عن علي بن أبي طالب -من طريق أبي أيوب- قال: سأل قوم من التُّجّار رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحَوْل غزا النبي ﷺ، فصلّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم! فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل الله بين الصلاتين: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (١٠١) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ إلى قوله: ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾. فنزلت صلاة الخوف
ذكر ابنُ عطية (٧/٦١٦) أنّ كثيرًا مِن الناس ذهب إلى أن معنى الآية: ثم اسْتَقامُوا بالطاعات والأعمال الصالحات. وساق قول أبي بكر، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا القول أعمّ رجاءً وأوسع، وإن كان في الجملة المؤمنة مَن يُعذب وينفذ عليه الوعيد، فهو ممن يُخلّد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحالّ بالكفرة»
اختلف المفسرون في السبب الذي من أجله كادوا أن يُضَيِّعوا فرضَ الله عليهم في ذبح البقرة، فذهب بعضهم إلى أنّ السبب: غلاء ثمنها. وذهب آخرون إلى أنّ السبب: خوف الفضيحة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢/١١٤) أنّ السبب: الأمران معًا مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «والصواب من التأويل عندنا: أنّ القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للخلتين كلتيهما: إحداهما: غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها. والأخرى: خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى -صلوات الله عليه- وأتباعه على قاتله». وانتَقَدَ ابن كثير (١/٤٥٢) كلامَ ابن جرير، فقال: «وقال ابن جرير: وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن أطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه. ولم يسنده عن أحد. ثم اختار أن الصواب في ذلك: أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة. وفي هذا نظر، بل الصواب -والله أعلم- ما تقدم من رواية الضحاك، عن ابن عباس». وقد أسند ابن جرير (٢/١١٧) هذا القولَ عن وهب بن منبه، فقال: «وأما ما قلنا ِمِن خوفهم الفضيحة على أنفسهم فإنّ وهب بن منبه كان يقول: إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة إنما قالوا لموسى: ﴿أتتخذنا هزوا﴾؛ لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت، فحادوا عن ذبحها. حُدِّثْتُ بذلك عن إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه»
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ مِن عباد الله عبادًا يَغْبِطُهم الأنبياء والشهداءُ يوم القيامة بمكانهم مِن الله». قيل: مَن هُم، يا رسول الله؟ قال: «قومٌ تحابُّوا في الله مِن غير أموالٍ ولا أنساب، وجوهُهم نورٌ، على منابر مِن نورٍ، لا يخافون إذا خاف الناسُ، ولا يحزنون إذا حَزِن الناسُ». ثم قرأ: ﴿ألا إنّ أولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنونَ﴾
عن عبد الله بن عباس، أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾. قال: كدُردِيّ الزّيت وسواد العَرق مِن خوف يوم القيامة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ قول الشاعر: تُبارِي به العِيسُ السمومَ كأنها تبطّنت الأقراب من عَرَق مُهلا؟
قال مقاتل بن سليمان: فخوّفه الله الرَّجعة إليه، فقال: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ خوّفه في القيامة في التقديم بعد أن قال: ﴿ورَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾، ثم هدّده فيما بعد بقوله: ﴿كَلّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، ثم ذكر الناصية فقال: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦]
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فرجالا﴾ قال: مشاة، ﴿أو ركبانا﴾ قال: لأصحاب محمد، على الخيل في القتال. إذا وقع الخوفُ فلْيُصَلِّ الرجلُ على كل جهةٍ، قائمًا أو راكبًا أو ما قدر، على أن يُومِئَ إيماءً برأسه، أو يتكلم بلسانه
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾، قال: أمّا عند الغنيمة فأشحُّ قوم وأسوؤه مقاسمة: أعطونا أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ على أقوال: الأول: فمَنَّ الله عليكم بإظهار دينه، وإعزاز أهله، وإعلانكم الإيمان. وهو قول سعيد بن جبير. الثاني: فمَنَّ الله عليكم بالتوبة على الذي قتل ذلك الرجل، وهو قول السدي. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٣٦٥) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ ما وصفنا من قبل، فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ برَفْعِ ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه، وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به، من توحيده وعبادته، حذارًا من أهل الشرك»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ يعني: مِن بعدهم مِن إخوانهم في الدنيا أنّهم لو رأوا قِتالًا لاسْتُشْهِدوا ليَلْحَقوا بهم. ثُمَّ قال سبحانه: ﴿ألا خوف عليهم﴾ من العذاب، ﴿ولا هم يحزنون﴾ عند الموت