اختلف في معنى: ﴿الصَّمَد﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هو الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب. الثاني: الذي لا يخرج منه شيء. الثالث: الذي لم يلد ولم يولد. الرابع: السيّد الذي قد انتهى في سؤدده. الخامس: هو الباقي الذي لا يفنى. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٧١١) القول بأن المعنى: «الذي لا جوف له» بقوله: «كأنه بمعنى: المُصمَت». ووجَّه ابنُ كثير (١٤/٥١٣) القول الثالث -وهو قول الربيع بن أنس، وما في معناه- بقوله: «كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾». ثم علَّق عليه بقوله: «وهو تفسير جيد». وذكر ابنُ جرير (٢٤/٧٣٧) أنّ ""﴿الصَّمَد﴾ عند العرب هو السيِّد الذي يُصمَد إليه، الذي لا أحد فوقَه، وكذلك تُسمِّي أشرافها. ومنه قَوْل الشّاعر:ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدوقال الزِّبْرِقانُ:ولا رَهِينَةَ إلّا سَيِّدٌ صَمَدُ"". ثمَّ رجَّح القول الرابع -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: «فإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الكلمة: المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه، ولو كان حديث ابن بُرَيْدة عن أبيه صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة؛ لأنّ رسول الله أعلمُ بما عَنى الله -جلَّ ثناؤه-، وبما أنزَل عليه». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٨٥) أنّ معنى ﴿الصَّمَد﴾: «فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة؛ وليس كذلك». ورجَّح أنّ «كلّها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما: أنّ الصَّمَد هو الذي لا جوف له. والثاني: أنه السيّد الذي يُصمَد إليه في الحوائج. والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين». وذكر (٧/٣٦٩) في موضع آخر هذين القولين المشهورين، ثم قال: «وكلا القولين حقّ؛ فإنّ لفظ»الصَّمَد«في اللغة يتناول هذا وهذا، والصَّمَد في اللغة: السيد؛ والصَّمَد أيضًا: المُصمد، والمُصمد: المُصمت، وكلاهما معروف في اللغة. ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صَمد، والآدميون جوف. وهذا أيضًا دليل آخر؛ فإنه إذا كانت الملائكة - وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة عن النبي أنه قال: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم»-، فإذا كانوا مخلوقين من نور؛ وهم لا يأكلون ولا يشربون، بل هم صَمد ليسوا جوفًا كالإنسان، وهم يتكلّمون ويسمعون ويُبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله؛ فالخالق تعالى أعظم مباينة لمخلوقاته مِن مباينة الملائكة للآدميين؛ فإنّ كليهما مخلوق، والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق»
عن عمير بن سعد -من طريق كثير بن مُرَّة- قال: فِيَّ أُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿ويقُولُون هو أذنٌ﴾. وذلك أنّ عمير بن سعد كان يسمعُ أحاديثَ أهل المدينة، فيأتي النبيَّ ﷺ فيُسارُّه، حتى كانوا يَتَأذَّوْن بعمير بن سعدٍ، وكرهوا مجالسته، وقالوا: هو أُذُنٌ. فأُنزِلت فيه
عن كثير بن زياد، قال: قلت للحسن البصري: قول الله: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. قال: في المؤمن نزلت. قلت: أشْرَكَ بالله؟ قال: لا، ولكن أشْرَكَ بذلك العمل؛ عمِل عملًا يريد اللهَ به والناس، فذلك يُرَدُّ عليه
اختَلَف السلفُ في المسجد الذي عناه الله بقوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ على قولين: الأول: أنّه مسجد قباء. الثاني: أنّه مسجد النبي ﷺ. وقد رَجَّح ابنُ جرير (١١/٦٨٥) مستندًا إلى السُّنَّة القول الثاني، فقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: هو مسجد الرسول ﷺ لِصِحَّة الخبر بذلك عن رسول الله». واستدلَّ على ذلك بالأخبار المروية عن النبي ﷺ، المتقدمة في تفسير الآية. وبنحوه قال ابنُ عطية (٤/٤٠٧)، فقد ذكر القولين، ثم قال: «ويليق القول الأول بالقصة، إلا أنّ القول الثاني روي عن رسول الله ﷺ، ولا نَظَرَ مع الحديث». ورجّح ابنُ تيمية (٣/٤٤٨-٤٤٩ بتصرف) مستندًا لدلالة العقل، وسبب النُّزول أنّ هذا الوصف مِن حيث النزول يُراد به مسجد قباء، غير أنّ مسجد النبي أحقُّ بهذا الوصف مِن جهة الحكم، فقال: «قوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ نزلت بسبب مسجد قباء، لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحقُّ منه بذلك، وهو مسجد المدينة. وهذا يوجه ما ثَبَت في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه سُئِل عن المسجد الذي أسس على التقوى. فقال: «هو مسجدي هذا». وكلاهما مُؤَسَّس على التقوى، لكن مسجد المدينة أكمل في هذا النعت، فهو أحقُّ بهذا الاسم، ومسجد قباء كان سبب نزول الآية؛ لأنّه مُجاوِرٌ لِمسجد الضِّرار الذي نُهِي عن القيام فيه». وبنحوه قال ابنُ كثير (٤/٢١٢-٢١٤بتصرف)، ثم ذكر أنّه لا منافاة بين القولين، فقال: «وقد صرَّح بأنّه مسجد قباء جماعة من السلف، وقد ورد في الحديث الصحيح: أنّ مسجد رسول الله ﷺ الذي هو في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى. وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا؛ لأنّه إذا كان مسجد قباء قد أُسِّس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأَحْرى»
في قوله: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ قولان: الأول: أنهم يُحرقون ويُعذّبون بالنار. الثاني: أنهم يُكذّبون. وقد رجّح ابنُ جرير (٢١/٤٩٨) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الفتنة أصلها: الاختبار، وإنما يقال: فتنت الذهب بالنار: إذا طبختها بها لتعرف جودتها؛ فكذلك قوله: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ يُحرقون بها كما يُحرق الذهب بها». وقال ابنُ عطية (٨/٦٥-٦٦): «و﴿يفتنون﴾ معناه: يُحرقون ويُعذّبون في النار. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والجميع». وعلّق ابنُ القيم (٣/٣٣-٣٤ بتصرف) على القول الأول، فقال: «والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى: يُحرقون، ولكن لفظة ﴿على﴾ تعطي معنًى زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحرق لقيل: يوم هم في النار يفتنون. ولهذا لَمّا علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم ﴿على﴾ بمعنى: في، كما تكون»في«بمعنى: على. ومَن جعل الفتنة ههنا مِن الحريق أخذه من قوله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠]، واستشهد على ذلك أيضًا بهذه اللفظة التي في الذّاريات». ثم قال: «والظاهر أنّ فتنتهم على النار قبل فتنتهم فيها، لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة، وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها. وحقيقة الأمر أنّ الفتنة تُطلق على: العذاب وسببه، ولهذا سمى الله الكفر: فتنة، فهم لما أتَوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمّى جزاءهم: فتنة، ولهذا قال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها مِن أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخول النار والتعذيب بها، ففُتنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فُتنوا بإرسال الرسل إليهم، ثم فُتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فُتنوا بعذاب الدنيا، ثم فُتنوا بعذاب الموت، ثم يُفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حُشروا إلى النار وُقِفوا عليها وعُرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم، ثم الفتنة الكبرى التي أنسَتهم جميع الفتن قبلها»
ذكر ابنُ جرير (٧/٢٦٨-٢٦٩) في معنى الشفاعة قولين: الأول: أنها شفاعة الناس بعضهم لبعض. كما في قول ابن زيد وقتادة والحسن ومجاهد وغيرهم. والثاني: أن المراد بالشفاعة الحسنة هو مناصرة أصحاب النبي في جهاد عدوهم، والشفاعة السيئة هو مناصرة العدو على المؤمنين. وهذا ما رجّحه ابنُ جرير مستندًا إلى السياق، فقال: «وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه ﷺ فيها بحض المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله ﷺ والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التي لم يجرِ لها ذِكْرٌ قبلُ ولا لها ذِكْرٌ بعدُ». هذا، ولم يستبعد ابنُ جرير القول الأول، بل ذهب إلى أنه يدخل في الآية بطريق العموم، فقال: «وقد قيل: إنه عنى بقوله: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾: شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا، ثم عمّ بذلك كل شافع بخير أو شر». وعلّق ابنُ عطية (٢/٦١٦-٦١٧) على الاختلاف في تفسير الآية بقوله: «وهذا كله قريبٌ بعضُه من بعض». وعرض ابنُ تيمية (٢/٣١٧بتصرف) القولين الذين حكاهما ابنُ جرير وغيرهما، ثم علَّق قائلًا: «وكل هذا صحيح، فكلُّ مَن أعان شخصًا على أمر فقد شفعه فيه»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود- قال: سأل أهلُ الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح؛ فأنزل الله: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فقالوا: تزعم أنّا لم نؤتَ مِن العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة، ومَن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. فنزلت: ﴿ولَوْ أنَّما فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾. قال: «ما أوتيتم مِن علم فنجّاكم الله بِه من النار وأدخلكم الجنة فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليلٌ»
اختلف السلف فيما عنى الله بقوله: ﴿فيه شفاء للناس﴾ على قولين: الأول: أنه القرآن. الثاني: أنه العسل. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٢٩١) القول الثاني مستندًا إلى السياق، وعلل ذلك بقوله: «لأن قوله: ﴿فيه﴾ في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره». وكذا ابنُ كثير (٨/٣٢٦-٣٢٩) مستندًا إلى السنة، وذكر عدة أحاديث في كون العسل شفاء. وبنحوهما ابنُ القيم (٢/١١٣بتصرف)، حيث قال: «الصحيح: رجوع الضمير إلى الشراب، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأكثرين، فإنه هو المذكور، والكلام سيق لأجله، ولا ذكر للقرآن في الآية، وهذا الحديث الصحيح وهو قوله: «صدق الله» كالصريح فيه». وذكر ابنُ كثير (٨/٣٢٦) القول الأول عن مجاهد، ثم انتقده مستندًا للسياق قائلًا: «وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر هاهنا من سياق الآية؛ فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله هاهنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ الآية [الإسراء:٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ [يونس:٥٧]». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٨١) قولًا ثالثًا، وانتقده مستندًا لدلالة العقل، فقال: «وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية إنما يراد بها: أهل البيت ورجال بني هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب: القرآن والحكمة، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي: فقال له رجل ممن حضر: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم. فأضحك الحاضرين، وبهت الآخر، وظهرت سخافة قوله»
عن يحيى بن يَعْمُر، قال: ثلاث آيات مدنيات مُحْكَمات ضَيَّعَهُنَّ كثيرٌ مِن الناس: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية، وآية الاستئذان: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ [النور:٥٨]، وقوله: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ الآية [الحجرات:١٣]
عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أنّ أباه أخبره: أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نَزَلَتْ هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين: ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾