: لا صَدَّ ولا منْع. وعلّق عليه قائلًا: «فكأنّ ﴿جرم﴾ على هذا مِن معنى القطع، تقول: جرمت، أي: قطعت»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٩١ بتصرُّف): «لسان الصدق في الآخرين: هو الثناء، وتخليد المكانة بإجماع من المفسرين. وكذلك أجاب الله دعوته، فكل ملة تتمسك به وتعظِّمه، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد ﷺ. قال مكِّيّ: وقيل: معنى سؤاله: أن يكون من ذريته في آخر الزمان مَن يقوم بالحق، فأُجيبت الدعوة في محمد ﷺ. وهذا معنى حسن، إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكُّم في اللفظ»

سورة النساء — الآية ١١

عن طاووس بن كَيْسان -من طريق ابن طاووس- أنّه كان يقول في امرأة تُوُفِّيَت، وتركت زوجَها، وأُمَّها، وإخوتَها مِن أُمِّها، وأختَها مِن أمها وأبيها: لأُمِّها السُّدُس، ولزوجها الشطرُ، والثلث بين الإخوة مِن الأم والأخت مِن الأب والأم، وأنّ عمر بن الخطاب كان يقول: ألقوا أباها في الريح، أمّا الأُخْتُ للأب والأم فإنّها لا ترِث به، وإنما ورِثَتْ مع الإخوة مِن أجل أنها ابنة أُمِّهم، قال: فإن كان مع الإخوة للأُمِّ أُخْتٌ لأبٍ فلا شيء لها. قلتُ: فكيف يقتسمون الثلث؟ قال: كان ابن عباس يقول: لا أجد إلا ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، قال ابن طاووس: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾

سورة الأنفال — الآية ٧٥

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، قال: نَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها من مواريثِ العَقْدِ والحِلفِ والمواريثِ بالهجرة، وصارت لذوِي الأرحام. قال: والوالدُ أوْلى من الأخ، والأخُ والأختُ أوْلى من ابن الأخ، وابنُ الأخ أوْلى من العمِّ، والعمُّ أوْلى من ابن العمِّ، وابنُ العمِّ أوْلى من الخال، وليس للخالِ ولا العمةِ ولا الخالةِ من الميراثِ نصيبٌ في قول زيد، وكان عمر بن الخطاب يُعْطِي ثُلُثَي المال للعَمَّة والثُّلثَ للخالة؛ إذا لم يكن له وارثٌ، وكان عليٌّ وعبد الله بن مسعود يَرُدّان ما فضَل من الميراث على ذَوي الأرحام، على قَدْرِ سُهْمانِهم، غيرَ الزوجِ والمرأة

سورة النساء — الآية ١٣٥

عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق يونس- في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال: كان ذلك فيما مضى مِن السُّنَّة في سَلَف المسلمين، وكانوا يتأَوَّلون في ذلك قولَ الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ الآية، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ على اتِّهامهم، فتُرِكَتْ شهادةُ مَن يُتَّهَمَ إذا كانت مِن أقربائهم، وصار ذلك مِن الولد، والوالد، والأخ، والزوج، والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان

سورة يوسف — الآية ٥٦

عن وهب بن مُنَبِّه، قال: أصابت امرأةُ العزيزِ حاجَةً لها، فقيل لها: لو أتيتِ يوسفَ بن يعقوب فسَأَلْتِهِ. فاستشارت الناسَ في ذلك، فقالوا: لا تفعلي؛ فإنّا نخاف عليك. قالت: كَلّا، إنِّي لا أخافُ مِمَّن يخاف الله. فدَخَلَتْ عليه، فرَأَتْه في مُلْكِه، فقالت: الحمدُ لله الذي جعل العبيدَ ملوكًا بطاعته. ثُمَّ نظرت إلى نفسها، فقالت: الحمد لله الذي جعل الملوكَ عبيدًا بمعصيته. فقضى لها جميع حوائجها، ثم تزوَّجها، فوجدها بِكْرًا، فقال لها: أليس هذا أجملَ مِمّا أردتِ؟ قالت: يا نبيَّ الله، إنِّي ابتُليتُ فيكَ بأربع: كنتَ أجملَ الناس كلهم، وكنتُ أنا أجمل أهل زماني، وكنتُ بكرًا، وكان زوجي عِنِّينًا

سورة الأحزاب — الآية ٥٥

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ قال: نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهن جناح أن يَرَيْن تلك الزينة. قال: وإنما هذا كله في الزينة. قال: ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيءٍ من عورة المرأة. قال: ولو نظر الرجل إلى فخذ الرجل لم أرَ به بأسًا. قال: ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ فليس ينبغي لها أن تكشف قرطها للرجل. قال: وأما الكحل والخاتم والخضاب فلا بأس به. قال: والزوج له فضل، والآباء مِن وراء الرجل لهم فضل. قال: والآخرون يتفاضلون. قال: وهذا كله يجمعه ما ظهر مِن الزينة. قال: وكان أزواج النبي ﷺ لا يحتجبن مِن المماليك

قُرِئَ قوله تعالى: ﴿والمحصَنات﴾ بفتح الصاد، وكسرها، أما قراءة ﴿والمحصَنات﴾ بفتح الصاد، فعلى معنى: أنّ النساء أحصنَهنّ غيرُهنّ: مِن زوج، أو إسلام، أو عِفَّة، أوحُرِّيَّة. وأما قراءة ﴿والمحصِنات﴾ بكسر الصاد، فعلى معنى: أنّ النساء أحصَنَّ أنفسَهنّ بهذه الوجوه أو بعضها. وقال ابنُ جرير (٦‏/‏٥٩٨): «الصواب عندنا من القول في ذلك: أنّهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مع اتفاق ذلك في المعنى؛ فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصواب، إلا في الحرف الأول من سورة النساء، وهو قوله: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فإنِّي لا أستجيزُ الكسر في صاده؛ لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها كان صوابًا القراءة بها كذلك»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٣) تعليقًا على هذه الآية: «نَزَلَتْ إثر صُلح الحُدَيبية، وذلك أنّ الصُّلح تضمّن أن يَردّ المؤمنون إلى الكفار كلَّ من جاء مسلمًا مِن رجل وامرأة، فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم أنّ المُهاجِرة لا تُردّ إلى الكفار، بل تبقى تستبرئ وتتزوّج ويُعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر أيضًا المؤمنين بطلب صداق مَن فرَّت امرأتُه مِن المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسمّاهم: مؤمنات قبل أن يتيقّن ذلك؛ إذ هو ظاهر أمرهن». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥٧٨)، وقال ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٩٢)، وقال ابنُ القيم (٣‏/‏١٥٠)