قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وإذا قُرِئ عليهم القرآن ﴿بَيِّناتٍ﴾ ما فيه من الأمر والنهي؛ ﴿قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ﴾ يعنون: النبي ﷺ ﴿يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وقالُوا ما هَذا﴾ القرآن ﴿إلّا إفْكٌ﴾ كذب ﴿مُفْتَرًى﴾ افتراه محمد ﷺ مِن تِلْقاء نفسه، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن أهل مكة ﴿لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ يعنون: القرآن حين جاءهم: ﴿إنْ هَذا﴾ القرآن ﴿إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ تُنذِرُ الناسَ، والله يهدي من يشاء، ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة، ﴿ونَذِيرًا﴾ من النار، ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ يعني: الأمم الخالية كلها قد خلت فيهم النذر، وتفسير السُّدِّيّ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾، أي: وإن مِن أُمَّة مِمَّن أهلكنا إلا خلا فيها نذير، يعني: يُحَذِّرُ المشركين أن ينزل بهم ما نزل بهم إن كذّبوا النبي - ﷺ - كما كذبت الأممُ رسلَها
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا﴾ محمدًا ﷺ يتلوه كتابًا، يعني: يقرأ محمد ﷺ ﴿كِتابًا﴾ يعني: شيئًا عجَبًا، يعني: قرآنًا ﴿أُنْزِلَ﴾ على محمد ﷺ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ عليه السلام، وكانوا مؤمنين بموسى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقول: يُصدِّق كتابُ محمد ﷺ الكتبَ التي كانت أُنزلتْ على الأنبياء، ﴿يَهْدِي﴾ يعني: يدعو كتاب محمد ﷺ ﴿إلى الحَقِّ﴾ يعني: إلى الهُدى، ﴿وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: يدعو إلى الدين المستقيم، وهو الإسلام
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾: إنهم أعراب بني أسَد بن خُزيمة، قالوا: يا رسول الله، أتيناك بغير قتال، وتركنا العشائر والأموال، وكلّ قبيلة من الأعراب قاتَلتْك حتى دخلوا في الإسلام كرهًا، فلَنا عليك حقٌّ. فأنزل الله: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾، فله لذلك المنُّ عليكم ﴿إن كنتم صادقين﴾، وفيهم أُنزِلتْ: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٣٣]
عن أبي هريرة -من طريق زياد مولى بني مخزوم- قال: إنّ في الجنة لَشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائة عامٍ لا يقطعها، واقرءوا إن شئتُم: ﴿وظلٍ مَّمدود﴾. فبلغ ذلك كعبًا، فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمدٍ، لو أنّ رجلًا ركب حقَّةً أو جذعةً ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هَرِمًا، إن الله عز وجل غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإنّ أفنانها مِن وراء سُور الجنة، وما في الجنة نهرٌ إلا يخرُجُ من أصل تلك الشجرة
عن عائشة، قالت: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللّات والعُزّى». فقالت عائشة: واللهِ، يا رسول الله، إن كنت لأظنّ حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآيةَ أنّ ذلك سيكون تامًّا. فقال: «إنّه سيكون مِن ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيّبة، فيتوفّى مَن كان في قلبه مِثقال حبّة من خردل من خير، فيبقى مَن لا خير فيه، فيَرجعون إلى دين آبائهم»
رَجَّح ابنُ جرير (٢/٦٧٢ بتصرف) ما قاله أبو العالية من أنّ الآية تشمل كِلا القولين المذكورين: كتمان اليهود والنصارى لأمر القبلة، ولأمر محمد، ولم يُخَصِّص واحدًا من هذين، حيث قال: «وذلك الحق هو القبلة التي وجه الله عز وجل إليها نبيه محمدًا ﷺ، فكتمتها اليهود والنصارى، فتوجّه بعضهم شرقًا، وبعضهم نحو بيت المقدس، ورفضوا ما أمرهم الله به، وكتموا مع ذلك أمر محمد ﷺ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل». ولم يذكر مُسْتَنَدًا
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال قوم: تفسيره: أنّه ذو جدال. وقال آخرون: معناه: أنّه غير مستقيم الخصومة. وقال غيرهم: هو كاذب في قوله. وذَكَر ابنُ جرير (٣/٥٨٠) أنّ القولين الأوليين متقاربي المعنى، فقال: «وكِلا هذين القولين متقاربُ المعنى؛ لأنّ الاعوجاج في الخصومة من الجِدال واللَّجَج». ثم ذكر أنّ القول الثالث الذي قاله الحسن يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائلُه: أنّه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلًا واعوجاجًا عن الحق
وجّه ابن عطية (٢/٥٩٢-٥٩٣) معنى هذه الآية بحسب الاختلاف الوارد في روايات نزول الآيات السابقة، فقال: «قالت فرقة: هي في المنافقين الذين احتكموا إلى الطاغوت حسبما تقدم، فالمعنى: فكيف بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه! ؟ ثم حلفوا إن أردنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه دون مر الحكم وتقصي الحق. وقالت فرقة: هي في المنافقين الذين طلبوا دم الذي قتله عمر، فالمعنى: فَكَيْفَ بهم إذا أصابَتْهُمْ مصيبة في قتل قريبهم ومثله من نقم الله تعالى»
وجَّه ابنُ جرير (١٠/٤٤٣) قول سفيان بن عيينة، فقال: «وتأويل ابن عيينة هذا يدُلُّ على أنّ هذا الكلام كان عنده من الله وعيدًا لأهل الكفر بالله مِمَّن بُعِث إليه نبيُّنا محمد ﷺ دون قوم موسى؛ لأن القرآن إنما أنزل على نبينا محمد ﷺ دون موسى عليه السلام». واستدرك عليه ابنُ كثير (٦/٣٩٣)، فقال: «ليس هذا بلازم؛ لأنّ ابن عيينة إنّما أراد أنّ هذا مُطَّرِدٌ في حَقِّ كُلِّ أُمَّة، ولا فرق بين أحَدٍ وأَحَدٍ في هذا»