استدرك ابنُ جرير (٢١‏/‏١٤١) -من جهة اللغة- على قول ابن زيد بقوله: «وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله: ﴿رب أوزعني﴾ وإن كان يؤول إليه معنى الكلمة، فليس بمعنى الإيزاع على الصحة». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦١٩-٦٢٠) أن قوله: ﴿أوزعني﴾ يحتمل احتمالين: الأول: ادفعني عن الموانع، وازجرني عن القواطع؛ لأجل أن أشكر نعمتك. الثاني: أن يكون بمعنى: اجعل حظّي ونصيبي. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من التّوزيع، والقوم الأوزاع، ومن قولك: توزعوا المال؛ فـ﴿أن﴾ على هذا مفعول صريح». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٤٥٠) القول بأن معنى ﴿أوزعني﴾: ألْهِمني. ثم نقل عن أبي إسحاق تفسيره بـ: كفّني عن الأشياء إلا نفس شكر نعمتك. وعلَّق عليه بقوله: «ولهذا يقال في تفسير الموزع: المولع، ومنه الحديث: «كان رسول الله ﷺ مُوزعًا بالسؤال». أي: مُولعًا به، كأنه كفّ ومُنع إلا منه. ونقل عن أهل اللغة أن الوزع له معنيان: الأول: أنه بمعنى الكفّ. وهو قول أبي إسحاق. الثاني: الإغراء، فأوزعته بالشيء: أغريته به، واستوزعتُ الله شكره فأوزعني: استلهمتُه فألهمني. ثم قال:»فقد دار معنى اللفظة على معنى: ألْهِمني ذلك، واجعلني مغرًى به، وكفّني عما سواه""

سورة المائدة — الآية ٩٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ قال: كان الرجل إذا أراد سفرًا نظر في أمره؛ فإن كان السفر الذي يريده يعلم أنه يذهب ويرجع قبل أن يمضي الشهر الحرام توجَّه آمنًا، ولم يُقَلِّد نفسه ولا راحلته، وإن كان يعلم أنه لا يقدر على الرجوع حتى يمضي الشهر الحرام قلَّد نفسَه وبعيرَه من [لحاء] شجر الحرم، فيأمن به حيث ما توجَّه من البلاد، فمِن ثَمَّ قال سبحانه: ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾، كل ذلك كان قوامًا لهم وأمنًا في الجاهلية. نظيرها في أول السورة

سورة الفتح — الآية ٢٩

عن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، في قوله: ﴿محمد رسول الله﴾ قال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ أبو بكر الصديق، ﴿أشداء على الكفار﴾ عمر بن الخطاب، ﴿رحماء بينهم﴾ عثمان بن عفان، ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ علي بن أبي طالب، ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ إلى آخر السورة

انتَقَدَ ابنُ عطية (٢‏/‏١٥٨-١٥٩) قولَ أبي فاختة: أنّ أُمَّ الكتاب هي فواتح السور؛ لمخالفته ظاهر القرآن، فقال: «وهذا قولٌ مُتَداعٍ للسقوط مُضْطَرِبٌ، لم ينظر قائلُه أوَّلَ الآية وآخرَها ومقصدَها. وإنّما معنى الآية: الإنحاءُ على أهلِ الزيغ والإشارة بذلك؛ أوّلًا إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد عليه السلام، فإنّهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تَعُمُّ بعد ذلك كُلَّ زائغ»

سورة البقرة — الآية ١٥٢

عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن أُعْطِي أربعًا أُعْطِي أربعًا، وتفسير ذلك في كتاب الله: من أُعْطِي الذِّكْرَ ذَكَره الله؛ لأنّ الله يقول: ﴿فاذكروني أذكروكم﴾. ومن أُعْطِي الدعاء أُعْطِي الإجابة؛ لأنّ الله يقول: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غافر:٦٠]. ومن أُعْطِي الشكر أُعْطِي الزيادة؛ لأن الله يقول: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم:٧]. ومن أُعْطِي الاستغفار أُعْطِي المغفرة؛ لأن الله يقول: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ [نوح:١٠]»

سورة القصص — الآية ٢٦

قال يحيى بن سلّام: ﴿قالت إحداهما﴾ إحدى المرأتين: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾... وكان الذي رأت مِن قوته في تفسير الحسن: أنّه لم تلبث ماشيتهما أن أرواها، وأن الأمانة التي رأت منه أنها حين جاءته تدعوه قال لها: كوني ورائي. وكره أن يستدبرها. وبعضهم يقول في قولها: ﴿القوي﴾: أنّه كان على تلك البئر التي سقى منها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلًا، فرفعها موسى وحده، وذلك أنه سألهما: هل هاهنا بئر غير هذه؟ فقالتا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلًا

سورة فاطر — الآية ٢٣

قال يحيى بن سلّام: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ تُنذِرُ الناسَ، والله يهدي من يشاء، ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة، ﴿ونَذِيرًا﴾ من النار، ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ يعني: الأمم الخالية كلها قد خلت فيهم النذر، وتفسير السُّدِّيّ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾، أي: وإن مِن أُمَّة مِمَّن أهلكنا إلا خلا فيها نذير، يعني: يُحَذِّرُ المشركين أن ينزل بهم ما نزل بهم إن كذّبوا النبي - ﷺ - كما كذبت الأممُ رسلَها

ذَهَبَ ابنُ عطية (٢‏/‏٢١٥) إلى العموم، وعدم تخصيص الرَّمز بمعنى دون غيره، حيث إنّه قال: «والرَّمز في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرّامِز، بأيِّ شيء كانت الحركة؛ من عين، أو حاجب، أو شفة، أو يد، أو عود، أو غير ذلك. وقد قيل للكلام المُحَرَّف عن ظاهره: رموز؛ لأنّها علاماتٌ بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلامِ به. وقد يُقالُ للتصويت الدالِّ على معنًى: رمز». ثم قال: «وأمّا المفسرون فخصَّص كُلُّ واحدٍ منهم نوعًا من الرَّمز في تفسيره هذه الآية»

وجَّه ابنُ جرير (١١‏/‏١٢٨) الأقوال الواردة في معنى: ﴿فرقانًا﴾، فقال: «وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلفت العبارات عنها». وبنحوه قال ابنُ عطية (٤‏/‏١٧٠-١٧١). وعلَّق ابنُ كثير (٧‏/‏٥٨) على قول ابن إسحاق، فقال: «وهذا التفسير من ابن إسحاق أعَمُّ مما تقدم، وقد يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٦٥) هذه الأقوال في تفسير الزينة، ثم نقل قولين آخرين: الأول: أنّ المراد بالزينة: النِعَم، والملابس، والثمار، والخضرة، والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة. وعلَّق عليه بقوله: «ولم يدخل في هذا الجبال الصم، وكل ما لا زيْن فيه؛ كالحيّات، والعقارب». الثاني: كل ما على الأرض عمومًا، وليس شيء إلا وفيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. وعلَّق عليه بقوله: «وفي معنى هذه الآية قول النبي ﷺ: «الدنيا خضِرة حلوة، وإنّ الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء»»