وجَّه ابنُ جرير (٣‏/‏٤٩-٥٠بتصرف) قولَ ابن زيد بقوله: «فتأويل الكلام على قول قائل ذلك: ومَثَل الذين كفروا وآلهتهم في دعائهم إياها وهي لا تفقه ولا تعقل كمَثَلِ الناعق بما لا يسمعه الناعق إلا دعاء ونداء، أي: لا يسمع منه الناعق إلا دعاءه... وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك، وهو أن يكون معناها: ومَثَلُ الذين كفروا في دعائهم آلهتَهم التي لا تفقه دعاءَهم كمَثَلِ النّاعق بغَنَمٍ له، من حيث لا تسمع صوتَه غنمُه؛ فلا تنتفع من نعيقه بشيء، غير أنه في عَناء من دُعاء ونِداء، فكذلك الكافر في دعائه آلهتَه إنما هو في عَناءٍ من دعائه إيّاها وندائه لها، ولا ينفعه شيئًا». وقال ابنُ عطية (١‏/‏٤٠٩-٤١٠) مُعَلِّقًا: «فإنّما شُبِّه في هذين التَّأْوِيلَيْنِ [يعني: تأويل ابن زيد، وتوجيه ابن جرير] الكفارُ بالناعق، والأصنامُ بالمنعوق به، وشُبِّهوا في الصمم والبكم والعمى بمَن لا حاسة له لَمّا لَمْ ينتفعوا بحواسهم، ولا صرفوها في إدراك ما ينبغي». وبنحوه قال ابنُ القيم (١‏/‏١٦٣). وانتَقَد ابنُ كثير (٢‏/‏١٤٧) هذا القولَ مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية بما مَفادُه: أنّ الأصنام لا تسمع شيئًا، ولا تعقله، ولا تُبْصِره، ولا بَطْش فيها ولا حياة، والآية تقول: ﴿إلا دعاء ونداء﴾

سورة النساء — الآية ٥٦

عن عبد الله بن عمر، قال: تلا رجل عند عمر: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾، فقال كعب: عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام. فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعتُ من رسول الله ﷺ صدَّقناك. قال: إنِّي قرأتها قبل الإسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعتُ من رسول الله ﷺ

علّق ابنُ جرير (٧‏/‏١٧٢) على قول ابن جريج بقوله: «أما الذي قال ابن جريج من أنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة؛ فإنه جائز أن تكون نزلت فيه وأرُيد به كُلّ مؤتمن على أمانة، فدخل فيه ولاة أمور المسلمين، وكل مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا». وعلّق ابنُ كثير (٤‏/‏١٢٦) على قول مَن جعلها في عثمان بن أبي طلحة بقوله: «واسمُ أبي طلحة: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري، حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمانُ هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافرًا. وإنما نبهنا على هذا النسب؛ لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليهم هذا بهذا»

اختُلِف في المَعْنِيّ بقوله تعالى: ﴿والذي تولّى كبره﴾ على قولين: أحدهما: أنه عبد الله بن أُبَيّ بن سلول. والآخر: أنه حسان بن ثابت. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٩٧) القولَ الأولَ وهو قول الجمهور- استنادًا إلى إجماع أهل السِّيَر والأخبار، وقال مُعَلِّلًا: «ذلك أنّه لا خلاف بين أهل العلم بالسِّير أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم؛ عبد الله بن أُبي ابن سلول، وفِعْلُه ذلك على ما وصفتُ كان توليه كِبَر ذلك الأمر». ومالَ إليه ابنُ عطية (٦‏/‏٣٥٤)، حيث قال: «هو ظاهر الحديث». وكذلك ابنُ تيمية (٥‏/‏٥٩٥). ومثله أيضًا ابن كثير (١٠‏/‏١٩٠)، وانتَقَدَ القول الثانيَ لدلالة العقل والسنة، فقال: «هو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري بما قد يدلّ على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة؛ فإنه من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن محاسنه أنه كان يذبُّ عن رسول الله ﷺ بشعره، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ: «هاجِهم وجبريل معك»»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٥٤٠) عن مجاهد نحو ما جاء في هذا القول من أنّه كان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومَن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة. وذكر قولًا آخر، فقال: «وحكى الرماني: أنّ العرش حُمِل من مأرب إلى الشام في قدر رجع البصر». ثم علّق عليه بقوله: «وهي مسيرة شهرين للمُجِدِّ». ثم علّق على قول مجاهد بقوله: «وقول مجاهد: أشهر». وعلّق ابنُ كثير (١٠‏/‏٤١٣) بعد أن نقل قول ابن أبي شيبة في هذا الأثر: «ما أحسنه من حديث»؛ فقال: «بل هو منكر غريب جدًّا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب -سامحهما الله تعالى -فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ». وذكر ابنُ عطية أنه رُوي: أنّ الجن كانت تخبر سليمان بمناقل سيرها، فلما قربت قال: ﴿أيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾

سورة البقرة — الآية ٢٥

عن أنس، قال: أُصِيب حارثةُ يوم بدر، فجاءت أُمُّه، فقالت: يا رسول الله، قد علِمتَ منزلةَ حارثة منِّي، فإن يكن في الجنة صبَرْتُ، وإن يكن غير ذلك تَرى ما أصنع؟ فقال: «إنها ليست بجنة واحدة، إنّها جنان كثيرة، وإنّه في الفردوس الأعلى»

سورة آل عمران — الآية ١٧٣

قال أبو معشر: دخل ناس من هُذَيْل من أهل تِهامة المدينةَ، فسألهم أصحاب رسول الله ﷺ عن أبي سفيان، فقالوا: قد جمعوا لكم جموعًا كثيرة، فاجتنبوهم. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فأنزل الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾

سورة الأعراف — الآية ١٥٥

عن عليِّ بن أبي طالب -من طريق عن كَثِيرٍ النَّوّاء، عن بعض أصحابنا- أنّه سُئِل عن أبي بكر وعمر. فقال: إنّهما من السبعين الذين سألهم موسى بن عمرانَ، فأُخِّرا حتى أُعطِيَهما محمد ﷺ. وتلا هذه الآية: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾ الآية

ذكر ابنُ جرير (٢‏/‏٦٤٩) اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ المقصود بالكبيرة: التَّوْلية من بيت المقدس إلى البيت الحرام. والثاني: أن المقصود بالكبيرة: هي القبلة بعينها التي كان النبي ﷺ يتوجه إليها من بيت المقدس. والثالث: أن المقصود بالكبيرة: هي الصلاة التي كانوا صلّوها إلى بيت المقدس. وقد رَجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأولَ منها؛ أنّ المراد بالكبيرة: هي التولية والتحويلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعلّل ذلك بقوله: «لأنّ القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي ﷺ وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة ولا الصلاة؛ لأنّ القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهى غير كبيرة عليهم». ثم وجَّه ابنُ جرير (٢‏/‏٦٤٩) قولَ من قال: إنّ المقصود بالتولية: القبلة الأولى. فقال: «إلا أن يُوَجِّه مُوَجِّهٌ تأنيثَ الكبيرة إلى القبلة، ويقول: اجْتُزِئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة؛ لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا»

سورة التوبة — الآية ٧٩

عن أبي مسعود، قال: لَمّا نزلتْ آيةُ الصدقةِ كُنّا نَتَحامَلُ على ظُهورنا، فجاء رجلٌ فتصدَّق بشيءٍ كثير، فقالوا: مُرائي. وجاء أبو عَقِيلٍ بنصف صاع، فقال المنافقون: إنّ الله لَغَنِيٌّ عن صدقة هذا. فنزلت: ﴿الذين يلمزُون المطَّوعين من المؤمنين في الصدقاتِ والَّذين لا يجدونَ إلا جُهْدهم﴾ الآية