عن عطاء بن يَسار -من طريق أصحاب محمد بن إسحاق- قال: نزلت سورةُ التَّغابُن كلّها بمكة، إلا هؤلاء الآيات: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ﴾؛ نزلت في عَوف بن مالك الأَشْجعيّ، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بَكَوا عليه ورقَّقوه، فقالوا: إلى مَن تَدَعُنا؟ فيَرِقّ ويُقيم؛ فنَزَلَتْ هذه الآيات فيه بالمدينة
عن أبي حَبَّة البدريّ، قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى آخرها؛ قال جبريل: يا رسول الله، إنّ ربك يأمرك أن تُقرِئها أُبيًّا. فقال النبيُّ ﷺ لأُبيّ: «إنّ جبريل أمرني أنْ أُقرئك هذه السورة». قال أبي: وقد ذُكرتُ ثَمَّ، يا رسول الله؟! قال: «نعم». فبكى
قال مقاتل بن سليمان: كانت هذه السورةُ آيةَ موتِ النبيِّ ﷺ، فقرأها على أبي بكر وعمر، ففرحا، وسمعها عبدُ الله بن عباس فبكى، فقال له النبي ﷺ: «صدقتَ». فعاش النبيُّ ﷺ بعدها ثمانين يومًا. ومسح رسول الله ﷺ بيده على رأس ابن عباس، وقال: «اللهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»
اختُلِف في معنى قوله: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ فقال قوم: هو شاة. وقال آخرون: الإبل والبقر سنٌّ دون سن. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٣٥٦-٣٥٧) القولَ الأولَ مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «لأن الله -جَلَّ ثناؤُه- إنّما أوْجَب ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ، وذلك على كُلِّ ما تيسر للمُهْدِي أن يُهْدِيه كائنًا ما كان ذلك الذي يهدي، إلا أن يكون الله -جلَّ وعَزَّ- خَصَّ من ذلك شيئًا، فيكون ما خص من ذلك خارجًا من جُمْلَةِ ما احتمله ظاهرُ التنزيل، ويكون سائر الأشياء غيره مُجْزِئًا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحق اسم هَدْيٍ». وكذا رَجَّحه ابنُ كثير (٢/٢٣٠) مستندًا إلى ظاهر الآية والسنة، فقال: «والدليل على صِحَّة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أنّ الله أوْجَبَ ذَبْحَ ما اسْتَيْسَر من الهدي، أي: مهما تَيَسَّر مِمّا يُسَمّى هَدْيًا، والهَدْيُ من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم الرسول ﷺ. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبيُّ ﷺ مرة غنمًا»
عن عمر بن الخطاب -من طريق السّائِب بن يزيد- أنّ رجلًا قال لعمر: إنِّي مررتُ برجلٍ يسألُ عن تفسير مُشْكِل القرآن. فقال عمر: اللَّهُمَّ، أمْكِنِّي مِنهُ. فدخل الرجلُ يومًا على عمر، فسأله، فقام عمرُ، فحَسَر عن ذِراعَيْه، وجعل يَجْلِدُه، ثم قال: ألْبِسُوه تُبّانًا، واحمِلوه على قَتَبٍ، وابلُغُوا به حَيَّهُ، ثم لْيَقُم خطيبٌ فلْيَقُلْ: إنّ صَبِيغًا طَلَبَ العِلْمَ فأخطأه. فلم يزل وضيعًا في قومه بعد أن كان سيِّدًا فيهم
قال يحيى بن سلّام: ﴿أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك﴾ أيضًا؛ فإنّ السحرة قد تفعل ذلك فتأخذ بأعين الناس، ﴿حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾ إلى كل إنسان مِنّا بعينه: من الله إلى فلان بن فلان، وفلان بن فلان، وفلان بن فلان: أن آمِن بمحمد؛ فإنّه رسولي. أظنه في تفسير الحسن البصري، وهو قوله: ﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة﴾ [المدثر:٥٢]، يعني: كتابًا مِن الله
عن جعفر، عن العشرة الذين دخلوا على عمر بن عبد العزيز، وكانوا متكلمين كلهم، فتكلموا، ثم إنّ عمر بن عبد العزيز تكلم بشيء، فظننّا أنه تكلم بشيء ردَّ به ما كان في أيدينا، فقال لنا: هل تعرفون تفسير هذه الآية: ﴿فَإنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ * ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ * إلّا مَن هُوَ صالِ الجَحِيمِ﴾؟ قال: إنّكم والآلهة التي تعبدونها لستم بالذي تفتنون عليها، إلا مَن قضيت عليه أنه يصلى الجحيم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾، يعني: آدم، وكان آدم عليه السلام أول ما خُلق منه عجَب الذَّنب، وآخر ما خُلق منه أظفاره، ثم رُكِّب فيه سائر خلقه؛ يعني: عجب الذنب، وفيه يركّب يوم القيامة كما رُكّب في الدنيا، ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ* فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ الذين كانوا في الأرض، إضمار[[تفسير مقاتل بن سليمان ٣/٦٥٣]][[c=٥٥٩٤]]
قال علي بن أبي طالب: لَمّا أنزل الله عز وجل خَبَرًا عن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] سمعتُ رجلًا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟! فقال: أوَلَم يستغفر إبراهيمُ لأبيه؟! فأتيت النبيَّ ﷺ، فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم﴾ إلى قوله: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾[[تفسير البغوي ٤/١٠١.]]
علَّق ابنُ القيم (١/١٧٣) على تفسير الفتنة بالشرك مُسْتَدِلًّا بالقرآن بقوله: «ويدُلُّ عليه قولُه: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣]، أي: لم يكن مآلُ شركهم وعاقبتُه وآخرُ أمرِهم إلا أن تَبَرَّءوا منه وأنكروه». ثُمَّ قال: «وحقيقتُها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبُه إليه، ويُقاتِل عليه، ويُعاقِب من لم يَفْتَتِن به، ولهذا يُقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ [الذاريات:١٤]»