سورة الفجر — الآية ١٥

قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأَمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾، قال: يقول: ﴿كلا﴾ ما أغنيتُ هذا الغني لكرامته، ولا أفقرتُ هذا الفقير لهوانه عليّ، ولكن كذلك أردتُ أنْ أُحسن إلى هذا الغني في الدنيا، وأهون على هذا الفقير حسابه يوم القيامة، ثم قال في سورة أخرى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦]. يقول: ليس من شدة إلا بعدها رخاء، ولا رخاء إلا بعده شدة

رجّح ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥٣) أنّ الإثم في الآيةِ لفظ عامٌّ لجميع الأقوال والأفعال التي يتعلق بمرتكبها إثم، قال: «﴿والإثْمَ﴾: لفظه عامٌّ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم». ثم أشار إلى ما جاء في قول الحسن من أنّ الإثم الخمر، وانتَقَدَه (٣‏/‏٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى زمن النزول، واللغة، ودلالة العقل قائلًا: ""وقال بعضُ الناس: هي الخمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:شربت الإثم حتى طار عقليوهذا قول مردودٌ؛ لأنّ هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا فبيت الشعر يُقال: إنّه مصنوع مُخْتَلق. وإن صحَّ فهو على حذف مضاف، وكان ظاهر القرآن على هذا القول أنّ تحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا أنّ الخمر إثم، والإثم مُحَرَّم؛ فالخمر محرمة. ولكن لا يصح هذا؛ لأن قوله: ﴿فِيهِما إثْمٌ﴾ لفظ محتمل أن يراد به: أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام، فكأنه قال: في الخمر هذه الآثام، أي: هي بسببها ومعها، وهذه الأشياء محرمة لا محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا، ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنّا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾، وفي بعض الأحاديث: فتَرَكها قومٌ للإثم الذي فيها، وشربها قوم للمنافع. وإنّما حُرِّمت الخمر بظواهر القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة»

اختُلِف في تأويل قوله: ﴿مثل ذلك﴾؛ فقال بعضهم: تفسيره: وعلى وارث الصبيِّ بعد وفاة أبويه مثلُ الذي كان على والده من أجر رضاعِه ونفقتِه، إذا لم يكن للمولود مالٌ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وعلى الوارث ألا يُضارَّ. وقال غيرهم: بل تفسير ذلك: وعلى الوارث مثلُ ما ذَكَرَه اللهُ تعالى. وذهب قومٌ إلى أنّ معنى ذلك: وعلى وارثِ المولود مثلُ الذي كان على المولود له مِن رزق والدته وكسوتها بالمعروف. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٢٣٣-٢٣٥) القولَ الأخيرَ مقرونًا بقيد كون الوالدة مِن أهل الحاجة، وإلا فمِثل الذي كان على والده لها مِن أجر رضاعه. فأمّا مُسْتَنَدُ ترجيحه فقد سبق ذِكْرُه في الخلاف الوارد في الوارث، واستند في قيده هذا إلى الإجماع، فقال: «وأمّا الذي قُلْنا: مِن وجوب رزق الوالدة وكسوتِها بالمعروف على ولدها إذا كانت الوالدةُ بالصِّفة التي وصَفْنا على مثلِ الذي كان يجب لها من ذلك على المولود له؛ فمِمّا لا خلاف فيه من أهل العلم جميعًا، فصحَّ ما قُلْنا في الآية مِن التأويل بالنَّقل المستفيض وراثة عمَّن لا يجوز خلافُه، وما عدا ذلك من التأويلات فمُتَنازَعٌ فيه، وقد دَلَّلْنا على فساده». وعلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٥٧٥) على الخلاف في هذه الآية، فقال: «فالإجماعُ مِن الأمة: ألا يضارَّ الوارِثُ. والخلاف: هل عليه رِزْقٌ وكسوة، أم لا؟»

في وصف النفس باللوامة قولان: الأول: أنها صفة مدح، وهو قول مَن جعلها قَسمًا. الثاني: أنها صفة ذم، وهو قول مَن نفى أن يكون قَسمًا. ومَن جعلها مدحًا له في تفسيرها قولان: الأول: أنها التي تلوم على الخير والشر. الثاني: أنها تلوم على ما فاتَ وتَندم. ومَن جعلها صفة ذم له في تفسيرها قولان: الأول: أنها الفاجرة. الثاني: المذمومة. ورأى ابنُ جرير (٢٣‏/‏٤٧٠) تقارب هذه الأقوال، فقال: «وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه، وإن اختلفتْ بها ألفاظ قائليها، فمتقاربات المعاني». ثم رجَّح (٢٣‏/‏٤٧٠-٤٧١) القول بأنها صفة مدح، وهو القول الذي قاله ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، وعكرمة، ومجاهد-مستندًا إلى إجماع القُراء على قراءة الفصل التي تفيد القسم-، فقال: «وأشبه القول في ذلك بظاهر التنزيل أنها تلوم صاحبها على الخير والشر، وتَندم على ما فاتَ، والقُراء كلّهم مُجمِعون على قراءة هذه بفصل ﴿لا﴾ من ﴿أقسم﴾». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٧١) قولًا بأنّ المراد: نفس آدم؛ لأنها لم تزل اللائمة له على فِعْله الذي أخرجه من الجنة. ثم قال: «وكلّ نفس متوسطة ليستْ بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء فإنها لوامة في الطرفين؛ مرة تلوم على ترْك الطاعة، ومرة تلوم على فَوْت ما تشتهي، فإذا اطمأنتْ خلصتْ وصَفتْ»

سورة البقرة — الآية ٣٠

عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق بِشْرِ بن عُمارة- قال: كل شيء في القرآن «جعل» فهو: خلق[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥. وعزاه السيوطي إليه من قول الضحاك. قال الشيخ شاكر في تحقيقه لتفسير ابن جرير ١/٤٤٨ معللًا ذلك: «وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك، فلعل ذِكْر الضحاك سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري». لكن السيوطي في الإتقان (ط: مجمع الملك فهد) ١/٩٩٩ عزا هذا الأثر إلى ابن جرير من قول أبي روق.]][[c=١٣٥]]

سورة الأنعام — الآية ١

عن عبد الرحمن بن أبزى، أنّه أتاه رجلٌ مِن الخوارج، فقرأ عليه: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الآية. ثم قال: أليس الذين كفروا بربِّهم يَعدِلون؟ قال: بلى. فانصرَف عنه الرجلُ، فقال له رجلٌ مِن القوم: يا ابن أبزى، إنّ هذا أراد تفسيرَ الآية غيرَ ما تَرى، إنّه رجلٌ مِن الخوارج. قال: رُدُّوه عَلَيَّ. فلما جاء، قال: أتَدرِي في مَن أُنزِلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: نزلت في أهل الكتاب، فلا تَضَعها في غير موضعها

سورة الحج — الآية ٥٢

في تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ النبي عليه السلام كان يُصَلِّي عند البيت والمشركون جلوس، فقرأ: ﴿والنجم﴾، فحدَّث نفسه حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى (١٩) ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: «فإنها مع الغرانيق العلى، وإن شفاعتها هي المرتجى». فلمّا انصرف قالوا: قد ذكر محمدٌ آلهتنا. فقال النبيُّ: واللهِ، ما كذلك نزلت عَلَيَّ. فنزل عليه جبريل، فأخبره النبيُّ، فقال: واللهِ، ما هكذا علَّمْتُك، وما جئتُ بها هكذا. فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ إلى آخر الآية

فسَّر ابن جريج الاستحياء بالاسترقاق. وقد انتَقَد تفسيره ابنُ جرير (١‏/‏٦٥١) استنادًا إلى مخالفته لغة العرب، فقال: «حادَ ابنُ جريج بقوله هذا عما قاله مَن ذكرنا قوله في قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ إنه استحياء الصبايا الأطفال، إذ لم يجدهن يلزمهن اسم نساء، ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله ﴿ويستحيون﴾: يسترِقُّون، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية، وذلك أنّ الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة، نظير الاستبقاء من البقاء، والاستسقاء من السقي، وهو من معنى الاسترقاق بمعزل»

اختُلِف في تفسير خطوات الشيطان؛ فقال قوم: هي عمله. وقال غيرهم: خطاياه. وذهب قوم إلى أنها: طاعته. وذهب آخرون إلى أنها: النذور في المعاصي. وجَمَع ابنُ جرير (٣‏/‏٣٩بتصرف) بين هذه الأقوال بأنّ بعضها قريب من بعض، فقال: «وهذه الأقوال قريبٌ معنى بعضِها من بعض؛ لأن كلَّ قائلٍ منهم قولًا في ذلك فإنّه أشار إلى نهي اتِّباع الشيطان في آثاره وأعماله. غير أن حقيقة تأويل الكلمة هو أنها: بُعْدُ ما بين قدميه. ثم تستعمل في جميع آثاره وطُرُقِه». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٤٠٧)، حيث قال: «وكلُّ ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان»

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٤٩٢-٤٩٣ بتصرف) ما ذهب إليه محمد بن كعب القُرَظِيُّ في تفسير الجِدال في الحج، مستندًا إلى عدم وجود دليل يشهد لصحته، أو يُقَدِّمه على العموم، فقال: «وأمّا قول من قال: معناه: النهي عن اختلاف المختلفين في أتمهم حجًّا، فقولٌ في حكايته الكفاية عن الاستشهاد على وهائه وضعفه، وذلك أنّه قولٌ لا تُدْرَك صِحَّتُه إلا بخبر مستفيض، أوخبر صادق يوجب العلم أنّ ذلك كان كذلك فنزلت الآية بالنهي عنه، أو أنّ معنى ذلك في بعض معاني الجدال دون بعض، ولا خبر بذلك بالصفة التي وصَفْنا»