أفادت الآثار عوْد الضمير من قوله: ﴿إنها﴾ على جهنم. وقد ذكر ابنُ عطية (٨/٤٦٣) ذلك، ثم بيّن احتمال الآية وجهًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون الضمير للنّذارة وأمر الآخرة، فهو للحال والقصة». ووجّهه بقوله: «وتكون هذه الآية مثل قوله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص:٦٧، ٦٨]»
عن مَعْمَر، قال: أخبرني مَن سمع عكرمة يقول: مَكَثَ النبيُّ ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإسلام سِرًّا وهو خائف، حتى بعث الله على الرجال الذين أنزل فيهم ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾... ثم أمر بالخروج إلى المدينة، فقدم في ثمان ليال خَلَوْن من شهر ربيع الأول، ثم كانت وقعة بدر، ففيهم أنزل الله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ [الأنفال: ٧]، وفيهم نزلت: ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر: ٤٥]، وفيهم نزلت: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب﴾ [المؤمنون:٦٤]، وفيهم نزلت: ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا﴾، وفيهم نزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. أراد اللهُ القومَ، وأراد رسولُ الله ﷺ العيرَ... وفيهم نزلت: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ [آل عمران:١٣] في شأن العِير...
عن عبد الله بن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: قرأتُ الليلةَ آية أسْهَرَتْني: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب﴾، فقرأها كلَّها. فقال: ما عُني بها؟ فقال بعض القوم: الله أعلم! فقال: إني أعلم أن الله أعلم، ولكن إنما سألت إن كان عند أحد منكم علم، وسمِع فيها شيئًا أن يُخْبِرَ بما سمع. فسكتوا، فرآني وأنا أهْمِسُ. قال: قل يا ابنَ أخي، ولا تَحْقِرْ نفسك. قلت: عُني بها العمل؟ قال: وما عُني بها العملُ؟ قلتُ: شيء أُلْقِي في رُوعِي فقلتُه. فتركَنِي، وأقبلَ وهو يُفَسِّرُها: صدقت يا ابنَ أخي، عُني بها العملُ، ابنُ آدمَ أفقرُ ما يكون إلى جنته إذا كبُرتْ سنُّه، وكثُر عيالُه، وابنُ آدمَ أفقرُ ما يكونُ إلى عملِه يومَ القيامة، صدقتَ، يا ابنَ أخي
عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا نزل الحِجْرَ قام فخطَب الناس، فقال: «يا أيُّها الناس، لا تسألوا نبيَّكم عن الآيات؛ فإنّ قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعثَ إليهم آية، فبَعث الله إليهم الناقة، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفَجِّ فتشرَبُ ماءَهم يوم وِرْدِها، ويحتَلِبون مِن لبنِها مثلَ الذي كانوا يأخُذون مِن مائها يوم غِبِّها، وتصدُرُ مِن هذا الفَجِّ، فعتَوْا عن أمر ربِّهم، فعقَروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا مِن الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلَك الله مَن كان منهم تحتَ مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلًا كان في حَرَمِ الله، فمنَعه حَرَمُ الله مِن عذاب الله». فقيل: يا رسول الله، مَن هو؟ قال: «أبو رِغالٍ، فلمّا خرج مِن الحرم أصابَه ما أصاب قومَه»
قال يحيى بن سلّام: قال الله: ﴿نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه:٦٣]. قال قتادة: كانوا أكثر عددًا وأموالًا. وقال بعضهم: ﴿نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة﴾ أعقلهم: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾. وهي مواطن، قالوا: ﴿إلا يوما﴾، و﴿إلا عشرا﴾، و﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [الكهف:١٩]، وقال: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات:٤٦]، وقال: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقال: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون﴾ [الروم:٥٥] يحلف المجرمون المشركون: ﴿ما لبثوا غير ساعة﴾ [الروم:٥٥] أي: في الدنيا؛ وذلك لتصاغر الدنيا عندهم، وقِلَّتها في طول الآخرة
قال يحيى بن سلّام: قوله عز وجل: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وهو واحد، وقال في آية أخرى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] والإسلام هو اسم الدين، قالَ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران:٨٥] والإيمان بالله وما أنزل، ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ والقنوت: الطاعة، ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ أي: في صلاتكم ﴿قانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] مطيعين، ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ على ما أمرهم الله به وعمّا نهاهم الله عنه، ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ وهو الخوف الثابت في القلب، ﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ يعني: الزكاة المفروضة، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ بلغني: أنّه مَن صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات، ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ مما لا يحل لهنَّ
وجَّه ابنُ عطية (٣/٥٧) قول ابن جريج، فقال: «فقول ابن جُرَيْج يقتضي أنّ سؤالهم كان على نحو سؤال عبد الله بن أبي أمية المخزومي القرشي». وذكرَ ابنُ جرير (٧/٦٤٠) أنّ الصَّواب من الأقوال: أهل التوراة سألوا رسول الله ﷺ أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء آية. وأفادَ بأنّه جائز أن يكون ذلك كتابًا إلى جماعتهم، وجائز أن يكون كتبًا إلى أشخاص بأعيانهم. ثُمَّ رَجَّح (٧/٦٤١) الأوَّلَ مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، فقال: «بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة أن تكون مسألتُهم إيّاه ذلك كانت مسألةً لتنزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم لذكر الله في خبره عنهم الكتاب بلفظ الواحد، بقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾، ولم يقل: كتبًا»
عن إبراهيم بن يزيد الدمشقي، قال: كنتُ جالسًا عند عبد العزيز بن مروان، فقال: يا فلان، اذهب إلى فلان، فقُل له: أيَّ شيء سمعتَ من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالِسٌ: أرْسَلَني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ إصبعي الصغيرة، فقال: «هذه الفجر». وقبض التي تليها، وقال: «هذه الظهر». ثم قبض الإبهام، فقال: «هذه المغرب». ثم قبض التي تليها، فقال: «هذه العشاء». ثم قال: «أيُّ أصابعك بَقِيَتْ؟». فقلت الوسطى. فقال: «أيُّ الصلاة بقيت؟». فقلت: العصر. فقال: «هي العصر»
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ دخل في قلوبهم شيءٌ منه لم يدخلْ من شيء، فقالوا للنبي ﷺ، فقال: «قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسلَّمْنا». فألقى اللهُ الإيمانَ في قلوبهم؛ فأنزل الله: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ الآية، ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنا لا تُؤاخِذۡناۤ إن نَّسِیناۤ أوۡ أخۡطَأۡناۚ﴾. قال: قد فعلتُ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلۡنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِۦۖ﴾. قال: قد فعلتُ. ﴿وٱعۡفُ عَنّا وٱغۡفِرۡ لَنا وٱرۡحَمۡناۤۚ﴾ الآية، قال: قد فعلتُ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم﴾، كان الرجل يَرْغَبُ في الرجل، فيُحالِفه، ويُعاقِده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلمّا نزلت هذه الآيةُ آيةُ المواريث، ولم يذكر أهل العقد، فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث ﴿إن الله كان على كل شيء﴾ من أعمالكم ﴿شهيدا﴾ إن أعطيتم نصيبهم، أو لم تعطوهم، فلم يأخذ هذا الرجلُ شيئًا حتى نزلت: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأحزاب:٦]، فنسخت هذه الآية: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾