عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس -من طريق ابن جُرَيْج، عن أبي معشر- قالا: جلس رسول الله - ﷺ - في نادٍ مِن أندية قريش كثيرٍ أهلُه، فتمنّى يومئذ أن لا يأتيه مِن الله شيء فيَتَفَرَّقون عنه، فأنزل الله عليه: ﴿والنجم اذا هوى﴾. فقرأها رسول الله - ﷺ - حتى بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]. ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى. فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورضوا بما تكلم به، فلمّا أمسىأتاه جبريل، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله - ﷺ -: «افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يقل!!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ إلى قوله: ﴿نصيرا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مغمومًا مهمومًا مِن شأن الكلمتين حتى نزلت: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية. فسر عنه، وطابت نفسه
عن عبد الله بن عباس، قال: نُسِخت من هذه السورة: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾. قال: فكان مُخيَّرًا حتى نزَلت: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، فأُمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتاب الله
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: جاء ناسٌ مِن اليهود إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: انسب لنا ربّك. -وفي لفظ: صِف لنا ربّك-. فلم يَدْرِ ما يرُدّ عليهم؛ فنزلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ حتى خَتم السورة
عن النواس بن سَمْعان، عن رسول الله - ﷺ -، قال: «ضَرَب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصِّراط سوران، فيهما أبواب مُفَتَّحَة، وعلى الأبواب سُتُور مُرْخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تتفرقوا. وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تَلِجْه. فالصراط: الإسلام. والسوران: حدود الله. والأبواب المفتحة: محارم الله. وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله. والداعيمن فوق: واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم»
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال لأُبَيِّ بن كعب: «إنِّي أُحِبُّ أن أُعَلِّمك سورةً، لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلُها». قال: نعم، يا رسول الله. قال: إني لأرجو أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها. ثم أخذ رسول الله ﷺ بيدي يُحَدِّثني، فجعلت أتَباطَأُ مخافةَ أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث، فلمّا دنوتُ قلتُ: يا رسول الله، ما السورة التي وعدتني؟ قال: «ما تقرأ في الصلاة؟». فقرأت عليه أُمَّ القرآن، فقال: «والذي نفسي بيده، ما أُنزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلُها، إنّها السبعُ مِن المثاني، والقرآن العظيم الذي أُعطِيتُه»
قال مقاتل بن سليمان: أقسم الله عز وجل بـ﴿النَّجْمِ إذا هَوى﴾، يقول: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾، وهي أول سورة أعلَنها النبيُّ ﷺ بمكة، فلما بلَغ آخرها سجد، وسجد مَن بحضرته مِن مؤمني الإنس والجن والشجر، وذلك أنّ كفار مكة قالوا: إنّ محمدًا يقول هذا القرآن مِن تلقاء نفسه، فأقسم الله بالقرآن، فقال: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ يعني: مِن السماء إلى محمد ﷺ، مثل قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]، وكان القرآن إذا نزل إنما ينزل نجومًا؛ ثلاث آيات، وأربع، ونحو ذلك، والسورة، والسورتان
قال ابنُ عطية (٥/٤٣٣): «هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات: قوله عز وجل: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾، وقوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾، نزلت حين جاء رسولَ الله ﷺ وفدُ ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء. وقوله عز وجل: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾، وقوله عز وجل: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله﴾، وقال ابن مسعود -في بني إسرائيل والكهف-: إنهن من العِتاق الأُوَل، وهن من تلادي. يريد أنهن مِن قديم كسبه». وفي مقدمة السورة عند ابن كثير (٨/٣٧٣) أنها مكية، وذَكَرَ أثر ابن مسعود
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ يعني: اليهود ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ وذلك أنّ الكافر إذا دخل قبره أتاه مَلَكٌ شديد الانتهار، فأجلسه، ثم يسأله: مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومَن رسولك؟ فيقول: لا أدري. فيقول المَلك: أبعدك الله، انظر -يا عدوّ الله- إلى منزلك من النار. فينظر إليها، ويدعو بالويل، ويقول له المَلك: هذا لك، يا عدوّ الله، فلو كنتَ آمنتَ بربّك لدخلتَ الجنة. ثم فينظر إليها، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقول له المَلك: هذا لِمَن آمن بالله. فيكون حسرة عليه، وينقطع رجاؤه منها، ويعلم عند ذلك أنه لا حظّ له فيها، وييأس من خير الجنة، فذلك قوله لكفار أهل الدنيا الأحياء منهم: قد يئسوا من نعيم الآخرة بأنهم كذّبوا بالثواب والعقاب، وهم أيضًا آيسون من الجنة كما أيس هذا الكافر مِن أصحاب القبور حين عاينوا منازلهم من النار في الآخرة
ذكر ابنُ جرير (٢/٤٥٥-٤٥٦ بتصرف) اختلافَ المفسرين في السبب الذي من أجله خصَّ الله المشرق والمغرب بالخبر عنهما أنهما له دون سائر الأشياء، ثم قال مرجِّحًا بعادةِ العربِ: «والصواب من القول في ذلك: أن الله إنّما خَصَّ الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملك -وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك- إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم؛ إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه. ومعنى الآية إذًا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته، فولوا وجوهكم -أيها المؤمنون- نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي»
عن شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ، قال: تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان، فوصف المُتَّقِيَ، فقال: رجل آثَرَ الله على خلقه، وآثر الآخرة على الدنيا، ولم تَكْرُثُه المطالب، ولم تمنعه المطامع، نظر ببصر قلبه إلى معالي إرادته فسما لها مُلْتَمِسًا لها، فدهره محزون، يبيت إذا نام الناس ذا شُجُون، ويصبح مغمومًا في الدنيا مسجون، قد انقطعت من همته الراحة دون منيته، فشفاؤه القرآن، ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة، لا يرى منها الدنيا عوضًا، ولا يستريح إلى لذة سواها. فقال عبد الملك: أشهد أنّ هذا أرخى بالًا مِنّا، وأنعم عيشًا